في وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية، وتتعرض فيه بلدان عربية، منها دول مجلس التعاون الخليجي والعراق والأردن، لهجمات إيرانية مباشرة، تجلى مشهد سياسي لافت في العاصمة الموريتانية نواكشوط. فقد نظم حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية في موريتانيا (تواصل)، المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، حفل إفطار رمضاني في نواكشوط، حضره السفير الإيراني جواد أبو علي أكبر.
الصور التي تداولتها وسائل إعلام موريتانية، أظهرت السفير الإيراني جالساً يتصدر الحضور على الطاولة الرئيسية إلى جانب قيادات الحزب. والأدهى من ذلك، صورة أخرى لأحد أعضاء الحزب وهو يقبّل يد السفير، الأمر الذي يعكس مستوى الحفاوة التي قوبل بها الدبلوماسي الإيراني في الحفل المذكور، ضمن أحد أنشطة (تواصل) السياسية.
توقيت يثير الأسئلة
لم يكن الحدث عادياً بالنسبة لمراقبي الشأن الإقليمي، فقد جاء في لحظة شديدة الحساسية في الشرق الأوسط، حيث تتصاعد الهجمات الإيرانية على دول عربية كالسعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت والعراق والأردن، وسط تبادل للهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
في ظل هذه الأجواء، يحمل ظهور السفير الإيراني في نشاط لحزب سياسي موريتاني بارز، وما رافقه من مظاهر تكريم واضحة، دلالات سياسية تتجاوز الطابع الاجتماعي أو الدبلوماسي لمناسبة الإفطار الرمضاني.
تطرح مثل هذه المشاهد أسئلة جديدة حول طبيعة العلاقة بين بعض تيارات الإسلام السياسي وإيران، وهي علاقة اتسمت خلال السنوات الماضية بتقاطعات سياسية رغم التباين العقائدي بين الطرفين.
تقاطعات قديمة بين الإخوان وطهران
شهدت المنطقة خلال العقدين الماضيين حالات متعددة من التقارب السياسي بين إيران وبعض الحركات المرتبطة بالإخوان المسلمين في عدد من الدول، خصوصاً في سياق الصراعات الإقليمية والمواقف من ملفات مثل فلسطين أو المواجهة مع الولايات المتحدة.
ويرى باحثون في شؤون الحركات الإسلامية أن هذا التقارب لم يكن قائماً على أساس مذهبي بقدر ما كان نتيجة تقاطعات سياسية فرضتها حسابات الصراع الإقليمي، إذ وجدت بعض تلك الحركات في إيران حليفاً ظرفياً في مواجهة خصوم مشتركين.

ظهرت هذه التقاطعات في عدة مواقف إقليمية، سواء في الخطاب السياسي لبعض التيارات المرتبطة بالإخوان أو في مواقفها من الصراعات التي شهدتها المنطقة، وهو ما جعل العلاقة بين الطرفين محل جدل واسع في العالم العربي.
إفريقيا.. ساحة جديدة للصراع الإقليمي
يأتي هذا المشهد أيضاً في سياق تحولات أوسع تشهدها القارة الإفريقية، فقد أصبحت منطقة الساحل وغرب إفريقيا خلال السنوات الأخيرة ساحة تنافس متزايد بين قوى إقليمية ودولية.
وتسعى إيران منذ سنوات إلى توسيع حضورها الدبلوماسي والسياسي في عدد من الدول هناك، مستفيدة من الفراغات الجيوسياسية والتحولات التي شهدتها المنطقة، إلى جانب نشاطها الثقافي والديني وشبكاتها الاقتصادية.
لا يقتصر هذا التمدد على العلاقات الرسمية بين الدول، بل يشمل أيضاً بناء علاقات مع أحزاب سياسية ومنظمات اجتماعية ودينية في بعض الدول الإفريقية. في هذا السياق، يُنظر إلى مثل هذه اللقاءات السياسية بوصفها جزءاً من مساعي طهران لتوسيع نفوذها خارج الشرق الأوسط، خاصة في مناطق تشهد تحولات أمنية وسياسية متسارعة مثل الساحل وغرب القارة السمراء.
مفارقة الدعم الخليجي
المشهد في نواكشوط يزداد حساسية عند النظر إلى طبيعة العلاقات الاقتصادية مع دول الخليج العربي. موريتانيا تعتمد منذ عقود على مشاريع ومساعدات تنموية تمولها مؤسسات خليجية رئيسية، من بينها: الصندوق السعودي للتنمية، صندوق أبوظبي للتنمية، مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، بالإضافة إلى الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية
هذه المؤسسات موّلت عشرات المشاريع في موريتانيا خلال العقود الماضية، شملت الطرق والسدود وشبكات الكهرباء والمياه والمستشفيات والمدارس. كما أسهمت دول الخليج في دعم قطاعات حيوية في الاقتصاد الموريتاني، خصوصاً البنية التحتية والطاقة والتنمية الاجتماعية، ما جعل التمويل الخليجي أحد أبرز مصادر دعم المشاريع التنموية في البلاد.
رسائل تتجاوز مأدبة الإفطار
بالعودة إلى مشهد الإفطار، يمكن القول إن أهميته لا تكمن في المناسبة بحد ذاتها، بل في رمزية الرسائل والإشارات التي قد تحملها مثل هذه اللقاءات في لحظة إقليمية متوترة. فبينما تخوض دول الخليج والعراق والأردن مواجهة مباشرة مع إيران، يظهر السفير الإيراني ضيف شرف في نشاط سياسي لحزب موريتاني بارز.
ففي منطقة اعتادت على قراءة السياسة من خلال الرموز والإشارات، قد تثير صورة عابرة في مناسبة ما أسئلة أوسع حول الاصطفافات السياسية، وحدود التوازن بين المصالح الاقتصادية والتحالفات الأيديولوجية.















