تحوّل الملف الإيراني في خطاب بنيامين نتنياهو إلى عقيدة تجمع بين الردع والتصعيد، لكن السؤال الذي يحتاج اليوم إلى إجابة حقيقية هو كيف انتقل هذا الملف من كونه تهديداً خارجياً إلى أداة فاعلة في إدارة الداخل الإسرائيلي، وكيف انعكس في المقابل على بنية الاستجابة الدولية ونظام عدم الانتشار؟
إن السياسة تجاه إيران لم تعد “خارجية” بالمعنى الضيق. على امتداد السنوات، تداخلت مع سؤال الشرعية داخل إسرائيل، ومع توازنات الائتلافات الحاكمة، ومع الضغوط القضائية والسياسية المحيطة بنتنياهو. في المقابل، لم تبقَ تداعياتها محصورة في العلاقة الثنائية، بل امتدت إلى دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإلى انقسام القوى الكبرى، وتوازنات الاستقرار الإقليمي.
لم يعد الملف الإيراني مجرد ساحة لاختبار الردع، بل أصبح أداة لإعادة ترتيب الداخل، وميداناً لإعادة تسييس قضايا عدم الانتشار، ومؤشراً على انتقال الأزمة من إطار قابل للإدارة إلى بيئة أكثر هشاشةً وأقل قابليةً للضبط.
إيران كرافعة للشرعية الأمنية
لا يمكن قراءة سياسة نتنياهو تجاه إيران بمعزل عن بنيتها الداخلية. فهي لا تُصاغ فقط استجابةً لتهديد خارجي، بل تتغذى من تفاعلات ثلاثية: صورة القيادة، توازنات الائتلاف، والضغوط القضائية والسياسية.
الطبقة الأولى تتعلق بـ”هوية القيادة”. على مدى سنوات، بنى نتنياهو صورته كفاعل أمني أول، قادر على قراءة التهديدات مبكراً والتصرف حيالها. وفي هذا المناخ، قدّمت إيران مادة مثالية: خصم بعيد جغرافياً لكنه يُقدَّم خطابياً كتهديد وجودي دائم. هذه الثنائية سمحت بتحويل الملف الإيراني إلى ركيزة رمزية للقيادة، تُترجم سياسياً في القدرة على ضبط الإيقاع داخل المعسكر اليميني وتقديم الذات كـ”ضامن أمني” في لحظات التصعيد.
لكن وظيفة هذا الملف لا تقتصر على بناء صورة الزعيم. فهو يقدّم أيضاً إطاراً عاماً يُعاد عبره ترتيب النقاش الداخلي: حين تتصاعد الأخطار الخارجية، تتراجع تلقائياً مساحة الأسئلة المتعلقة بالأداء السياسي، أو بالأزمات المؤسسية، أو بحدود صلاحيات الحكومة. بهذا المعنى، يتحول “التهديد الإيراني” من ملف أمني إلى أداة لإعادة تنظيم الأولويات داخل المجال العام الإسرائيلي.
الحرب والائتلاف: الطوارئ لا تُلغي المقايضة
الطبقة الثانية تتصل ببنية الائتلاف الحاكم. ففي سياق حرب 2026، تشير تقارير برلمانية وإعلامية إلى إقرار مليارات الشواكل ضمن ما يُعرف بـ”الأموال الائتلافية”، مع توجيه جزء منها إلى مؤسسات دينية ومشاريع استيطانية. أهمية هذه المسألة لا تكمن فقط في حجم الإنفاق، بل في توقيته: قرارات من هذا النوع جرى تمريرها بالتوازي مع تعبئة عسكرية وأزمة أمنية كبرى.
هذا يكشف أن الحرب لا تعطل منطق المقايضة الائتلافية، بل قد تمنحه غطاءً إضافياً. فالتهديد الخارجي لا يؤدي بالضرورة إلى تجميد الحسابات الداخلية، إنما قد يُوفّر لها شرعية موسعة. وفي حالة نتنياهو، يصبح الملف الإيراني أداة لشدّ المعسكر الحاكم، وتثبيت تحالفاته، وإعادة إنتاج توازنات حساسة تتصل بالإنفاق والتجنيد والمكانة السياسية للأحزاب الشريكة.
القضاء والسياسة وحالة الطوارئ الممتدة
الطبقة الثالثة تتعلق بالسياق القضائي والشخصي. يواجه نتنياهو منذ سنوات محاكمة بتهم رشوة واحتيال وإساءة أمانة، وهو ينفيها. النقطة التحليلية هنا ليست الوقوع في التفسير التبسيطي القائل إن كل تصعيد أمني هو مجرد “هروب من القضاء”، بل فهم كيفية تفاعل الأزمتين معاً. فالأزمات الأمنية الكبرى تعيد ترتيب الأولويات العامة، وتدفع الملفات القضائية والسياسية إلى موقع ثانوي، أو على الأقل تقلل حساسيتها الجماهيرية.
وهكذا يتقاطع العامل الأمني مع السياسي لإنتاج حالة “طوارئ ممتدة” يصعب فصلها عن ديناميات الحكم. وتزداد أهمية هذه النقطة حين تُسجّل وسائل إعلام إسرائيلية انتقادات لمحاولات الدفع بأجندات داخلية — قضائية أو مؤسساتية — في سياق الحرب. هذا لا يثبت نية نهائية بقدر ما يوثق دينامية: إيران ليست فقط تهديداً خارجياً، بل أيضاً ورقة في الصراع على شكل الدولة وتوازن سلطاتها.
الاستجابة الدولية: من الرقابة إلى التسييس
على المستوى الأممي، تبنّت الوكالة الدولية للطاقة الذرية خطاباً تحذيرياً متصاعداً منذ 2025. شدد مديرها العام، رافائيل غروسي، مراراً على أن استهداف منشآت نووية يهدد سلامتها ويعرّض المدنيين والبيئة لمخاطر جسيمة، داعياً إلى أقصى درجات ضبط النفس. هذه اللغة لا تعكس فقط قلقاً فنياً، بل تشير إلى تحوّل الملف من مسألة رقابية إلى أزمة تمس الأمن الدولي الأوسع.
في البعد الأوروبي، انتقلت دول مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة من موقع الوسيط إلى موقع الفاعل الضاغط، عبر تفعيل آليات إعادة فرض العقوبات استناداً إلى قرار مجلس الأمن 2231. هذا التحول يكشف تآكل الدور التقليدي لأوروبا كجسر بين واشنطن وطهران، وانتقالها إلى موقع يعيد تدويل الأزمة ضمن إطار قانوني أكثر صرامة. وهنا لا تبدو أوروبا مجرد وسيط فشل في مهمته، بل طرفاً أعاد تموضعه تحت ضغط انهيار الترتيبات السابقة.
في المقابل، تبنّت دول مثل روسيا والصين، إلى جانب إيران، خطاباً يركّز على عدم شرعية استهداف المنشآت النووية الخاضعة للحماية الدولية. أهمية هذا الموقف لا تكمن في مضمونه السياسي المباشر فقط، بل في أنه يعيد إدراج ملف طهران ضمن تنافس القوى الكبرى. فالخلاف لم يعد يدور حصراً حول مستوى التخصيب أو مدى الامتثال، بل حول مبادئ أوسع: حماية المنشآت النووية، حدود استخدام القوة، وموقع القانون الدولي في إدارة الأزمات النووية.
حين يتآكل نظام عدم الانتشار
أحد أخطر تداعيات هذه المرحلة هو تآكل نظام التحقق. مع تراجع قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على العمل الميداني وسحب المفتشين لأسباب أمنية، يدخل البرنامج النووي الإيراني منطقة “العتمة المعلوماتية”. في هذه الحالة، تصبح التقديرات مبنية بدرجة أكبر على معلومات استخباراتية غير مكتملة، ما يزيد من احتمالات سوء التقدير لدى جميع الأطراف.
هذا التطور يُضعف الشفافية ويُقوّض الأساس الذي قامت عليه خطة العمل الشاملة المشتركة: معادلة “التقييد مقابل التحقق”. فإذا كان تقييم عام 2015 قد أشار إلى غياب مؤشرات موثوقة على نشاط تسليحي بعد 2009، فإن انهيار آليات التحقق لاحقاً يجعل من الصعب إصدار تقييمات مماثلة أو تحديثها.
بكلمات أخرى، كلما اتسعت الضربات وتقلصت الرقابة، صار العالم يعرف أقل عن البرنامج الذي يدور الصراع حوله. وهذه مفارقة بنيوية خطيرة: الأدوات التي يُفترض أن تمنع التهديد قد تُفضي، في لحظة معينة، إلى تقليل القدرة على قياسه.
من الملف النووي إلى الإقليم كله
تشير تطورات 2025–2026 إلى انتقال الصراع من نموذج “حرب الظل” إلى نمط أكثر انكشافاً واتساعاً. لم يعد الملف النووي معزولاً، بل بات متداخلاً مع أمن الطاقة، والملاحة، والجبهات الإقليمية. تقارير عن اضطراب الملاحة في مضيق “هُرمز”، واتساع رقعة المواجهة إلى ساحات مثل لبنان، تعكس هذا التحول من صراع محدود نسبياً إلى دينامية إقليمية متعددة الجبهات.
وبالنظر إلى ذلك، لا تبقى “منع إيران” مسألة تتعلق بالمنشآت النووية وحدها، بل تتحول إلى عنوان أوسع لحرب تؤثر في سلاسل الطاقة، والممرات البحرية، والتوازنات العسكرية الإقليمية، والمجتمعات المدنية التي تدفع كلفة التصعيد. وهذا ما يجعل المقاربة القائمة على منع التهديد عبر الضغط العسكري المباشر أكثر تعقيداً: فهي لا تصيب البرنامج وحده، إنما تعيد تشكيل البيئة الإقليمية بأكملها.
المُعضلة القانونية والأخلاقية
على المستوى القانوني والأخلاقي، يبرز ثلاثي إشكالي يصعب تجاوزه. أولاً، استهداف منشآت نووية خاضعة لضمانات دولية، وما يحمله ذلك من مخاطر بيئية وإنسانية، وتقويض لمبدأ الحماية المرتبط بهذه المنشآت. ثانياً، الاغتيالات التي تُثير جدلاً مُستمراً حول حدود “الضرورة الأمنية” في مقابل قواعد القانون الدولي الإنساني. وثالثاً، العمليات السيبرانية التي باتت تُمثل أحد أشكال استخدام القوة من دون إعلان حرب.
إن هذه القضايا تُنتج خلافاً قانونياً بين الدول، وقد تدفع أيضاً نحو تطبيع أنماط صراع رمادية: لا هي حرب معلنة بالكامل، ولا هي منافسة قابلة للاحتواء الدبلوماسي. ومع اتساع هذه المنطقة الرمادية، تتآكل الحدود التي كانت تفصل بين الردع، والتخريب، والضرب الوقائي، والاشتباك المفتوح.
من إدارة الأزمة إلى إعادة إنتاجها
نلاحظ كيف تحول الملف الإيراني من إدارة أزمة نووية عبر أدوات متعددة إلى إعادة إنتاج الأزمة في بيئة أكثر هشاشة وأقل قابلية للضبط. فالتداخل بين الدوافع الداخلية الإسرائيلية، والتنافس الدولي، وتآكل نظام التحقق، يخلق معادلة جديدة يصبح فيها منع الانتشار أكثر صعوبة، والاستقرار الإقليمي أكثر هشاشة، واحتمالات الخطأ الاستراتيجي أعلى من أي وقت مضى.
الخلاصة الأهم أن ملف إيران، من تجربة نتنياهو، أكثر من مجرد ساحة لإظهار الحزم الأمني. صار أداة لإعادة تنظيم الداخل، ومسرحاً لصراع دولي أوسع، ومصدراً لتآكل الضوابط التي كان يُفترض أن تمنع الانزلاق. في هذه النقطة تحديداً، تتجاوز المسألة حدود إسرائيل وإيران، لترتبط بما يحدث حين تتحول سياسات المنع نفسها إلى عامل من عوامل توسيع الأزمة.















