بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

فضيحة وراثية في أوروبا: متبرع بحيوانات منوية يعرّض 200 طفل لخطر الإصابة بالسرطان

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

في واحدة من أشد القضايا الطبية والتنظيمية غرابة في أوروبا خلال عام 2025، كشفت تحقيقات استقصائية موسعة أن متبرعاً بالحيوانات المنوية كان يحمل الطفرة الجينية (TP53) النادرة والخطيرة المرتبطة بارتفاع خطر الإصابة بالسرطان.

رغم خضوع المتبرع الدنماركي للفحوص الطبية المعتمدة في حينه، استُخدمت عيناته على نطاق واسع في برامج التخصيب داخل 14 دولة أوروبية، ما أسفر عن ولادة ما لا يقل عن 197 طفلاً، يواجه بعضهم مخاطر صحية جسيمة تصل إلى 90% على المدى الطويل. بينما شُخّص بعض هؤلاء الأطفال بالفعل بسرطانات قاتلة، وتوفي آخرون مبكراً، فيما يواجه بقيتهم خطراً كامناً داخل جيناتهم الوراثية.

القاتل الصامت: ثغرة في التشخيص

الطفرة المكتشفة في جين (TP53) ترتبط بما يُعرف طبياً بـ متلازمة لي- فروميني (Li-Fraumeni)، وهي حالة وراثية نادرة تزيد بشكل كبير من احتمالية الإصابة بأنواع متعددة من السرطان، منها أورام الدماغ، واللوكيميا، وسرطانات الأنسجة الرخوة، وسرطان الثدي في سن مبكرة.

ووفقاً للمعطيات العلمية التي استند إليها التحقيق، كان المتبرع يعاني من حالة تُعرف بـ الفسيفساء الجينية، حيث لا تحمل جميع خلاياه الطفرة نفسها. هذا العامل جعل اكتشاف الخلل أكثر تعقيداً، إذ لم تُظهر الفحوص الروتينية المعتمدة بين عامي 2005 و2023 مؤشرات واضحة تستدعي استبعاده من برامج التبرع.

نطاق عابر للحدود

أظهر التحقيق الاستقصائي، الذي شاركت فيه 14 مؤسسة إعلامية أوروبية من بينها هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) وشركاؤها في اتحاد البث الأوروبي (EBU)، أن استخدام عينات المتبرع اتخذ طابعاً عابراً للحدود، ما وسّع نطاق التداعيات الصحية والقانونية للقضية على مستوى قاري.

فقد جرى شحن عينات المتبرع إلى 67 عيادة خصوبة موزعة على 14 دولة أوروبية، في إطار شبكات تعاون تجارية وطبية لم تكن تخضع لإطار رقابي موحّد. ونتيجة لذلك، تم تأكيد ولادة 197 طفلاً على الأقل باستخدام هذه العينات، مع ترجيحات غير مؤكدة بأن العدد الفعلي قد يكون أعلى.

في بعض الدول، كشفت التحقيقات عن تجاوزات صريحة للتشريعات الوطنية. ففي بلجيكا وحدها، وُلد 53 طفلاً من نفس المتبرع لصالح 38 امرأة، وهو رقم يفوق السقف القانوني المسموح به لاستخدام متبرع واحد، ما يثير تساؤلات حول آليات الرقابة والتنفيذ.

أما في إسبانيا، فقد سُجّل إنجاب 35 طفلاً باستخدام عينات المتبرع ذاته، وتبيّن أن ثلاثة منهم ورثوا الطفرة الجينية محل التحقيق، بينما يخضع أحدهم حالياً للعلاج من مرض السرطان، وفقاً للمعلومات المتاحة.

في المقابل، لا تزال الشفافية محدودة في عدد من الدول الأوروبية الأخرى، حيث امتنعت السلطات الصحية عن نشر أرقام دقيقة بشأن الأطفال المتأثرين، الأمر الذي يعقّد تقدير الحجم الكامل للقضية ويؤخر استجابات المتابعة الطبية والتنظيمية اللازمة.

العائلات بين الصدمة واللايقين 

خرجت بعض العائلات المتضررة عن صمتها لتتحدث عن وطأة اكتشاف أن أطفالهم ليسوا فقط جزءاً من شبكة واسعة من “الإخوة غير الأشقاء” عبر القارة، بل إنهم يعيشون تحت تهديد بيولوجي موقوت.

تقول إحدى الأمهات الفرنسيات المتضررات: “عندما أدركت أن طفلي قد يرث هذا الخطر طوال حياته، شعرت بأن المستقبل استحال إلى مجهول قاسٍ. نحن لا نعرف متى سيبدأ المرض، ولا كيف سنتعامل معه، إنه انتظار للموت”.

بدورهم، وصف علماء الوراثة الذين كشفوا القضية الوضع بأنه نجاح علمي متأخر وفشل إداري ذريع. وعلّقت كلير ترنبل، أستاذة علم الوراثة السرطانية في معهد أبحاث السرطان بلندن: “إنه تشخيص مفجع لأي عائلة، ولكنه أيضاً نذير بعبء ثقيل سيلازم هذه الأسر مدى الحياة”.

ثغرات عابرة للحدود

تُبرز هذه القضية خللاً بنيوياً في منظومة التبرع بالحيوانات المنوية داخل أوروبا، يتمثل في غياب تنسيق قانوني وأخلاقي موحّد بين الدول. فلا توجد، حتى الآن، قواعد ملزمة على مستوى الاتحاد الأوروبي تحدد سقفاً واضحاً لعدد الأطفال أو الأسر التي يمكن لمتبرع واحد أن تُستخدم عيناته لصالحها، ما يترك المجال واسعاً لاجتهادات وطنية متفاوتة.

هذا التفاوت التشريعي سمح بانتقال عينات المتبرع عبر الحدود الوطنية على نطاق واسع، متجاوزاً القيود القانونية المفروضة داخل بعض الدول. ونتيجة لذلك، أمكن استخدام العينات بشكل مفرط في أسواق مختلفة، من دون آلية فعالة لضبط التراكم الكمي أو لتبادل المعلومات الصحية الحساسة بين الجهات المعنية.

في هذا السياق، أقرّ بنك الحيوانات المنوية المعني بأنه استخدم عينات المتبرع على نطاق أوسع مما ينبغي، مؤكداً وقف التعامل معه فور اكتشاف الطفرة الجينية. غير أن هذا الإجراء، رغم أهميته، جاء بعد أن كانت التداعيات قد وقعت بالفعل، ما يسلّط الضوء على قصور آليات الاكتشاف المبكر والمساءلة. 

تبعات طويلة الأمد

بالنسبة للأطفال الذين ثبتت وراثتهم للطفرة الجينية، فإن الحياة اليومية ستخضع لإطار طبي صارم يمتد على مدى سنوات طويلة. ويشمل ذلك فحوصات دورية مكثفة تهدف إلى الكشف المبكر عن أي مؤشرات لظهور نشاط سرطاني، في محاولة لتقليل المخاطر الصحية المحتملة.

إلى جانب المتابعة الطبية، تبرز الحاجة إلى دعم نفسي وعائلي مستمر لمواجهة ما يصفه مختصون بـ“قلق الانتظار”، أي العيش الدائم تحت وطأة احتمال الإصابة دون يقين زمني أو تشخيصي. كما سيضطر هؤلاء الأطفال، ومع تقدمهم في العمر، إلى التعامل مع الآثار النفسية والاجتماعية المترتبة على معرفة أن مسار حياتهم الصحية قد تأثر بعامل وراثي خارج عن إرادتهم، ما يطرح تحديات إضافية تتجاوز الإطار الطبي البحت.

أزمة تتجاوز الطب

ما بدأ كأمل للأسر التي تكافح من أجل الإنجاب، تحول إلى أكبر فضيحة في تاريخ التبرع بالحيوانات المنوية في أوروبا. هذه الكارثة فتحت الباب لنقاشات حادة حول كفاءة الفحص الجيني، وحدود التنظيم الدولي، وحق الأطفال في معرفة تاريخهم الوراثي. لقد أثبتت القضية أن الثغرات في المعايير العلمية والقانونية تترك ندوباً عميقة في الأجيال القادمة، وأن التوازن بين التقدم الطبي والحماية الأخلاقية لا يزال هشاً للغاية أمام تعقيدات الجينات الموروثة.