صعدت أربع نساء إلى منصة التجمع السنوي لـ”حزب الرابطة” الإيطالي في بلدة بونتيدا، قرب بيرغامو، مرتديات ملابس سوداء تحاكي النقاب وتخفي أجسادهن ووجوههن. وعلى وقع موسيقى مسلسل “صراع العروش”، بدأن خلع ما يرتدينه، فيما تعالت من الجمهور هتافات “انزعيه، انزعيه”، قبل أن يرددن “حرية، حرية”.
بدا المشهد، الذي وقع في 20 سبتمبر/أيلول 2026، عرضاً رمزياً لتحرير النساء من النقاب والبرقع. لكن موقعه وشعاراته وهوية المشاركات فيه وضعته داخل سياق سياسي أوسع: مواجهة ما يسميه اليمين الإيطالي “أسلمة أوروبا”، وتشديد القيود على الهجرة والمساجد والرموز الإسلامية.
شاركت في العرض ناشطات من مجموعة “كولكتيف نيميسيس” الفرنسية، برفقة النائبة الإيطالية في البرلمان الأوروبي عن “حزب الرابطة” آنا ماريا تشيزينت. وقالت المشاركات إن من لا يحترم قوانين البلاد “غير مرحب به وعليه المغادرة”، في رسالة دمجت بين الدفاع عن حرية المرأة وتحديد شروط قبول المهاجرين داخل المجتمع الإيطالي.
عرض في قلب معركة سياسية
لم يكن اختيار بونتيدا عارضاً؛ فالبلدة تستضيف سنوياً التجمع الأبرز لـ”حزب الرابطة”، وتحولت إلى مساحة لإعلان مواقف الحزب بشأن الهوية والهجرة والحكم الذاتي والأمن. كما حضرت في نسخة 2026 لافتات ورسائل تربط بين النقاب والشريعة والهجرة ومستقبل الهوية الإيطالية.
وكان الحزب قد أعلن قبل التجمع أنه سيعيد إطلاق معاركه ضد الهجرة غير النظامية و”أسلمة أوروبا”. ومن المنصة نفسها، طالب زعيم “حزب الرابطة” ونائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني، حلفاءه في الائتلاف الحاكم بتشديد القيود على النقاب، ورفض بناء مساجد جديدة، محذراً مما وصفه بالاستخدام السياسي للقرآن والتطرف الديني.
أما تشيزينت، التي ظهرت مع ناشطات “نيميسيس”، فلا تدخل هذه المعركة للمرة الأولى. فقد اشتهرت خلال رئاستها بلدية مونفالكوني بإجراءات استهدفت أماكن صلاة تستخدمها جالية مسلمة كبيرة، يتحدر معظم أفرادها من بنغلاديش. وبررت قراراتها بمخالفات تتعلق بالتخطيط العمراني والسلامة، بينما اتهمها منتقدون بتحويل الوجود الإسلامي إلى قضية سياسية وانتخابية.
وتنتمي “نيميسيس” بدورها إلى تيار نسوي هوياتي نشأ في فرنسا عام 2019. وتقدم المجموعة نفسها بوصفها مدافعة عن النساء في مواجهة العنف والتطرف الإسلامي، لكنها تركز نشاطها بصورة شبه حصرية على الهجرة والرجال المسلمين، فيما تتهمها حركات نسوية فرنسية بتوظيف قضايا المرأة لخدمة خطاب قومي مناهض للمهاجرين.
لهذا، لم يكن خلع النقاب في بونتيدا فعلاً نسوياً محايداً، بل نموذجاً لما يسمى أحياناً “القومية النسوية”: استخدام مفردات المساواة وحماية النساء لتسويغ سياسات أكثر تشدداً تجاه الهجرة والهوية والاندماج.
ميلوني تفتح باب المدارس
في اليوم نفسه، وعلى منصة أخرى في روما، أعلنت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني أن حكومتها ستقدم إجراءً يحظر البرقع والنقاب في المدارس، ويضع سقفاً لعدد الطلاب الأجانب في كل فصل، ويلزم أولياء أمور الطلاب الذين يواجهون صعوبة في الاندماج بتعلم الإيطالية.
وقالت ميلوني إن الطالبات يجب أن يذهبن إلى المدرسة بوجوه مكشوفة، وإنه لا يجوز لأحد أن يقرر، باسم تقليد حقيقي أو مزعوم، أن تخفي شابة نفسها. وربطت بين كثافة الطلاب الذين لا يتحدثون الإيطالية وتعثر الاندماج، معتبرة أن تركز أعداد كبيرة منهم في فصل واحد يحول الاندماج إلى “إهمال”.
الحدثان منفصلان تنظيمياً: فعرض بونتيدا جزء من تجمع “حزب الرابطة”، فيما صدر إعلان ميلوني خلال مهرجان شبابي تابع لحزب “إخوة إيطاليا”. لكن تزامنهما كشف تقارباً متزايداً بين جناحي الائتلاف الحاكم في وضع لباس المسلمات داخل حزمة واحدة تشمل اللغة والهجرة والمدارس والمساجد والهوية الوطنية.
ولم يتحول إعلان ميلوني بعد إلى قانون، كما لم يُنشر النص النهائي للإجراء، ولم تحدد الحكومة النسبة القصوى للطلاب الأجانب في الفصول. كذلك، يستهدف المقترح المعلن أغطية الوجه، مثل البرقع والنقاب، ولا يشمل الحجاب الذي يترك الوجه مكشوفاً.
يشكل غير الحاصلين على الجنسية الإيطالية نحو 11.6% من طلاب المدارس، إلا أن هذه النسبة لا تعني أنهم جميعاً مهاجرون جدد؛ إذ ولد أكثر من 600 ألف منهم في إيطاليا. كما لا توجد إحصائية رسمية لعدد الطالبات اللواتي يرتدين النقاب أو البرقع، وهو ما يثير سؤالاً عن حجم المشكلة العملية التي يستهدفها الحظر، مقارنة بالقيمة الرمزية والسياسية للحديث عنها قبل الانتخابات العامة المقررة بحلول عام 2027.
من الأمن إلى “الانفصال الثقافي”
تملك إيطاليا منذ عام 1975 قانوناً يمنع إخفاء الوجه في الأماكن العامة من دون سبب مبرر، لكنه وُضع خلال سنوات العنف السياسي والإرهاب، ولم ينص صراحة على الملابس الإسلامية، وظل الخلاف قائماً حول ما إذا كان الدافع الديني يمثل سبباً مشروعاً لتغطية الوجه.
وفرض إقليم لومبارديا منذ عام 2015 قيوداً على دخول المباني الحكومية والمستشفيات بوجه مغطى. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، قدم نواب من حزب “إخوة إيطاليا” مشروع قانون يحظر البرقع والنقاب في الأماكن العامة، بما فيها المدارس والجامعات والمتاجر والمكاتب، ويقترح غرامات تتراوح بين 300 وثلاثة آلاف يورو.
لم يقتصر المشروع على تغطية الوجه، بل تناول أيضاً تمويل المؤسسات الدينية، واختبارات العذرية، والزواج القسري، تحت عنوان مكافحة “الانفصال الثقافي”. وهكذا انتقل النقاب من مسألة أمنية تتعلق بالتعرف على الهوية إلى مؤشر سياسي على منظومة ثقافية ودينية تريد الحكومة إخضاعها لمزيد من الرقابة.
أوروبا توسع دائرة الحظر
تسير إيطاليا في اتجاه أوروبي سبقتها إليه دول أخرى. وكانت فرنسا أول دولة أوروبية تفرض حظراً عاماً على تغطية الوجه في الأماكن العامة عام 2011، وتبعتها بلجيكا، فيما فرضت النمسا والدنمارك وبلغاريا وسويسرا قيوداً واسعة. واختارت هولندا حظراً جزئياً داخل المدارس والمستشفيات ووسائل النقل والمؤسسات الحكومية، بينما تطبق ألمانيا قيوداً متفاوتة في مجالات ووظائف عامة محددة.
وأيدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الحظر الفرنسي ثم البلجيكي، مانحة الدول هامشاً واسعاً لتنظيم تغطية الوجه باسم السلامة العامة ومتطلبات “العيش المشترك”. لكن القضية لم تعد تتوقف عند البرقع والنقاب؛ فبعض السياسات الأوروبية الجديدة تستهدف الحجاب الذي يترك الوجه مكشوفاً.
وحظرت فرنسا الرموز الدينية البارزة في المدارس الحكومية منذ عام 2004، ثم امتد الجدل إلى العباءة والملابس الرياضية. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، أقر البرلمان النمساوي حظر الحجاب على الفتيات دون 14 عاماً في المدارس. ودخل القانون حيز التنفيذ في سبتمبر 2026، لكنه يواجه طعوناً تنظر فيها المحكمة الدستورية، بعدما كانت قد أبطلت عام 2020 محاولة سابقة لحظر الحجاب على فتيات دون العاشرة، معتبرة أنها استهدفت المسلمات بصورة تمييزية.
حرية تُفرض بالقانون
يقدم أنصار الحظر النقاب بوصفه أداة لعزل النساء وإخضاعهن، ويرون أن كشف الوجه شرط للتواصل والمساواة والاندماج. لكن المعارضين يقولون إن الدولة لا تستطيع حماية حرية المرأة بأن تختار عنها ما ترتديه، وإن منع المنقبة من المدرسة أو العمل قد يزيد عزلتها بدلاً من تحريرها.
ويختصر عرض بونتيدا هذا التناقض. فقد رفعت المشاركات شعار الحرية، بينما كان الجمهور يأمرهن بخلع ما يرتدينه. وبين “انزعيه” و”حرية”، ظهرت الحدود الدقيقة بين مقاومة الإكراه على ارتداء النقاب وفرض إكراه مقابل على نزعه.
لم يعد النقاب في أوروبا مجرد قطعة لباس محدودة الانتشار، بل تحول إلى رمز تستثمر فيه الأحزاب لإعادة تعريف من ينتمي إلى المجتمع، وما الذي يتعين على القادم إليه التخلي عنه. ومع انتقال بعض القيود من الوجه المغطى إلى الرأس المغطى، تتجاوز المعركة سؤال الأمن إلى سؤال أكثر حساسية: هل المطلوب اندماج المسلمين في أوروبا، أم جعل حضورهم الديني أقل ظهوراً؟















