تمرّ جماعة الحوثيين اليوم بمرحلة حرجة تجمع بين أزمات داخلية وضغوط إقليمية وأجندة أيديولوجية متطرفة، الأمر الذي يُهدد استقرار مستقبلها السياسي والعسكري في اليمن والمنطقة ككل. وكشفت الهجمات الأخيرة التي استهدفت مواقع حساسة للجماعة، وأسفرت عن مقتل قيادات بارزة، هشاشة بنيتها التنظيمية، وفتحت الباب أمام صراعات داخلية حادّة بين مراكز النفوذ المختلفة.
اليوم، يواجه الحوثيون أزمة قيادة حقيقية بين أجنحة متعددة، أبرزها الصراع بين علي حسين الحوثي وعبد الله الرزامي، القائد العسكري الذي يُعدّ دولة داخل الدولة في صنعاء. وتتفاقم هذه الخلافات في ظل الاحتقان الشعبي المتزايد بسبب الفقر وتدهور الخدمات، ما يعكس هشاشة السيطرة الحوثية على الواقع المحلي.
استهدفت حملة التطهير الداخلية التي يقودها علي حسين الحوثي قادة عسكريين وأمنيين، ما أدى إلى تصاعد الانشقاقات داخل الجماعة، وزاد من صعوبة إدارة العمليات العسكرية بشكل منسّق. وفي هذا السياق، تلجأ الجماعة إلى التصعيد السياسي والعسكري كوسيلة لإخفاء فشلها في إدارة الأزمات الداخلية وتعزيز صورتها أمام أتباعها.
التدخل الإيراني والدعم الخارجي
تلعب إيران دوراً محورياً في تعزيز قدرة الحوثيين على البقاء كقوة عابرة للحدود، إذ أعادت القائد البارز عبد الرضا شهلائي إلى اليمن للإشراف على ضبط الإيقاع العسكري والأمني للجماعة بعد الخسائر الأخيرة. والهدف، تعويض ضعف نفوذها في ساحات أخرى مثل لبنان وسوريا، وتحويل الحوثيين إلى ذراع إقليمي يحافظ على مصالح طهران.
في المقابل، يفتقر عبد الملك الحوثي إلى الخبرة الاستراتيجية والسياسية مقارنة بنظرائه في محور المقاومة، كما يعاني من عزلة داخلية فرضها على نفسه، ما يحدّ من قدرته على إدارة المواقف المعقدة والتفاوض بفعالية مع القوى الإقليمية والدولية.
الطموحات العسكرية والاستراتيجية
يستثمر الحوثيون بشكل كبير في بناء قدراتهم العسكرية، ولهذا الغرض، أنشؤوا ميليشيات شبابية، ودربوا عشرات الآلاف من المقاتلين ضمن استراتيجيات طويلة المدى، تحت شعارات مثل “طوفان الأقصى” و”معركة الفتح الموعود”. وترتبط هذه الاستعدادات بأيديولوجيا “الحرب المقدسة” ونبوءة ظهور المهدي، ما يمنحهم صبراً استراتيجياً يُبرر استمرار التصعيد على الرغم من الضغوط الدولية.
تعتمد جماعة الحوثي على الدعم اللوجستي والعسكري الإيراني، لكنها لا تخضع لسيطرة طهران بالكامل. وعلى الرغم من انسجامها مع أهداف “محور المقاومة”، فإن تراجع النفوذ الإيراني المباشر في ساحات أخرى، والضغط الدولي المتزايد، يحدّان من قدرتها على توسيع النفوذ، ويُعقدان إدارة أهدافها العقائدية والاستراتيجية.
تعرضت جماعة الحوثي لضربات إسرائيلية وغربية استهدفت مواقع قيادية حساسة، ما أسفر عن خسائر بشرية كبيرة، وتدمير بنية تحتية عسكرية وأمنية. لتدفع هذه الهجمات الجماعة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، والتركيز على حماية القيادات والمواقع الحيوية، وتقليص الهجمات المتزامنة.
أمنياً، كشفت الضربات الإسرائيلية عن اختراق واسع داخل الجماعة، ما زاد الانقسامات بين مراكز القوى لديها. ونفسياً، هزت الضربات معنويات المقاتلين، ودفعت القيادة للاعتماد أكثر على الخطاب الديني الداعي إلى وحدة الصف. أما استراتيجياً، فقد ضاعفت اعتماد الجماعة على إيران، وحدّت من قدرتها على تنفيذ مشروع إقليمي طموح في البحر الأحمر.
القاعدة والانشقاقات
وسط هذا المشهد، لم يعد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب بمعزل عن التحولات، إذ يعيش واحدة من أكثر مراحله هشاشة منذ التأسيس، والسبب الضربات الأمريكية، وتفكك قياداته وصراعات أجنحته. هذا التراجع أنتج ظاهرة جديدة: فصائل من القاعدة بدأت تتجه نحو تقارب ميداني محدود مع الحوثيين، بدافع براغماتي، لا عقائدي، لحماية وجودها في مناطق تمدد الحوثيين.
وعلى الرغم من الهُوة العقائدية العميقة بين الطرفين، تنطلق القاعدة من عقيدة جهادية سنية متشددة، والحوثيون من مشروع ديني سياسي ذي امتداد إيراني. وعليه، فرضت الضرورات الميدانية تفاهمات ظرفية، كتجنب الاشتباك أو الانسحاب المتزامن من بعض الجبهات.
لقد أحدث هذا التحول شرخاً داخل القاعدة نفسها، حيث ظهر جناح متشدد يرفض أي مهادنة، ويعتبر الحوثيين “خصماً عقائدياً مطلقاً”. هذه الانقسامات عمّقت تآكل التنظيم وجعلته مجرّد شبكات محلية تتصرف وفقاً لاعتبارات “البقاء” لا “العقيدة”. في المقابل، استفاد الحوثيون من هذا التشتت لتأكيد سرديتهم بأنهم القوة الأكثر تنظيماً وتماسكاً مقارنة بخصوم متشظّين، ما رفع من وزنهم السياسي والأمني في الساحة المحلية.
التحديات المستقبلية
يشكل تداخل الصراع الداخلي مع الدعم الخارجي والأجندة الأيديولوجية المتطرفة ما يمكن وصفه بـ”الفراغ الاستراتيجي” للحوثيين. فالجماعة تجد نفسها أمام ضعف القيادة المركزية، واتساع الانقسامات، وارتفاع الضغط الدولي على أنشطتها في البحر الأحمر واليمن.
يبقى الحوثيون قوة غير تقليدية قادرة على إحداث اضطرابات كبيرة، ما لم تُواجَه ضمن إطار متكامل يجمع الضغط السياسي والعسكري والاستخباراتي. وسيعتمد مستقبل الجماعة على قدرتها على التكيف مع المتغيرات داخل اليمن وخارجه، وإعادة ترتيب أولوياتها بين العقيدة والطموح والواقع.
تُعدّ جماعة الحوثي مثالاً لحركة مسلحة تتغذى على الأيديولوجيا الممنوحة من الصبر الاستراتيجي، لكنها في الوقت نفسه مكبّلة بانقسامات داخلية، وفي مواجهة دائمة مع خصوم مختلفين. وعلى الرغم من أن الضربات الغربية والإسرائيلية لم تُنهِ الجماعة، إلا أنها أجبرتها على إعادة التفكير في مسارها، وبيّنت أن المواجهة الفعالة معها تتطلب نهجاً يجمع بين العمل العسكري والسياسي والاستخباراتي على حدّ سواء.















