تدخل أوروبا مرحلة انتقالية تتجاور فيها الأزمات أكثر مما تتراكم. ليس هناك خطر واحد يضغط على القارة، بل مزيج من توترات سياسية واجتماعية واقتصادية يصعب رسم حدود واضحة بينها. يتكرر في النقاشات العامة استحضار ثلاثينيات القرن الماضي، وكأن التاريخ يستعد لاستدعاء أسوأ نسخه. لكن التشبيه، رغم جاذبيته، لا يفسّر شيئاً بقدر ما يكشف عن هشاشة المزاج الأوروبي اليوم. فلماذا تعود هذه المقارنة أصلاً؟ وما الذي يجعلها مقنعة لدى قطاعات واسعة من الجمهور؟
الاستقطاب السياسي في أوروبا يلامس أعلى مستوياته منذ نهاية الحرب الباردة. تنامي الأحزاب اليمينية المتطرفة في دول مثل فرنسا وهولندا وألمانيا وإيطاليا لا يمكن قراءته كظاهرة منعزلة، بل كعلامة على تحولات اجتماعية أعمق. ومع ذلك، تبقى المقارنة مع الثلاثينيات محدودة الجدوى: أوروبا اليوم تمتلك بنى مؤسسية راسخة، من المحكمة الأوروبية إلى البنك المركزي الأوروبي، تمنح النظام السياسي قدرة على امتصاص الصدمات. هذه المؤسسات لا تمنع الانزلاقات، لكنها تُبطئها وتفرض قيوداً قانونية وسياسية على أي اندفاع نحو نزعات استبعادية أو قومية متشددة.
الاقتصاد.. حاضنة السخط
أعادت ملفات تراجع القدرة الشرائية، وأزمة السكن، وضغط التضخم، إلى الواجهة غضباً اجتماعياً يذكّر بمراحل سابقة من الاضطراب. لكن أوروبا في 2030 ليست أوروبا 1930: المنظومات الاقتصادية أكثر تماسكاً، وسلاسل الأمان الاجتماعي أكثر اتساعاً، والمجتمعات أكثر تعقيداً. وما يغذّي التحولات السياسية اليوم ليس الفقر أو الانهيار الاقتصادي، بل ميل بعض القوى إلى تقديم روايات تبسيطية تعِد بإجابات فورية على أزمات مركّبة. هنا يتحول الضيق الاقتصادي إلى أرض خصبة لخطابات «التفسير السهل»، وليس بالضرورة إلى حاضنة آيديولوجية للتطرف.
منذ منتصف العقد الماضي، أصبحت الهجرة عدسة تُقرأ من خلالها تحولات أوروبا. لكن الأرقام وحدها لا تشرح صعود الخطابات المتشددة. الأهم هو الشعور الثقافي لدى شرائح من المجتمعات الأوروبية بأن وتيرة التغيير أسرع من قدرتها على التكيّف. بعض التيارات اليمينية المتطرفة استثمرت هذا القلق لترويج سرديات حول «تهديد الهوية» أو «الاستبدال السكاني»، وهي مفاهيم جرى انتقادها في عدد كبير من الدراسات بوصفها مبالغات تُختزل فيها عمليات اجتماعية أعقد بكثير. ورغم ضعف بنيتها التحليلية، فإن انتشارها داخل النقاش العام يوضح مساحة الفراغ التي تركتها الأحزاب التقليدية في إدارة هذا الملف.
التكنولوجيا: تغيّر في الأدوات
التطرف خلال الثلاثينيات كان نتاج تنظيمات منظمة وهياكل حزبية. في المشهد الراهن، تتغير الصورة جذرياً، فالتهديد الأقرب ليس التنظيمات الهرمية، بل أنماط الاستقطاب الرقمي التي تعيد تشكيل السلوك السياسي داخل فضاءات مغلقة. خوارزميات ترجيح المحتوى العاطفي، الانتشار الفوري للسرديات المضللة، ومقاطع الفيديو القصيرة التي تُفكك السياق، جميع هذه العوامل تمنح الحركات المتشددة أدوات تأثير لم تكن متاحة سابقاً. لكن المفارقة، أن التطرف هنا بلا مركز واضح، ما يطرح تحديات إضافية أمام الحكومات الديمقراطية في تصميم سياسات احتواء لا تمسّ الحقوق الأساسية.
لا توجد مؤشرات استخبارية على سيناريو شبيه بما سبق الحرب العالمية الثانية، لكن الاتجاه العام يشير إلى نمط جديد من المخاطر، هجمات فردية متأثرة بخطابات عابرة للحدود، وعمليات تخريب صغيرة للبنى التحتية، ومجموعات غير مترابطة أيديولوجياً تجمع بين دوافع قومية أو بيئية أو فوضوية. هذا النوع من التهديد لا يقود إلى انهيار شامل، لكنه يخلق مستوى مستمراً من الضغط الأمني داخل مجتمعات تشعر أصلاً بالإرهاق السياسي.
نظام سياسي جديد
التوصيف الأقرب، أن القارة تتحرك داخل «نقطة وسطية» يصعب تصنيفها، أحزاب يمينية متشددة تدخل الحكومات لكنها تصطدم بنفوذ المؤسسات الأوروبية؛ يسار يبحث عن سردية جامعة بعد عقود من التراجع؛ ووسط سياسي يكافح للحفاظ على تمثيل يعكس تعددية المجتمعات؛ وقواعد شعبية تشعر بأن التغير الثقافي يتجاوز قدرة السياسة على تنظيمه.
ليست هذه نسخة من الثلاثينيات، لكنها أيضاً ليست مرحلة استقرار مكتمل. إنها فترة إعادة تعريف للسياسة الأوروبية، بخليط من التوجس العام وتراجع الثقة في الأدوات التقليدية للتمثيل.
التاريخ لا يعيد مآسيه تلقائياً، لكنه يميل إلى تكرار أنماط التفاعل بين الأزمات. أوروبا اليوم لا تتجه نحو فاشية جديدة، لكنها تتجه نحو مشهد سياسي أكثر خشونة، وصراع طويل بين قوى تفضّل التحصن داخل حدود الهوية الوطنية، وأخرى ترى في المشروع الأوروبي إطاراً ضرورياً لحماية الديمقراطية والحقوق.
الدرس الأبرز من الثلاثينيات ليس في استحضار الكارثة، بل في فهم كيف تتحول الأزمات المتفرقة إلى أزمة بنيوية عندما تلتقي الهشاشة الاقتصادية، مع تراجع الثقة في المؤسسات، والخطاب التعبوي غير المنضبط. أوروبا تملك بعض عناصر هذا المزيج، لكن قدرة مؤسساتها على امتصاص التوترات، حتى الآن، تجعل عام 2030 مفتوحاً على سيناريوهات متباينة، لا على تكرار آلي للماضي.















