بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

ثقافة

ألفا بلوندي: صمت “صوت إفريقيا” المدوي في زمن الانقلابات والحروب

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

في الأول من أغسطس 2025، اعتلى سيدو كوناتي، المعروف عالمياً بـ”ألفا بلوندي”، خشبة مهرجان “Reggae Geel” في بلجيكا. كان ذلك، وفق ما توفر من ظهورات معلنة، من آخر المرات التي شوهد فيها الرجل الذي شكّل، طيلة أربعة عقود، أحد أكثر الأصوات الإفريقية قدرة على خلط الموسيقى بالانحياز الأخلاقي. غنّى “Jerusalem” و“Brigadier Sabari” بشيء من الحنين، ثم انحنى للجمهور وتوارى عن الأضواء.

منذ تلك الأمسية، خيّم الصمت. لا حفلات، لا تصريحات، ولا حتى تعليق مقتضب على الانقلابات التي تعصف بالساحل الإفريقي، أو الحرب في غزة، أو الأزمات التي تمزق القارة التي كان حنجرتها الصادحة طوال أربعة عقود. وفي الوقت الذي تحترق فيه منطقة الساحل وتتساقط الأنظمة كأوراق الخريف، بدا “بوب مارلي إفريقيا” وكأنه ينسحب إلى منطقة صمت محصنة: هل هو اختيار واعٍ… أم ضرورة مقلقة؟

الريغي “سلاح محظور”: مواجهة واشنطن والفرنك الإفريقي

لم يكن بلوندي يوماً فناناً “محايداً”؛ في عام 1986، رفضت الولايات المتحدة منحه تأشيرة دخول، ليصبح أول فنان إفريقي يُدرج على قوائم “الخطر الأمني” بسبب محتوى أغانيه. وبررت الخارجية الأميركية قرارها آنذاك بأن أغنيته “Apartheid is Nazism”  تشكل “تحريضاً على العنف”. وجاء رد بلوندي المفحم في مقابلة مع مجلة “Jeune Afrique” في يونيو 1987: “أنا لا أحمل بندقية، بل غيتاراً. وإذا كان الغيتار خطراً على الإمبريالية، فالمشكلة ليست في الغيتار”.

كان ذلك زمن جنوب إفريقيا العنصرية، وزمن الكتلة الدولية المناهضة للفصل العنصري، وزمن موسيقيين اعتبروا الأغنية أداة مقاومة لا مجرد ترفيه.

وبالمثل، لم يتردد بلوندي مبكراً في مهاجمة الفرنك الإفريقي (CFA)، واعتباره امتداداً لهيمنة اقتصادية. صحيح أن العبارة التي تتداولها بعض المواقع، “الفرنك الإفريقي هو السلسلة التي بقيت في أعناقنا”، لا تظهر حرفياً في أغنية Cocody Rock، لكنها تعكس موقفاً عبّر عنه مراراً في خطابه العام.

كانت تلك مواقف سبقت بسنوات طويلة موجة الغضب في النيجر وبوركينا فاسو ومالي تجاه العملة المرتبطة بالمستعمر السابق.

توماس سانكارا: رفيق الروح والثورة

ربطت بلوندي علاقة صداقة وطيدة بالرئيس البوركينابي الثوري الراحل توماس سانكارا. وحين اغتيل سانكارا في عام 1987، لم يتردد بلوندي في إصدار ألبوم “Révolution” في العام نفسه، متضمناً مرثية بدت، في إحساس جمهور واسع، أقرب إلى بيان سياسي منه إلى أغنية: “إذا مات المناضل، يتعين على الشعب أن يواصل الغناء”. لم يكن ذلك تمجيداً للعنف بقدر ما كان تمريناً فنياً على تخليد فكرة العدالة التي لم تكتمل.

لعنة “القدس”: حين يُتهم داعية السلام

ظلت أغنية “Jerusalem” في 1986، والتي مزجت بين الدعوة للسلام في الأراضي المقدسة والاعتراف بحق الجميع في الأمن، تثير جدلاً لا ينتهي. كلمات الأغنية التي ردد فيها: “شالوم، سلام، Paix”، وضعت الفنان في مرمى النيران.

وفي عام 2020، بعد زواجه من سيدة تونسية–إيطالية، تعرّض بلوندي لهجوم على منصات التواصل الاجتماعي اتهمه بعض النشطاء، دون سند جاد، بـ”التطبيع” أو “الصهينة”. وفي رد نادر وحاسم عبر قناة “France 24” (أكتوبر 2020)، قال: “أنا مسلم، لكنني أرفض أن أكون أداة في يد أي طرف. السلام لا يُقسّم، والألم لا يُقسّم. من يريد أن يحارب فليحارب، لكن لا تستخدموا اسمي وقوداً لمعارككم”.

كان التصريح واضحاً، لكنه لم يخفف بالكامل ضجيج الحملات الرقمية. الأغرب أن بلوندي، الذي كان يحضر تقريباً في كل منعطف سياسي إفريقي أو عالمي، التزم صمتاً مطبقاً تجاه حرب غزة منذ أكتوبر 2023، وهو أطول انقطاع، في مسيرته.

قراءة في الصمت: لماذا الآن؟

يمكن تفسير انكفاء هذا الصوت الإفريقي الهادر عبر ثلاث قراءات سياسية وواقعية:

  • الخوف على السلامة الشخصية: بعد سنوات المنفى في فرنسا، عاد بلوندي للاستقرار في أبيدجان. تعيش كوت ديفوار حالياً حالة من التوتر السياسي المكتوم مع عودة لوران غباغبو وتصاعد الخطاب القومي. وأي موقف حاد في هذه الظروف قد يضعه في دائرة الخطر المباشر.
  • خيبة الأمل من الجيل الجديد: لا يخفي بلوندي امتعاضه من الجيل الجديد من فناني الراب في كوت ديفوار أمثال Didi B وSuspect 95، الذين يرى أنهم غرقوا في “الترند” والمال على حساب الرسالة. وقد عبّر عن ذلك بمرارة في مقابلة مع إذاعة فرنسا الدولية (RFI) عام 2022: “اليوم يغنون عن السيارات والنساء، ونسوا أن الميكروفون كان يوماً بندقية”.
  • التقاعد السياسي الواعي: في سن الثانية والسبعين، وبعد رصيد تجاوز 20 ألبوماً وجولات في 100 دولة، ربما وصل بلوندي إلى قناعة بأن صوته لم يعد مسموعاً في عصر “تيك توك” والانقلابات العسكرية المتسارعة، فآثر الانسحاب بكرامة.

الصمت بوصفه احتجاجاً

في عام 1984، غنى ألفا بلوندي متحدياً: “إذا قطعوا لساني، سأغني بقلبي”.

اليوم، لم يقطع أحد لسانه، لكنه اختار الصمت بمحض إرادته. في زمن تُغتال فيه الأصوات الحرة إما بالرصاص، أو بالمال، أو بالنسيان، يصبح الصمت أحياناً أبلغ أشكال المقاومة والاحتجاج.

لا مؤشرات رسمية حتى الآن على عودته إلى الجولات، ولا صحة للمنشورات التي تداولها بعض المعجبين على صفحة فرقته “The Solar System” حول عودة مؤكدة في 2026. 

قد يعود… وربما لا. لكن المؤكد أن صمت ألفا بلوندي، في لحظةٍ تلتهم فيها الانقلابات ما تبقى من المجال العام في الساحل، يدوّي أكثر من أي أغنية جديدة كان يمكن أن يكتبها.