تُتيح الطبعة الثامنة من جائزة آسيا جبار الكبرى للرواية، التي أُعلنت نتائجها في الجزائر أمس السبت، فرصة لطرح سؤال يتجاوز لحظة التتويج: كيف يمكن للجوائز الأدبية أن تتحول من مناسبة للاحتفاء بالكتّاب إلى وسيلة للتعريف بأعمالهم، وتوسيع دائرة قرائهم، وضمان استمرار حضورهم في المشهد الثقافي؟
لا تُقاس قيمة الجوائز الأدبية بالأسماء التي تُتوّجها والأعمال التي تختارها لجان التحكيم فحسب، بل أيضاً بما تفتحه من نقاش حول الكتابة والقراءة، وبمدى إسهامها في التعريف بالأصوات الروائية الجديدة وإيصال أعمالها إلى جمهور أوسع.
تأشيرة عبور إلى القارئ
في هذه الطبعة من جائزة آسيا جبار الكبرى للرواية، فازت سارة محمد معريش بجائزة الرواية المكتوبة بالعربية عن روايتها “الرفراف” (سيرة الجبل الأسطورية)، فيما عادت جائزة الرواية الأمازيغية إلى فريدة سحوي عن روايتها “أغوس” ( أي الحزام)، أما جائزة الرواية المكتوبة بالفرنسية فكانت من نصيب حسني كيتوني عن روايته “ما سلبني الموت منكِ” (Ce que la mort m’a pris de toi)
ترى سارة محمد معريش، في تصريح لـ”غلوبال ووتش عربية”، أن الجوائز مهمة في مسار أي أديب، من حيث إنها تشكّل “دفعة قوية لما هو قادم”، وتلفت إلى “المسؤولية التي تتضاعف أمام الاسم الكبير الذي تحمله الجائزة، وهو اسم الروائية الجزائرية آسيا جبار، التي عرّفت بالجزائر لدى الآخر من خلال أعمالها الروائية والمسرحية والشعرية، وكانت سفيرة للبلاد عبر الأدب قبل أكثر من خمسين عاماً.
وتضيف معريش، أن “من الخطأ اعتبار الجوائز تأشيرات عبور إلى عالم الكتابة والأدب”، بل تعتقد أن “النص القوي والجيد، هو الذي يحفر مكانته في المشهد الأدبي وينتزع الموقع الذي يستحقه، مهما طال الزمن أو تأخر الاعتراف به وتثمينه”.
يضع هذا التصور الجائزة في سياقها الطبيعي، فهي تمنح العمل الأدبي فرصة إضافية للظهور، لكنها لا تعفيه من اختبار الزمن والقراءة النقدية، ولا تختصر القيمة الأدبية في قرار لجنة التحكيم. فالمسار الحقيقي للرواية يبدأ، بمعنى من المعاني، حين تغادر الرواية لحظة الإعلان عن فوزها لتدخل فضاء القراءة والتداول والنقاش.
صناعة الأسماء الأدبية
تكتسب الجوائز الأدبية أهمية إضافية في مشهد تتقلص فيه المساحات المخصصة للثقافة في عدد من المنابر الصحفية، وتغيب فيه الملاحق الثقافية التي كانت في السبعينيات والثمانينات مثلاً تتيح للكتّاب والنقاد مساحة للتعريف بالإصدارات الجديدة ومناقشتها. وفي ظل تراجع هذه المساحات، لا يكفي أن يصدر العمل الأدبي أو أن يحظى صاحبه بالتقدير داخل دائرة محدودة، إذ يظل الوصول إلى القارئ تحدياً قائماً، خصوصاً بالنسبة إلى الأصوات الجديدة التي لا تمتلك حضوراً إعلامياً واسعاً.
من هنا يبرز السؤال عن قدرة الجوائز على تجاوز وظيفة التكريم، لتصبح مناسبة لاكتشاف تجارب لم تصل بعد إلى جمهورها، وضمان ألا ينتهي حضور الرواية بانتهاء حفل توزيع الجوائز. في هذا الصدد، يتأسف الروائي والأكاديمي فيصل الأحمر، لكون الجوائز “باتت ترتبط، أكثر فأكثر، ببعد استعراضي ينتمي إلى عالم الشوبيز، وبضجيجه الذي يطغى على المشهد ويحول دون رؤيتنا الواضحة للأعمال المتوَّجة وتقييمها على نحو موضوعي”.
ويرى الأحمر أن الجزائز لم تعد قادرة على الاضطلاع بالدور العميق المتمثل في سبر أغوار الكاتب واستكشاف خصوصية المشهد الثقافي الذي ينتمي إليه. ويضيف أنه لا ينبغي انتظار أن تؤدي الجوائز بهذه المهمة، لأنها تقع أساسًا على عاتق المؤسسات الثقافية، “التي يُفترض أن تهيّئ الظروف لبروز الكاتب، وتحتضن تجربته الإبداعية، وتسهم في التعريف بها وترسيخ مكانتها. فصناعة اسم أدبي وتسليط الضوء على صاحبه عملية شاقة ومعقدة”. ويؤكد أن ورود اسم الكاتب ضمن قوائم الجوائز التي تتصدر المشهد الثقافي قد يعبّد له الطريق ويفتح أمامه آفاقًا جديدة، غير أن ذلك قد يتحول إلى إشكال حين يتضخم الاسم وتتسع شهرته على نحو يتجاوز حقيقة منجزه الإبداعي!
تكريس التعدد اللغوي
تحمل جائزة آسيا جبار دلالة أخرى، تتمثل في اعترافها بتعدد لغات الكتابة الروائية في الجزائر، من خلال تخصيص فئات للرواية المكتوبة بالعربية والأمازيغية والفرنسية. غير أن الاحتفاء بالتعدد لا يكتمل بمجرد وجود روايات بلغات متعددة ضمن الجائزة نفسها. فالسؤال يمتد إلى مدى قدرة هذه الأعمال على عبور الحدود اللغوية التي كُتبت ضمنها، والوصول إلى قرّاء لا يتقنون لغة النص الأصلية، من خلال الترجمة، بدلاً من أن تبقى الأعمال موزعة على دوائر قرائية منفصلة.
بالنسبة للمترجم والمدقق اللغوي عمّار قواسمية، فإن أهمية الترجمة تتحققُ، كما قال، بوصفِها “مَعبَرًا لغويًّا أصيلًا وجسر انتقالٍ نَقديًّا، يَهَبُ التعددية اللِّسانية جوهرها الفاعل؛ إذ تُخرج النصَّ من ضيق منشئه إلى رحابة التداولِ الأدبي المشترك.
هكذا، لا يقف دور الترجمة عند حل العقدة اللفظية أو نقلِ الدلالة، إنّما يمتَد لِيَبُثَّ الحياة في الخطاب السردي، حافظًا للأثر الفكري حضوره التأويلي، ومحوّلًا التجاور اللغوي صوب اغتناء معرفي وجماليات عابرة للحدود”.
ماذا بعد الجائزة؟
تظل قيمة الجوائز الأدبية مرتبطة بما يتجاوز لحظة التتويج، أي بقدرتها على تحريك الحياة الأدبية خارج مواسم الاحتفاء. لكن تحقيق هذا الأثر يحتاج إلى بيئة ثقافية تضمن استمرار تداول الكتب ومناقشتها بعد انطفاء أضواء حفلات التوزيع.
ويدعو الكاتب والروائي عبد الرزاق بوكبة يدعو إلى إعادة النظر في منظومة الجوائز الأدبية الجزائرية، من حيث آليات التنظيم والتحكيم والمبالغ المالية المرصودة، وتحويلها إلى مؤسسات قائمة لا تظل رهينة الإكراهات المالية والتنظيمية. ويرى أن ندرة الجوائز وضعف تأثير عدد منها يعكسان، في جانب منهما، غياب ثقافة الاعتراف والتشجيع والتثمين، وهي قيم ضرورية لانبثاق المواهب وانتعاشها.
ولا يقف اقتراح بوكبة عند حدود دعم المبدعين الجزائريين؛ إذ يلفت أيضاً إلى غياب جوائز جزائرية مفتوحة أمام المشاركة الأجنبية، قادرة على استقطاب كتّاب وفنانين عرب وأفارقة ومتوسطيين، بما يجعلها أدوات للدبلوماسية الثقافية وتوسيع نطاق حضور الجزائر في الخارج. فالجائزة، وفق هذا التصور، ليست مكافأة مالية أو تكريماً عابراً فحسب، بل مؤسسة يمكن أن تخلق فضاءً للتبادل، وتمنح الأدب والفنون الجزائرية امتداداً يتجاوز الحدود الوطنية.
في النهاية، لا يتوقف أثر جائزة آسيا جبار عند إعلان الفائزين وتكريمهم، بل يتحدد بمدى قدرتها على مرافقة الأعمال المتوَّجة نحو قرائها، وفتح المجال أمام ترجمتها وتداولها ومناقشتها. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في صناعة لحظة احتفاء عابرة، بل في تحويلها إلى بداية لمسار أدبي أوسع، تتكامل فيه جهود الجوائز والمؤسسات الثقافية ووسائل الإعلام والمترجمين.















