رحل محمد بن شيكو، الخميس 24 سبتمبر/أيلول 2026. وبرحيله، تُطوى صفحة مشرقة من تاريخ الصحافة المستقلة في الجزائر، ويختفي واحد من أشهر الصحافيين الذين خاضوا معركة حرية التعبير، ودفعوا حريتهم ثمنًا لذلك، كما تُطوى صفحة جريدة “لوماتان”، أبرز الصحف الناطقة بالفرنسية في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية.
لم يكن محمد بن شيكو يرى الصحافة مجرد مهنة، بل مساحة للصدام مع ما يعده اختلالات سياسية وتجاوزات في ممارسة السلطة. من هنا يمكن فهم واحدة من أكثر محطات مسيرته إثارة للجدل: كتاب “بوتفليقة أكذوبة جزائرية” الصادر في فبراير/شباط 2004، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، التي شهدت إعادة انتخاب الراحل عبد العزيز بوتفليقة لعهدة ثانية.
وُلد محمد بن شيكو في مدينة مليانة، غرب العاصمة الجزائر، في الأول من يوليو/تموز 1952، وكان من مؤسسي “حركة الصحافيين الجزائريين” سنة 1989، قبل أن يشارك في إعادة إصدار “الجزائر الجمهورية”، ثم يؤسس عام 1991 صحيفة “لوماتان”، إلى جانب الراحل سعيد مقبل وعدد من الإعلاميين. شكلت تلك السنوات لحظة استثنائية في تاريخ الإعلام الجزائري، إذ فتحت التحولات السياسية التي أعقبت أحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988 المجال أمام تعددية صحفية غير مسبوقة، وظهر جيل من الصحف الخاصة التي لم تعد تكتفي بنقل أخبار السلطة، بل جعلت مساءلتها جزءاً من وظيفتها.
في هذا السياق تبلورت تجربة بن شيكو، الذي لم يكن يرى الصحافة مجرد مهنة، بل مواجهة مع اختلالات السياسية وانحرافات السلطة.
ولم يكن “بوتفليقة أكذوبة جزائرية” سيرة للرئيس الجزائري الراحل بالمعنى التقليدي، ولا مجرد تجميع لمقالات صحفية، بل حاول بن شيكو إعادة تركيب المسار السياسي لبوتفليقة، من خلال شهادات ووثائق ومراجع وأحداث تعود إلى مراحل مختلفة من حياة الرئيس الراحل السياسية.
الكتاب الذي أغضب السلطة
في قراءة أكاديمية للكتاب، نُشرت في مجلة “بحوث دولية” سنة 2004، اعتبر بول أوزيير أن “العمل أقرب إلى مرافعة منه إلى مجرد كتاب سياسي”، مشيراً إلى أن بن شيكو استند إلى أسماء وشهادات ومقالات وبرامج إذاعية وتلفزيونية مؤرخة، وأن الوقائع التي أوردها أحال فيها إلى مصادر قابلة للتحقق، كما أشار إلى سرعة نفاد الطبعات الأولى من الكتاب.
شكل كتاب “بوتفليقة أكذوبة جزائرية” محاولة من صحفي لقراءة السيرة السياسية للرئيس، من خارج الرواية الرسمية، وبأسلوب حاد، لم يُخفِ موقف صاحبه، ولهذا لم يبقَ طويلاً في حدود المكتبات، ففي فبراير/شباط من العام نفسه، فتشت الشرطة الجزائرية منزل بن شيكو ومقر صحيفته “لوماتان”، وصادرت ثماني نسخ من الكتاب، مثلما تنقل منظمة مراسلون بلا حدود في بيان لها آنذاك. وفي اليوم التالي، استُدعيت الصحفية سعيدة عزوز والرسام علي ديلام، فيما كانت الشرطة تبحث عن نسخ من المؤلف المثير للجدل، والمفارقة أن الكتاب لم يكن ممنوعاً رسمياً، علماً أنه صدر في الجزائر وفرنسا في الوقت نفسه.
وفي 23 فبراير/شباط 2004، نشرت صحيفة “لو باريزيان” الفرنسية مقالاً بعنوان بالغ الدلالة: “الكتاب الذي أغضب السلطة”، أشارت فيه إلى أن الطبعة الجزائرية الأولى، التي بلغت 13 ألف نسخة، قد نفدت، وأن الكتاب لقي رواجاً أيضاً في فرنسا. قبل ذاك، كان بن شيكو قد وجد نفسه ممنوعاً من السفر، فاستغل وقته في البحث والكتابة، وهكذا انتقل الصدام الذي كان يخوضه على صفحات “لوماتان” إلى كتاب، وضع صورة الرئيس ومساره السياسي في قلب النقاش العمومي.
من الكتاب إلى سجن الحراش
بعد بضعة أشهر، دخلت قضية بن شيكو مرحلة أكثر تعقيداً، بسبب أحداث سابقة. ففي آب/أغسطس 2003، أي قبل صدور الكتاب، أوقف الصحافي في مطار الجزائر الدولي عند عودته من فرنسا، على خلفية حيازته سندات مالية، ووُجّهت إليه تهمة تتعلق بمخالفة التشريع الخاص بمراقبة الصرف وحركة رؤوس الأموال، وظل تحت المراقبة القضائية إلى أن صدر عليه الحكم في 14 يونيو/حزيران 2004 بالسجن عامين نافذين، وغرامة مالية قدرها 20 مليون دينار.
لم يودع بن شيكو السجن بسبب كتابه، بل بحجة “مخالفة تشريعات الصرف”، وقد حرصت السلطات الجزائرية آنذاك على التأكيد بأن الأمر يتعلق بـ”قضية حق عام”، ولا علاقة لها بـ”كتابات بن شيكو” أو بـ”حرية التعبير”. في المقابل، رأت صحف جزائرية ومنظمات دولية معنية بحرية الصحافة وشخصيات متضامنة مع الصحافي، أن القضية جاءت في سياق أوسع، يرتبط بالصدام بين الصحفي والسلطة، خصوصاً بعد موقف “لوماتان” من الانتخابات الرئاسية، وصدور كتاب بن شيكو المثير للجدل.
كانت الصحافة الفرنسية حريصة بدورها على تسجيل المفارقة، فقد ميّزت صحيفة “لوموند” في تغطيتها للحدث بين الوقائع القضائية الرسمية وبين القراءة السياسية، التي رأت في العقوبة بداية مرحلة جديدة من التضييق على الصحافة المعارضة.
ما يؤكد أن القضية تتجاوز قصة “السندات”، هو الخطوات التي أقدمت عليها السلطات الجزائرية بالتزامن مع اعتقال بن شيكو. ففي 23 يوليو/تموز 2004، كان الصحافي في سجن الحراش، حين أجبرت صحيفة “لوماتان” على التوقف عن الصدور. فوصفت “لوموند” وقتها “لوماتان” بأنها الصحيفة الأكثر انخراطاً في مواجهة إعادة انتخاب بوتفليقة، وربطت توقفها بالسياق الإعلامي الذي أعقب الانتخابات، كما أشارت إلى أن بن شيكو، الموجود في السجن، استُدعى مرارً للمثول أمام القضاء في عدد من القضايا المرتبطة بالصحافة وحرية التعبير.
“يوميات رجل حر”
في مارس/آذار 2006، فيما كان بن شيكو يمضي عقوبته داخل السجن، قررت مؤسسة “القلم” الأمريكية منحه جائزتها التي تخصصها للكتاب والصحفيين ضحايا الاضطهاد أو السجن بسبب ممارسة مهنتهم أو دفاعهم عن حرية التعبير. وقد اعتبر البيان الصادر عن الجائزة أن قضية بن شيكو تتعلق بحرية الصحافة، وربط سجنه بعمله الصحفي وانتقاده للحكومة الجزائرية.
أما في 14 يونيو/حزيران من السنة نفسها، خرج بن شيكو من سجن الحراش بعد إتمام عقوبته، ووجد في استقباله ثلة من الصحافيين.
لم تنته متاعب بن شيكو مع السلطة بخروجه من المعتقل، صحيفة “لوماتان”، التي احتضنت مقالاته النارية، أغلقت وهو في سجن الحراش، وتحولت تجربة السجن نفسها إلى مادة للكتابة، قبل أن تتواصل لاحقاً مسيرته الأدبية والصحفية في كتب أخرى. وظلت السلطات تضيّق عليه الخناق، كلما أصدر كتاباً جديداً، مثلما حدث عام 2007، حين سحب كتابه “سجون الجزائر” من معرض الجزائر الدولي للكتاب. أما “يوميات رجل حر”، فكان أسوأ حظاً، حيث صادرته السلطات قبل صدوره عام 2008!
ما الذي تبقى من محمد بن شيكو؟
ينتمي محمد بن شيكو إلى جيل من الصحافيين التحقوا بالمهنة بعد سنوات طويلة من هيمنة الصوت الواحد، زمن الحزب الواحد، ممن آمنوا بأن الصحافة يمكن أن تصبح مجالاً للمساءلة والاختلاف، وأن الصحفي يستطيع أن ينقل معركته من الخبر والمقال إلى الكتاب، وأن يتحول الكتاب نفسه إلى حدث سياسي.
لذلك، يستدعي رحيله زمناً كانت فيه الصحيفة ساحة معركة، وكان الكتاب قادراً على أن يتحول إلى قضية، وكانت حرية الصحافة تُقاس بما يستطيع الصحفي أن يكتبه، وبالثمن الذي قد يدفعه لقاء ذلك.















