بين عيادة الطبيب ومرسم الفنان، اختار الطبيب والفنان التشكيلي والفوتوغرافي عبد الباسط التواتي أن يفتح مساراً ثالثاً لعلاج الإدمان، يقوم على الفن باعتباره مساحة للتعبير واستعادة الذات، ومكملاً للعلاج الطبيعي، لا بديلاً عنه.
منذ سبع سنوات، يستقبل التواتي في مرسمه بمدينة بوحجر في محافظة المنستير التونسية أشخاصاً يخوضون رحلة التعافي من الإدمان، إذ يمنحهم الرسم والكتابة والنحت والفسيفساء والتصوير الفوتوغرافي أدوات أخرى لمواجهة ما تعجز الكلمات أحياناً عن التعبير عنه. من هذا المرسم خرجت أعمال فنية وكتابات حملت آثار تجربة شخصية قاسية، لكنها تحولت لدى أصحابها إلى محاولة لاكتشاف الذات وبناء علاقة جديدة معها.
من الإدمان إلى الإبداع
وفي تظاهرة “من الإدمان إلى الإبداع” بدار الثقافة ابن رشيق وسط العاصمة تونس، عرض التواتي حصيلة سبع سنوات من هذه التجربة، من خلال نحو سبعين عملاً فنياً وكتاباً حمل عنوان “خواطر مدمن متعافٍ”. وبين اللوحات والخواطر، تبدو الحكاية أكبر من تجربة علاجية؛ إنها محاولة لتحويل الألم إلى أثر، والإدمان إلى بداية مختلفة، والإنسان من موقع المريض إلى موقع من يستطيع أن ينتج ويكتب ويرسم ويعيد اكتشاف نفسه.
عن هذه التجربة، قال الدكتور عبد الباسط التواتي لـ”غلوبال ووتش عربية”، إن اهتمامه بالفن كطريقة تكميلية لمعالجة الإدمان بدأ قبل عشر سنوات، لكن التجربة الفعلية انطلقت قبل سبع سنوات. ويضيف: “هذه الطريقة ليست بديلاً عن العلاج الإكلينيكي، الذي يخضع له المدمنون للتخلص من الإدمان، لكنها مكمّل للعلاج. تتراوح أعمار المقبلين على المرسم بين 15 و55 عاماً، وينخرط المدمن في التداوي عبر الرّسم أو الكتابة بعد ستة أشهر”.
يؤكد التواتي أن نسبة النجاح بلغت نحو 80%، والذين تلقوا تكويناً ومتابعة في الرسم لم تكن لهم تجارب سابقة، بل اكتشفوا أنفسهم عبر الممارسة. وقد كانت النتائج مفاجئة، عدد من الذين زاروا المعرض وشاهدوا اللوحات لم يصدّقوا أن من رسمها مبتدئين وهواة، لم يتلقوا تكويناً قبل الانخراط في تجربة العلاج بالفن.
خواطر مدمن
من حصيلة تجربة التداوي بالفن كتاب “خواطر مدمن متعاف” لمحمد بشير البكاري، الذي قُّدم في إطار المعرض الجماعي. وقال البكاري: “الحقيقة أنني لست كاتباً ولم أكن أتصوّر أنني سأكتب في يوم ما هذا الكتاب الذي كشف عن أحاسيس كانت نائمة في روحي وذاكرتي”. ويضيف: “الدكتور التواتي ليس أول طبيب أتعالج عنده، فقد جرّبت قبله عدداً من الأطباء، لكن لم أر طبيباً في إنسانيته، فقد صبر كثيراً وتحمّل عنادي ولم يشعرني بالندم ولا بالخطأ بقدر ما أشعرني أنه يحمل معي معاناة المرض الذي أصابني. لهذا واصلت معه، وكانت حصيلة الرحلة هذا الكتاب الذي قد تكون فيه فائدة لغيري من الذين تورطوا في الإدمان”.

أثارت هذه التجربة اهتمام عدد من النقّاد والرسّامين، تقول الناقدة والرسّامة التشكيلية أكابر شلبي: “لعل أهم مزايا الفنون على ذات الإنسان تكمن في بناء تأملات حول العالم، ومن هنا تأتي فكرة استثمار الأثر بصرياً كوسيط، يمتطيه الفنان الطبيب عبد الباسط التواتي داخل مختبره، علَّه يكون علامة أيقونية لشفاء مرضى الإدمان”.
وتضيف: “تأتي هذه الفكرة لدى مرضاه من خلال اختبار الخامات والألوان المستخدمة على نحو علاجي خاص يمتد لإيماءات الجسد وانفعالاته. فالتواصل الذي يقع بين الذات والمادة، من خلال التجريب المتواصل، سيكون نتاجه أثراً فنياً متصلاً بحواس من أنجزه. ولهذا يكون التشكيل وسيلة للعلاج، بل من خلاله يستطيع المدمن أن يتراجع عن التعاطي الضار للجسم، ويستعيض عنه ببديل بصري له النفع الوجداني والحسي”.
تؤكد شلبي أنه في خضم التجربة البصرية تتبلور لدى تجربة العلاج بالفن مع الدكتور والفنان عبد الباسط التواتي ملامح إبداع خاص، استمده من فكرة كون الفن والكتابة شفاء للروح. وقد نجح في استثمار ذلك من خلال فعاليات ‘من الإدمان إلى التعافي’ بدار الثقافة ابن رشيق، التي شهدت معرضاً للفنون التشكيلية بخامات متنوعة ومختلفة من إنتاج مجموعة تتعافى من الإدمان، بالإضافة إلى تقديم كتاب تجسّد في خواطر لأحد الشبان الذي تماثل للشفاء. وبذلك، يمكن القول إن التشكيل والفنون عامة، تنهض كبنية بصرية وفكرية وكتنويع إبدالي لداء الإدمان بالأثر الفني.
لا تُختزل تجربة عبد الباسط التواتي في عدد اللوحات أو الأعمال التي خرجت من مرسمه، ولا في نسبة النجاح التي يتحدث عنها صاحبها، بل تكمن أهميتها الإنسانية في منح المتعافي مساحة يرى فيها نفسه خارج صورة المدمن التي قد تلاحقه طويلاً. فحين يمسك شخص في رحلة التعافي فرشاة أو قلماً، قد لا يكون بصدد إنتاج عمل فني بالمعنى التقليدي، بقدر ما يكون بصدد استعادة صوته والتعبير عن ذاكرة وأحاسيس ظلت حبيسة داخله.
بين الطب والفن
وبين الطب والفن، تحاول هذه التجربة أن تفتح نافذة إضافية في مواجهة الإدمان، تجعل من الإبداع وسيلة للتعبير والتأمل وإعادة بناء العلاقة بالذات. وربما لهذا اختار التواتي أن يضع تجربته أمام الجمهور في معرض يحمل اسم “من الإدمان إلى الإبداع”؛ فالمعنى الأعمق للتجربة لا يكمن في أن يتحول المدمن إلى فنان، وإنما في أن يكتشف، خلال رحلة التعافي، أنه قادر على أن يتحول من موضوع للعلاج إلى إنسان فاعل، يكتب حكايته بيده، ويرسم أثراً جديداً لحياته.
يرأس الدكتور عبد الباسط التواتي جمعية “طب فن ثقافة” في مدينة المنستير المعروفة بمؤسساتها الجامعية في الاختصاصات الطبية: طب صيدلة، طب أسنان، علوم التمريض.. وتضم عدداً من الأطباء والصيادلة وطلبة الكليات ذات الاختصاص الذين لهم اهتمامات فنية وأدبية.















