تعيد شحنة المتفجرات التي ضبطتها قوى الأمن الداخلي اللبنانية عند حاجز ضهر البيدر شبح الاغتيالات السياسية إلى لبنان، وتثير تساؤلات بشأن دور “حزب الله” في توظيف المتفجرات ضمن صراعاته الأمنية والسياسية، في بلد لم يتعافَ بعد من إرث طويل من التفجيرات التي استهدفت شخصيات معارضة ونخباً سياسية وإعلامية.
تكتسب القضية خطورتها من تقارير قضائية وأمنية تحدثت عن انتماء الموقوفين إلى الحزب، وعن نقل الحمولة من منطقة بعلبك إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، عبر سلسلة أوامر يُشتبه في ارتباطها بمسؤولين داخل التنظيم.
وعلى الرغم من أن المعطيات المتاحة لا تحسم ما إذا كانت الشحنة معدّة لاغتيال سياسي بعينه، فإنها تطرح احتمالاً بالغ الخطورة: هل كانت المتفجرات جزءاً من عملية أمنية تتجاوز التهريب إلى الإعداد لعمل عنيف داخل لبنان؟ وتتضاعف المخاوف مع ورود معلومات عن احتواء الحمولة على مسامير وكرات معدنية لزيادة حجم الأضرار، بالتزامن مع ضبط شحنات أخرى من المتفجرات على الحدود اللبنانية السورية خلال أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
تتجاوز دلالات القضية حدود الأزمة اللبنانية الداخلية، لتضع قدرة الدولة على فرض سلطتها على تنظيم مسلح يمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً أمام اختبار حقيقي، وتعيد ملف الاغتيالات التي هزّت لبنان منذ العام 2005 إلى دائرة الاهتمام. وإذا ثبت ارتباط الحمولة بـ”حزب الله”، فإن المطلوب يتجاوز توقيف ناقليها إلى كشف سلسلة القيادة والإمداد ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، بعيداً عن أي حصانات سياسية أو أمنية.
شحنة تثير الشبهات
أوقفت قوى الأمن الداخلي، الخميس الماضي، سيارة عند حاجز ضهر البيدر كانت متجهة من البقاع نحو بيروت، وعثرت فيها على حمولة كبيرة من المتفجرات. وتحدثت تقارير عن احتواء الشحنة على 250 كيلوغراماً من مادة “تي إن تي” و250 كيلوغراماً من مادة “سي 4″، ضمن حمولة قُدّرت بنحو 759 كيلوغراماً.
وتزداد أهمية التحقيق مع اتضاح المسار الذي سلكته الحمولة والأشخاص الذين تولوا نقلها وتسلمها. فقد أقرّ الموقوفان بانتمائهما إلى “حزب الله”، وبأنهما تسلّما المتفجرات من شخص يُعرف باسم “ساجد” في منطقة بعلبك، لنقلها إلى شخص آخر يُعرف باسم “ذو الفقار” في الضاحية الجنوبية لبيروت، وفق المعطيات المتداولة بشأن التحقيق. وتشير التفاصيل المنشورة إلى اعتماد أسلوب “البريد الميت”، القائم على ترك الحمولة في نقطة محددة لتسلّمها لاحقاً من دون اتصال مباشر بين الناقل والمتسلّم. وإذا تأكدت هذه المعلومات قضائياً، فسوف تتجه التحقيقات إلى تحديد الجهة التي أصدرت التعليمات، وهوية المستفيد من الشحنة، والغرض من إيصال هذه الكمية من المتفجرات إلى وجهتها.
لا يكتمل التحقيق بتوقيف الشخصين اللذين كانا ينقلان الحمولة. المطلوب تحديد مصدرها، وهوية من أصدر الأوامر، والشخص الذي كان يفترض أن يتسلّمها، والجهة التي موّلت العملية. أما تبرير نقلها باحتمال استخدامها في مواجهة إسرائيل، فلا يعفي المسؤولين عنها من المساءلة القانونية.
ذاكرة الاغتيالات تعود
لا يمكن فصل القلق اللبناني عن سجل الاغتيالات السياسية الذي طبع البلاد منذ العام 2005. فقد أدى اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير/شباط من ذلك العام، بواسطة شحنة ضخمة من المتفجرات، إلى زلزال سياسي وأمني غيّر مسار لبنان. وأشارت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة آنذاك إلى أوجه قصور خطيرة في التحقيق اللبناني الأولي، بما في ذلك عدم استيفائه المعايير الدولية المطلوبة.
وفي السنوات التالية، شهد لبنان اغتيالات وتفجيرات استهدفت شخصيات سياسية وإعلامية وأمنية، بينها سمير قصير وجبران تويني وبيار الجميل ووسام عيد ومحمد شطح، إلى جانب محاولة اغتيال الإعلامية مي شدياق عام 2005 واغتيال الناشط والناشر لقمان سليم عام 2021. وأثارت هذه الجرائم اتهامات سياسية وأمنية طالت النظام السوري السابق و”حزب الله”.
أدانت المحكمة الخاصة بلبنان العام 2020 سليم عياش في قضية الحريري،، ثم أدانت العام 2022 حسن حبيب مرعي وحسين عنيسي غيابياً. وارتبطت الإدانات بأفراد من “حزب الله”، لكن المحكمة لم تثبت أن قيادة الحزب، بوصفه مؤسسة، أصدرت أمراً باغتيال الحريري. وهذا التمييز لا يقلل من خطورة الأحكام، بل يحدد بدقة ما أثبتته المحكمة وما لم تثبته.
أبقت الاتهامات المرتبطة ببعض الاغتيالات، إلى جانب الأحكام القضائية في قضية الحريري، ملف العنف السياسي مفتوحاً في الوعي اللبناني. وتعيد شحنة ضهر البيدر هذه المخاوف إلى الواجهة، ليس لأن ضبط المتفجرات يثبت وجود مخطط اغتيال، بل لأن الدولة مطالبة بتحديد وجهتها والجهة المستفيدة منها قبل أن تتحول الشبهات إلى جريمة جديدة.
لبنان أسير المخاوف
لا يمكن فصل القلق اللبناني عن سجل الاغتيالات السياسية الذي طبع البلاد منذ العام 2005. فقد أدى اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير/شباط من ذلك العام، بواسطة شحنة ضخمة من المتفجرات، إلى زلزال سياسي وأمني غيّر مسار لبنان. وأشارت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة آنذاك إلى أوجه قصور خطيرة في التحقيق اللبناني الأولي، بما في ذلك عدم استيفائه المعايير الدولية المطلوبة.
شهد لبنان في السنوات التالية، اغتيالات وتفجيرات استهدفت شخصيات سياسية وإعلامية وأمنية، بينها سمير قصير وجبران تويني وبيار الجميل ووسام عيد ومحمد شطح، إلى جانب محاولة اغتيال الإعلامية مي شدياق العام 2005 واغتيال الناشط والناشر لقمان سليم العام 2021. وأثارت هذه الجرائم اتهامات سياسية وأمنية طالت النظام السوري السابق و”حزب الله”.
وفي قضية الحريري، أدانت المحكمة الخاصة بلبنان عام 2020 سليم عياش، ثم أدانت العام 2022 حسن حبيب مرعي وحسين عنيسي غيابياً. وارتبطت الإدانات بأفراد من “حزب الله”، لكن المحكمة لم تثبت أن قيادة الحزب، بوصفه مؤسسة، أصدرت أمراً باغتيال الحريري. وهذا التمييز لا يقلل من خطورة الأحكام، بل يحدد بدقة ما أثبتته المحكمة وما لم تثبته.
أبقت الاتهامات المرتبطة ببعض الاغتيالات، إلى جانب الأحكام القضائية في قضية الحريري، ملف العنف السياسي مفتوحاً في الوعي اللبناني. وتعيد شحنة ضهر البيدر هذه المخاوف إلى الواجهة، ليس لأن ضبط المتفجرات يثبت وجود مخطط اغتيال، بل لأن الدولة مطالبة بتحديد وجهتها والجهة المستفيدة منها قبل أن تتحول الشبهات إلى جريمة جديدة.
الحدود ومسارات الإمداد
تزامنت قضية ضهر البيدر مع ثلاث عمليات ضبط أعلنها الجيش اللبناني خلال أكتوبر. ففي الأول من الشهر، ضبط نحو 245 كيلوغراماً من مادة “تي إن تي”، وأربع عبوات ناسفة وثمانية مفجّرات وأسلاكاً خاصة بالتفجير، أثناء محاولة تهريبها من سوريا إلى لبنان. وفي التاسع من أكتوبر، أحبط الجيش محاولة تهريب قذائف صاروخية ونحو 24 كيلوغراماً من المادة نفسها في منطقة القصر – الهرمل. وفي الثاني عشر من الشهر، أعلن ضبط نحو 200 كيلوغرام من المواد المتفجرة كانت معدّة للتهريب من سوريا إلى لبنان.
تثير هذه العمليات المتقاربة تساؤلات بشأن احتمال ارتباط الشحنات بمسارات إمداد تعمل لحساب “حزب الله”، خصوصاً مع فرار بعض المهربين إلى الأراضي السورية. ويتطلب حسم هذه الشبهات تحديد مصادر المتفجرات، والجهات التي تولت نقلها، والوجهات التي كانت تقصدها، مع الاستناد إلى الأدلة القضائية والأمنية لتحديد المسؤوليات بدقة.
وتتحمل إيران، بوصفها الداعم الرئيس لـ”حزب الله” عسكرياً ومالياً، مسؤولية سياسية عن بناء قدراته وتسليحه وتمكينه من الاحتفاظ بترسانة خارج سلطة الدولة اللبنانية. ويستدعي هذا الدور التحقق مما إذا كانت الشحنات المضبوطة مرتبطة بمنظومة التسليح التابعة للحزب، وما إذا كانت قد نُقلت بتوجيه من قيادته أو بتمويل من جهات مرتبطة به. وتبقى نتائج التحقيقات وحدها كفيلة بتحديد مدى امتداد هذه العمليات إلى شبكات إمداد أوسع، ودور طهران في دعمها إن ثبت هذا الارتباط.
تتوقف مصداقية الدولة اللبنانية على ما ستفعله بعد ضبط الشحنة، لا على التصريحات التي أعقبتها. إن تعهد رئيس الحكومة نواف سلام بملاحقة جميع المتورطين خطوة ضرورية، لكنه لا يجيب عن الأسئلة المتعلقة بهوية أصحاب القرار، ولا يثبت أن التحقيق سيصل إلى المستويات التنظيمية التي قد تكون أصدرت الأوامر.
ولا يكفي وصف الأداء الرسمي بالتستر من دون دليل مباشر، لكن من حق اللبنانيين مساءلة الأجهزة عن مسارات التهريب، وعن الإجراءات المتخذة لكشف الشبكات التي تقف وراءها، وعن مصير التحقيقات السابقة. وإذا ثبت تعطيل استجواب مشتبه بهم أو حماية متورطين أو منع تتبع مصدر المواد، فإن الأمر لن يعود مجرد تقصير إداري، بل سوف يستدعي محاسبة واضحة.
يزداد هذا الاختبار حساسية في ظل قرار الحكومة اللبنانية الصادر في 2 مارس/آذار الماضي، الذي حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ”حزب الله” خارج القانون، وألزم بحصر السلاح بيد الدولة. إن ثبوت نقل الشحنة لمصلحة الحزب سيضع القرار أمام امتحان عملي: هل تستطيع المؤسسات ملاحقة سلسلة الإمداد كاملة، أم ستتوقف الإجراءات عند الناقلين بينما تبقى الجهات التي خططت للعملية بعيدة عن المساءلة؟
كشف المتورطين ومنع تكرار الاغتيالات
إن ضبط المتفجرات لا يمثل نجاحاً أمنياً كاملاً إذا انتهى الملف عند توقيف الناقلين، فيما بقي مصدر الحمولة والجهة المستفيدة وأصحاب القرار خارج التحقيق. فالدولة التي تعلن حصر السلاح بيدها مطالبة بتطبيق قرارها على أرض الواقع، لا باستثناء تنظيم يمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً واسعاً.
تعيد قضية ضهر البيدر شبح الاغتيالات إلى لبنان، وتضع الاتهامات الموجهة إلى “حزب الله” أمام اختبار الأدلة والتحقيق القضائي. والمطلوب كشف الحقيقة كاملة، وتحديد ما إذا كانت الشحنة مرتبطة بمخطط أمني، وملاحقة كل من تثبت مسؤوليته، من دون حصانة سياسية أو أمنية. أما ترك الأسئلة بلا إجابات، أو الاكتفاء بتوقيف الناقلين، فلن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة بمؤسسات الدولة، وإبقاء لبنان عرضة لتكرار مرحلة لم تُحسم تبعاتها بعد.















