عمود كهرباء

جائزة نوبل “للعذاب”!

جمال بدومة
جمال بدومة

لحسن الحظ أن الجوائز الأدبية تنطوي على بُعد ساخر، وإلا كنا متنا من الضجر، وأكثر شيء يضحكني كلما حلّ “موسم نوبل” هما فئتان من الناس: من ينتظرون بفارغ الصبر فوز كاتب عربي بالجائزة السويدية، ومن يضعون أيديهم على قلوبهم مخافة أن يفوز بها أدونيس!

الفئة الأولى لا تعرف أنها في الحقيقة تنتظر شخصية مشهورة في مسرحية لصامويل بيكيت، لم تفهم أن رياح السياسة تتحكم في الأكاديمية السويدية، والتميز الإبداعي وحده لا يكفي، بل يحتاج إلى سياق جيوسياسي مناسب، ولن تمنح الجائزة لكاتب عربي ما لم يكن هناك مبرر سياسي لذلك، كما حدث عام 1988 حين سُلِّمت لنجيب محفوظ في سياق التطبيع الذي حصل بين إسرائيل ومصر، وكان صاحب “الثلاثية” واحداً من المدافعين عن سياسة أنور السادات وخيار الصلح مع إسرائيل.

أما الفئة الثانية، فتضم أشخاصاً مهددين بالموت في شهر أكتوبر/تشرين الأول من كل عام، لأنهم معرضون للإصابة بجلطة دماغية، إذا ما أصيبت الأكاديمية السويدية بالحَوَل وأعلنت أن الفائز هو الشاعر السوري علي أحمد سعيد، الملقب بأدونيس.

بعيداً عن المزح، يستحقّ صاحب “أغاني مهيار الدمشقي” نوبل منذ عقود، مثل عشرات الكتّاب العرب أحياءً وأمواتاً، لكنها في النهاية جائزة غربية، تمنح للأدباء الغربيين أساساً، وأحياناً لكتَّاب من بقية العالم، ولا غرابة أن تفوز بها هذه السنة شاعرة كندية متخصصة في الثقافة اليونانية القديمة. 

الحضارة الغربية ما فتئت تتقوقع حول هويّتها الإغريقية-الرومانية، حيث لا مكان للعرب إلا كخصم تاريخي. المثقفون الغربيون، إلا من رحم ربك، يتصرفون باعتبارهم أحفاد شارل مارتال، الذي أوقف الزحف العربي في معركة بواتييه عام 732. ولا يكفي أن تتبنّى القيم الغربية كي تصبح واحداً منهم، “المشترك بين الإنسانية جمعاء” مجرد شعار يتهاوى عند أول اختبار.

في كل بلد عربي يوجد كاتب واحد على الأقل يستحق نوبل للآداب. الثقة في النفس مهمة، وعلى من يشعرون بخيبة الأمل، كلما وُزِّعت الجائزة، أن يتخلصوا من أوهامهم الموسمية، ويتفرغوا لمحاولة نطق اسم الفائزة، آن كارلسون، علماً أنها مهمة سهلة هذه السنة بخلاف العام الماضي، مع الكاتب الهنغاري لاسلو كراسناهوركاي… ومن استطاع نطق اسمه من أوّل وهلة “يربح جائزة”!

الجوائز تقتل في العالم العربي. لو فتشنا عن السبب الحقيقي للجلطة التي أودت بحياة الكاتب الكبير يوسف إدريس في آب/أغسطس 1991، لاكتشفنا أن لها علاقة بفوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل عام 1988.

عندما حظي مؤلف “اللص والكلاب” بأرفع تتويج أدبي في العالم، فقَدَ صاحب “الحرام” صوابه، وأطلق العنان لتصريحات غريبة في الصحافة، تكشف حجم الصدمة التي ألمت به: “إذا كان هناك كاتب عربي يكتب القصة والرواية أفضل من يوسف إدريس أنا مستعد لأن أتوقف حالاً عن الكتابة”… كان مؤلف “البهلوان” يتحدث عن نفسه بضمير الغائب، مثلما كان يفعل النجم الفرنسي ألان دولون، النرجسية في مرحلة “الميتاستاز”!

ومن أطرف الحجج التي ساقها يوسف إدريس كي يثبت أنه أولى بنوبل من محفوظ، ما مفاده أن مؤلف “بداية ونهاية” كان في عمر متقدم، ولن يتمتع طويلاً بالقيمة المالية للجائزة، أما هو فأمامه عمر طويل ليستمتع بنقودها. كان يسخر طبعاً، لكن القدر سخر منه في النهاية، حيث تُوفِّي بجلطة دماغية، ولم يتجاوز عمره 64 عاماً، فيما أطال الله في عمر محفوظ حتى أصبح أشهر من هرم خوفو.

ولو أطال الله في عمر أدونيس وفاز بنوبل للآداب، لكانت لائحة ضحاياه طويلة جدا، بين “مجلوط” ومصاب بالسكتة القلبية، كما تكشف عن ذلك التدوينات الشامتة والمتشفية، التي تهاطلت بعد الإعلان عن فوز الشاعرة الكندية آن كارلسون.

لا أعرف كيف تمكّن مؤلف “صدمة الحداثة” من إشاعة كل هذا الحقد من حوله، كما لا أعرف كيف استطاع أن يحافظ على مكانته الأدبية، رغم الكتاب الأسود الذي أصدره كاظم جهاد عام 1993 تحت عنوان “أدونيس منتحلاً”، وأثبت فيه بالأدلة والحجج أن صاحب “ديوان الشعر العربي” بنى جزءاً من مسيرته الأدبية على الانتحال، وأن “الثابت” في مسيرته هو “اللطش” و”المتحول” هو الموقف!

أحياناً، يكون رفض الجائزة أهمّ من الحصول عليها. 

عام 1964، لم يكتف جان-بول سارتر برفض جائزة نوبل للآداب، بل هاجم لجنة التحكيم التي تمنحها: “لا أرى لماذا سيتوجني خمسون شخصاً طاعنين في السن، يؤلفون كتباً رديئة، الذين يحقّ لهم الحكم على قيمة ما أكتب هم القرّاء وليس هؤلاء السادة”!.. هكذا علق صاحب “الغثيان” على خبر فوزه بالجائزة. ومن الطبيعي أن يعتبر سارتر قرارات الأكاديمية السويدية “عبثية”… ألم تتوّج رائد فلسفة “العبث”، ألبير كامو، قبل ذلك بسبع سنوات؟

صحيح أن سارتر كان يرفض أن يتحوّل إلى مؤسسة، ويحرص على استقلاليته، وسبق له أن رفض “وسام جوقة الشرف” عام 1945، لكن كثيرين ربطوا بين موقفه من نوبل وبين انحيازها إلى ألبير كامو، في عز المعركة الفكرية التي اندلعت بين الكاتبين في خمسينات القرن الماضي، إذ اختارت الأكاديمية السويدية أن تمنح الجائزة لمؤلف “الغريب” عام 1957، فيما السجال كان على أشده بين الكاتبين. الجائزة وصلت متأخرة، لذلك رفضها مؤلف “الذباب”.

سارتر وكامو كانا صديقين، قبل أن تتفرق بينهما السبل، على خلفية الموقف من عدد من القضايا الساخنة، في بدايات الحرب الباردة، وحين نشر كامو “الإنسان المتمرد” عام 1951، هاجمته “الأزمنة الحديثة”، مجلة سارتر، ورد بعنف، مما أطلق إحدى أشهر المعارك الفكرية في القرن العشرين بين رائد “العبث” وعراب “الوجودية”.

الطريف، أن صاحب “الأيدي القذرة” رفض الجائزة لكنه مع ذلك صرف قيمتها المالية، وتمتع بها مع عدد من الكتّاب، الذين تحلقوا حول مجلته الشهيرة.

عام 2003، أثار الكاتب صنع الله إبراهيم زوبعة في مصر، عندما صعد إلى منصة “الأوبرا” كي يتسلم “جائزة الرواية العربية”، التي تمنحها وزارة الثقافة، وبدل أن يشكر المنظمين ولجنة التحكيم، رمى صاحب “شرف” قنبلة على الحضور: أعلن رفض الجائزة، وتلا بياناً نارياً، يعيد للمثقف صوته، مما جاء فيه: “أرفض جائزة صادرة عن حكومة تقمع شعبنا وتحمي الفساد”…

الكاتب المغربي أحمد بوزفور صنع مثله عام 2004، حين رفض “جائزة المغرب للكتاب”، وقال في بيان لاذع: “إنني أخجل من قبول هذه الجائزة في ظل تردي ملف الديمقراطية وحقوق الإنسان في بلادنا، وفي ظل تدهور الوضع الثقافي بسبب تفشي الجهل وانخفاض نسبة القراءة”.

لا نتذكر بالضرورة من فازوا بالجوائز، لكننا نتذكر من رفضوها. علماً أن الجوائز الأدبية في النهاية مسألة حظ. الجائزة تعكس مزاج العصر، وذائقة لجنة التحكيم. عدد كبير من أعظم الكتاب العالميين لم يفوزوا بنوبل، ميلان كونديرا رحل عام 2023 دون أن تلتفت إليه الأكاديمية السويدية، وفيليب روث وإسماعيل قدري وبول أوستر وجيمس جويس وخورخي لويس بورخيس وفلاديمير نابوكوف وطه حسين وميخائيل نعيمة ومحمود درويش… واللائحة طويلة. لكن لا أحد من هؤلاء خسر نوبل بل هي من خسرتهم!