عمود كهرباء

في “المطبخ” الانتخابي المغربي

جمال بدومة
جمال بدومة

اعتقدت دائماً وأنا صغير أن الانتخابات “أُكْلة”، لكثرة ما سمعت الكبار يتحدثون عن الولائم التي تقام بالمناسبة، لاستمالة أصوات الناخبين. كنت أتخيلها وجبة دسمة من النوع الشهي، ممنوعة على الصغار، لذلك حلمت بأن أكبر بسرعة، كي أستمرئ طعم الانتخابات اللذيذ… وعندما كبرت اكتشفت أنني لم أكن مخطئاً على طول الخط: صحيح أنها ليست أكلة، لكنها “طبخة” في كل الأحوال!

الانتخابات في المغرب “موسم أكْلٍ وشرب”، أكثر من أي شيء آخر. رغم أن المملكة قطعت أشواطاً طويلة على طريق الممارسة الديمقراطية، وبرلمانها تأسس عام 1963، لكنّ الانتخابات مازالت ترتبط بـ”الطبخ” أكثر من ارتباطها بالبرامج السياسية، وبعض الأحزاب مازالت تتنافس على تنظيم الولائم، أكثر من تنافسها على تنظيم المهرجانات الخطابية، واللحم والدجاج أهم من كل الوعود الإنتخابية، ومن أشهر الوصفات التي تصنع الفوز الانتخابي: “اللحم بالبرقوق”، و”الدجاج بالدغميرة”، و”البسطيلة”، و”الرفيسة” أو “المضهوسة”، كما تسمى في بعض المناطق. 

أحد المرشحين في الاقتراع التشريعي المرتقب في 23 سبتمبر/أيلول الجاري، حطّم الرقم القياسي في مسابقة الولائم، إذ مدّ طاولة تضم 262 طبقاً من وجبة “المضهوسة”، علماً أن كل صحن يأكل فيه ثمانية أشخاص، ولكم أن تحسبوا كم أطعم هذا المرشح الكريم من ناخب… أكثر من ألفين!

وعندما سألته الصحافة عن وصفته السحرية للنجاح في الانتخابات رد مبتسماً: “الوصفة السحرية هي الصدق والنية حول القصرية”… و”القصرية”، التي استدعتها الضرورة الشعرية والانتخابية، هي الصحن التقليدي الذي  تقدّم فيه “المضهوسة”، المشتقة من فعل “ضهَسَ يضْهَسُ”، أيْ مشى متخبطاً في الظلام، أنار الله طريقنا وطريقكم.

إذا أردت أن تنجح في الانتخابات، لا يهمّ لون الحزب الذي تنتمي إليه، ولا برنامجه السياسي، ولا الوعود التي تتعهد بها أمام المواطنين، يكفي أن تطعم ستين ناخباً كل يوم، طوال الحملة، كي تحسم الاقتراع بـ”المضغة” القاضية…

إذا لم تستطع إطعام الناخبين، هناك حلول أخرى كي تقوي حظوظك للظفر بمقعد في البرلمان، كما فعل أحد المرشحين لاقتراع 23 سبتمبر/أيلول، ممن لا يملكون إمكانيات لإقامة الولائم، ويعرف أنه مكروه جداً في المنطقة التي يترشح فيها، كتب على ملصقه الدعائي: “وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم”…

 الطريق إلى البرلمان المغربي يمرّ من وليمة دسمة. وطالما تفاوضت السلطة مع الأحزاب الراديكالية كي تقنعها بالمشاركة في الانتخابات، عن طريق دعوة قادتها إلى غذاء أو عشاء تقدم فيه أطباق فاخرة، أيام وزير الداخلية الراحل إدريس البصري، على عهد المرحوم الحسن الثاني.

في عام 1992، قاطع حزب “منظمة العمل الديمقراطي الشعبي”، أحد أبرز أحزاب المعارضة اليسارية وقتها، الانتخابات المحلية، لكنه في العام الموالي شارك في الاقتراع التشريعي، مما جعل عراب الولائم الانتخابية، إدريس البصري، يعلق ساخراً: “هناك أحزاب لا تحبّ الدجاج لكنها تأكل البسطيلة”… في تلميح ماكر إلى أن الدجاج هو المكون الرئيسي لوجبة “البسطيلة”!

ذهب البصري، ومازالت الانتخابات في المغرب تراوح مكانها بين “البسطيلة” و”المضهوسة”. معظم المرشحين يتطلعون إلى ما “سيأكلونه” بعد الدخول إلى البرلمان، والمشرفون على الاقتراع يراقبون عن كثب تحركات المرشحين ومؤشرات التصويت، كي لا تحترق “الطبخة”…

كثير من المرشحين والزعماء الحزبيين، يعوّضون غياب الكاريزما والبرنامج السياسي والقدرة على الخطابة، بولائم يسيل لها اللعاب، تقنع الناخبين وتفحمهم، وكثير منهم يُستحسن أن يسكتوا، ويتركوا الكلمة الأخيرة لـ”البسطيلة” و”المضهوسة” ومشتقاتهما… 

في ثمانينيات القرن الماضي، كان زعيم أحد الأحزاب التي تقود الحكومة، يدافع عن حصيلته أمام أنصاره في تجمع انتخابي، نقله التلفزيون، وردد بحماس: “بلادنا كانت على شفا حفرة من الهاوية، وبفضل جهودنا تقدمت، والحمد لله، خطوة إلى الأمام”… بمعنى سقطت في الهاوية! الزعيم الحزبي لم يكذب في الحقيقة، لأن المغرب وقتها نزل فعلاً إلى الحضيض، بسبب سياسات التقويم الهيكلي التي كان يفرضها البنك الدولي، وما رافقها من تدابير تقشفية أثقلت كاهل المواطنين، وتسببت في انتفاضات شعبية، عام 1981 و1984 و1990… ولولا تدخل عاجل من الحسن الثاني، الذي فتح حواراً مع المعارضة الوطنية، انتهت بالتوافق مع الزعيم اليساري عبد الرحمان اليوسفي على قيادة حكومة “التناوب” عام 1998، لولا ذلك لتوفي المغرب بـ”السكتة القلبية”. 

بالمناسبة، حكومة “التناوب” (1998-2002) كادت تقضي على الولائم الانتخابية، لكن الطبع يغلب التطبع. سرعان ما رحل اليوسفي عن الحكومة، وعادت حليمة إلى عادتها القديمة، واسترجعت الانتخابات كامل دسمها… 

وما دمنا مع الطرائف الإنتخابية، لا بدّ أن نستحضر موقفاً لا يقلّ سخرية، حدث للراحل المحجوبي أحرضان، الزعيم التاريخيّ لحزب “الحركة الشعبية”، المتغلغل في المناطق الأمازيغية. كان يخطب في تجمع انتخابي بإحدى القرى النائية، أمام حشد من أنصاره، ممن لا يفقهون شيئاً في السياسة. مواطنون بسطاء، متعلّقون بالملك الراحل الحسن الثاني، وبزعيمهم المحجوبي أحرضان. يومها، ارتأى الزعيم أن يقدّم لأنصاره درساً حول طبيعة الحكم في المغرب، ومساهمة الملكية في استقرار البلاد، فسأل الحشد الذي أمامه: “أنتم تحبون الملك أليس كذلك؟” فَعَلا الهتاف والصراخ: “عاش الملك، عاش الملك، الله يبارك في عمر سيدي”…. فرح الزعيم بتفاعل الحضور، واستغل الفرصة كي يفصّل كلامه حول استقرار النظام السياسي، بفضل الملكية، ويحدثهم عن مؤسسة “ولاية العهد”، بلغة بيداغوجية بسيطة، وتوجّه إلى الحشد المتحمس: “إذا مات الملك، لا قدر الله، من سيخلفه؟” 

وردت الجماهير، المتيّمة بزعيمها، بصوت واحد: “أنت!”

فما كان من أحرضان، إلا أن مدّ أصبعه الوسطى للحشد وهو يشتمهم، ونزل من المنصة حانقاً يندب حظه العاثر!