كنا نعرف “النوم في العسل”، وها نحن نكتشف “النوم في الملح”، بفضل وسائل التواصل الاجتماعي. من الأشياء الغريبة التي تحولت إلى “ترند” في الأسابيع الأخيرة، المشي على الملح من أجل تحسين جودة النوم. كثير من المحتويات الرقمية تُظهر أشخاصاً من مختلف الجنسيات والأعمار وهم يغرسون أقدامهم في الملح قبل الخلود للنوم، ويمدحون فوائده في الاسترخاء والراحة.
“المؤثرون” واثقون من نصائحهم: المشي على الملح يخفض هرمون التوتر، “الكورتيزول”، ويرسل للمخ رسالة مفادها أن الجسم بأمان وبذلك يساعد على الاسترخاء..
لحسن الحظ أن هناك صحفاً ما زالت تقوم بعملها، وقد اتصلت واحدة منها بخبراء وأطباء وسألتهم: هل المشي على الملح يساعد فعلاً على النوم؟
أعادت النتيجة الملح إلى مكانه الطبيعي في المطبخ، بجانب الفلفل الأسود والكمون والكركم والزنجبيل. حسب الأطباء والخبراء، القصة كلها نزق مؤثرين، لا تستند إلى أي منطق علمي، وكل ما يمكن أن يصنعه الملح للقدمين هو التشقق إذا كانت تعاني من الجفاف، أما النوم فلا يُسهّله إلا تعب العضلات، ونظام غذائي متوازن، وممارسة الرياضة، وراحة البال خصوصاً.. “كذب المؤثرون ولو صدقوا”!
قبل اختراع الكهرباء، كان الناس ينامون مع غروب الشمس، ويستيقظون في منتصف الليل لساعة أو ساعتين، ثم يعودون للنوم ثانية حتى الفجر. الإيقاع تغيّر بعد دخول الإنارة إلى البيوت. المؤرخ الأمريكي روجر إيكريش، درس تاريخ النوم في عدد من الكتب أشهرها “عند نهاية النهار” و”النوم وتحوله الكبير”، واكتشف أن أجدادنا البعيدين، كانوا ينامون مرتين، تتخللهما فترة صحو قصيرة، يقومون خلالها ببعض الأعمال المنزلية أو يقرأون على ضوء الشموع أو يزورون جاراً أو يُصلون ثم يعودون للنوم..
النوم نعمة لا تقدر بثمن، وكثير من الناس يتناولون حبوباً منومة كي يتذوقوا طعمه، في حين ينام المحظوظون بمجرد ما يضعون رؤوسهم على الوسادة، حتى لو شربوا عشرة فناجين من القهوة. راحة البال أكثر شيء يساعد على النوم، والأرق ابن القلق والتوتر، “الجرائم” التي ترتكبها في النهار تنتقم منك في الليل، إذا كان لديك ضمير طبعاً.
في بعض الثقافات الشعبية، من ينام بسهولة يعتبر شخصاً بلا إحساس، ميت القلب والضمير. ومن ينام متأخراً ويستيقظ باكراً ويخرج من بيته دون تناول الفطور ينبغي أن تحذر منه، لأنه لا يرحم نفسه، فما بالك بالآخرين!
النوم معجزة لأنك تموت ثم تحيا. في التراث الإسلامي، يسمى النوم “موتة صغرى”، “وهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيه” (سورة الأنعام). وفي الميثولوجيا الإغريقيّة، إله الموت ثاناتوس، وإله النوم هيبنوس، توأم. إذا لم يستسلم الإنسان لمشيئة هيبنوس، لمدة معينة، يزوره أخوه التوأم ثاناتوس. الجسد يرتاح في النوم، ويعاد تشغيله في اليوم الموالي.
في رواية “أرق” للطاهر بن جلون (غاليمار، 2019)، يعاني البطل من أرق قاتل، بالمعنى الحرفي للكلمة. يتقلب طويلاً في الفراش كل ليلة، دون أن يستطيع إلى النوم سبيلا. ويكتشف الحلّ عرضياً حين يتسبب في مقتل شخص ويرجع إلى بيته وينام بسهولة، يغطّ في سبات عميق ومريح. هكذا يجد الوصفة السحرية للقضاء على الأرق: القتل. كلما تخلص من شخص يربح ساعات طويلة من النوم، ليتحول في النهاية إلى “قاتل متسلسل”. لا أعتقد أن للنوم علاقة بالقتل خارج رواية بن جلون، لكن البعض يمكن أن يرتكب جريمة إذا أيقظته من النوم على حين غرة. هناك أشخاص إذا ناموا لا ينهضون حتى لو حصل انفجار نووي، وآخرون يسمعون نملة تتحرك ويستيقظون ويطير النوم من عيونهم.
النوم يمكن أن تكون عواقبه وخيمة أحياناً. في زمن الحروب مثلاً، عندما أقدم الحلفاء على إنزال النورماندي في يونيو/حزيران 1944، وصل الخبر ليلاً للمخابرات الألمانية، لكن هتلر كان نائماً ولم يتجرأ أحد على إيقاظه. حين استفاق الفوهرر كانت جيوش الحلفاء قد وصلت إلى برلين..
قبل قرن من ذلك، عام 1844، نشبت حرب بين الجيش الفرنسي، الذي كان قد احتل الجزائر قبل 14 سنة، وبين قوات السلطان المغربي مولاي عبد الرحمان، على الحدود بين البلدين. في اليوم الذي كان فيه الفرنسيون يستعدون للهجوم، وصل شخصان إلى معسكر الجيش المغربي كي ينقلا الخبر إلى خليفة السلطان وقائد الجيش محمد بن عبد الرحمان، لكنه كان نائماً ولم يتجرأ حاجبه على إيقاظه، وحين أفاق القائد المغربي كان الأوان قد فات.. وانهزم الجيش السلطاني هزيمة نكراء في “معركة إسلي”، التي مهّدت لدخول الاحتلال الفرنسي إلى المغرب.
النوم أيضاً، كاد يجعل النمساويين يخسرون فيينا عام 1683، لولا يقظة الخبازين. بعد حصار طويل للمدينة قرر الجيش العثماني أن يحفر أنفاقاً في الفجر، كي يتسلل منها الجنود وينسفوا أجزاء من أسوار المدينة، تمهيداً لاقتحامها. الخبازون الذين يستيقظون باكراً، سمعوا من أقبيتهم أصوات الحفر، وأيقظوا السلطات وأخطروا الجيش النمساوي، الذي استطاع صد الهجوم التركي بنجاح.
احتفالاً بالانتصار، صنعوا خبزاً على شكل هلال، على سبيل السخرية من الأتراك ورمزهم. فيما بعد، عندما تزوجت الأميرة النمساوية ماري أنطوانيت ملك فرنسا لويس السادس عشر، حملت معها خبز “الهلال”، الذي تطور فيما بعد، وأصبح ما يعرف اليوم باسم “الكرواسان”!















