عمود كهرباء

لصوصٌ بذوْقٍ رفيع

جمال بدومة
جمال بدومة

الفنّ يقود أحياناً إلى الثروة. كثير من الرسامين أصبحوا أغنياء بفضل لوحاتهم، بعدما ابتسم لهم الحظ وأصبحت أعمالهم تباع بالملايين في كريستيز وسوذبيز وفيليبس وغيرها من المزادات الفنية. بعضهم استفاد من نجاحه قيد حياته، ومعظمهم عاش فقيراً ومهمشاً، لا يستطيع بيع لوحة واحدة، وعندما مات ارتفعت أسهمه فجأة، وصنع بؤسُه سعادةَ الورثة.

الفن حظوظ، وكثير من جامعي التحف استطاعوا جمع ثروات محترمة بفضل ما اقتنوه من أعمال في الوقت المناسب. راهنوا على فنانين مغمورين، واشتروا أعمالهم بثمن بخس، وربحوا عندما دقَّت طبول المجد والشهرة. اللوحات التشكيلية تنافس الذهب في الأسواق، وتعدّ من أفضل طرق ادخار الأموال، لذلك تجدها جزءاً مهمّاً من ثروات رجال الأعمال والأثرياء حول العالم.

العسل يجمع الذباب. في فرنسا، ظهرت فئة جديدة من المهتمين بسوق الفن، تزور المتاحف كلما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، علماً بأن زياراتها تكون صاخبة، ولا تمر أبداً مرور الكرام، بل تستدعي دائما تدخل الشرطة… إنهم اللصوص، الذين أظهروا اهتماماً مفاجئاً بالمتاحف الفرنسية. بعضهم أصبح يعرف ما فيها من تحفٍ أكثر من أي ناقد تشكيلي أو سائح متيم بالفنون، وبعضهم يقضي وقته في تفحص خريطة المتاحف، الممتدة عبر ربوع البلاد، والتعرّف على الأعمال المعروضة، وقيمتها الفنية، وكيفية الوصول إليها.

المصارف ومحلات الذهب والمجوهرات أصبحت “موضو قديمة” بين محترفي السرقة؛ من يفتّش عن “خبطة العمر”، يزور متحفاً، وينشل بضع لوحات، ويتحوّل إلى مليونير. 

السرقات التي تشهدها المتاحف الفرنسية، هذه الأيام، لا تنافسها إلا عمليات النشل التي يتعرّض لها السياح في محطات المترو، من حيث الرواج طبعاً، أما العائدات المالية فلا مجال للمقارنة بين غجري أو عربيّ يكسب قوت يومه من النشل في عربات المترو وبين لص ملمّ بتاريخ الفن، يتنقل من متحف إلى آخر، لا يمكن مقارنة من يسرق محفظة سائحة يابانية بمن يسطو على تاج ملكة فرنسية. لكن التنافس بين الفريقين على أشدّه، وأشهر “دعاية سياحية” في باريس تسمعها في أنفاق المترو: “سيداتي سادتي، هناك نشالون في هذه المحطة، نطلب من المسافرين توخي الحذر”… في كل محطة عصابة، وفي كل متحف لصوص يزورونه في الفجر.

وتبقى أشهر عملية سطو شهدتها العاصمة الفرنسية هي تلك التي حدثت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حين اقتحم لصوص محترفون متحف اللوفر، وأخذوا ما خفّ وزنه وغلا ثمنه من مجوهرات وتحف نادرة، تمكّنوا من الوصول إليها رغم الحراس والكاميرات والبوليس. الغنيمة التي ظفر بها اللصوص قدّرت بـ88 مليون يورو، مليون ينطح مليوناً.

ورغم اعتقال عدد من المشتبه فيهم، فإن المسروقات لم تعد أبداً إلى أشهر متحف في العالم، ما عدا تاج الإمبراطورة أوجينيه (1826-1920)، زوجة نابليون الثالث، لكن بعد أن تكسَّر وضاعت معظم جواهره.

وفي نهاية تموز/يوليو، تعرّض متحف مدينة شاتيون-سير-سين لعملية سطو مماثلة، شملت مجموعة من الحلي الثمينة، من بينها عقد ذهبي من الفترة السلتية، يعود تاريخه إلى أكثر من 2500 سنة، عثر عليه العلماء ضمن حفريات في منطقة بورغوني، بعد حفر في الأرض استغرق بضع سنوات، ولهفه اللصوص في بضع دقائق.

وفي مستهل الشهر ذاته، شرقي فرنسا هذه المرة، سطا اللصوص على مجوهرات تقدر بـ4.5 مليون يورو في متحف لاليك بمدينة ويغن-سير-مودير.

وقبل أسبوع فقط، سُرِقت أعمال للرسام الانطباعي الشهير أوغست رونوار (1841-1919) من متحف يحمل اسمه في مدينة كاني-سور-مير. اللصان اللذان نفذا السرقة تسلّلا فجراً وأخذا أربع لوحات قبل أن يضطرا إلى التخلي عن اثنتين في حديقة المتحف، بعد أن دقّ جرس الإنذار، لكنهما حصلا في النهاية على غنيمة تقدّر بـ9 ملايين يورو!

بعيداً عن السرقة، لم أفهم يوما لماذا يدرّ الفن التشكيلي كلّ هذه الثروة على الرسامين الناجحين، وعلى ورثتهم، وعلى جامعي التحف، وعلى اللصوص، دونًا عن بقية الأجناس الإبداعية الأخرى. هناك طبقية فجة بين الفنون: “الرسم بورجوازي والشعر بروليتاري”. كما أن هناك كثيراً من العبث والظلم في عالم الفن التشكيلي نفسه. إذا نجَحْتَ تصعد إلى السماء، وإذا خَسِرْتَ تنزل إلى الحضيض. أحياناً تسكن كل حياتك في الحضيض، وحين تموت تصبح أعمالك تساوي الملايين، كما حدث لعدد كبير ممن يُعرفون في تاريخ الفن بـ”الرسامين الملاعين”.

المهم، إذا كانت لديك لوحة لأحد الرسامين المعروفين عالمياً، فقد أمّنت مستقبلك. الرسام الناجح يشبه الفائز في “اللوتو”، رغم أن الأخير يربح مرة واحدة، فيما يفوز الرسام كلما انتهى من لوحة. إذا ارتفعت أسهمك في بورصة الفن، يكفي أن تدلق قليلاً من الصباغة على قطعة قماش كي تدرّ عليك الملايين، بغض النظر عن محتواها. القيمة الرمزية والمالية للوحة ترتبط باسم الرسام أكثر من أي شيء آخر، وبالسياق الفني والثقافي الذي أنتج فيه العمل.

هناك لوحة شهيرة للرسام الروسي كازيمير ماليفيتش (1878-1935)، كلّها بيضاء، وعنوانها “مربع أبيض على خلفية بيضاء”… “رقّاصة وبترقص”، على رأي عادل إمام، لكن سعرها بلغ 60.5 مليون دولار في آخر مزاد عام 2018!

النظرة كاريكاتورية طبعاً، على سبيل المزاح، أما كازيمير ماليفيتش فمن أعظم الفنانين في القرن العشرين، و”مربع أبيض على خلفية بيضاء” تحفة حقيقية، ثم إن سوق الفن لها قواعدها ومنطقها الفني، الذي يعرفه المتخصصون ولا يدركه الجمهور العريض بالضرورة.

سالفادور دالي (1904-1989)، صاحب الشوارب الطويلة، كان يدرك قواعد اللعبة جيداً، حين كان يدخل إلى مطعم، في عزّ شهرته، كان يحرص على الدفع بـ”الشيك”، بعد أن يضع على ظهره رسمة صغيرة. يعرف أن صاحب المطعم سيفضّل الاحتفاظ بالوثيقة المصرفية كتحفة فنية، بدل تقديمها إلى البنك… هكذا كان دالي يأكل مجاناً في كل المطاعم!

أما زميله ومواطنه بابلو بيكاسو (1881-1973)، فلديه قصة مشهورة في أحد المطاعم الباريسية. كان من عادته أن يرسم على مفرش الطاولة، ويُعفى مقابل ذلك من دفع الفاتورة. وذات مرة مرة طلب منه صاحب المطعم أن يضع اسمه تحت الرسم، فردّ عليه الفنان التكعيبي ساخراً: “سيدي، أنا أريد دفع الحساب وليس شراء المطعم!”