قد يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعيداً عن الفوز بجائزة نوبل للسلام لعام 2026، وفق تقديرات الخبراء، لكن ظله يظل حاضراً في النقاش حول اختيار الفائز. فبعد الجدل الذي أحاط بجائزة العام الماضي، ثم إهداء ماريا كورينا ماتشادو ميداليتها الذهبية إلى ترامب، يتوقع هؤلاء أن يتأثر الاختيار الجديد بما أثارته تلك التجربة من تساؤلات بشأن الضغوط السياسية على الفائزين.
ستُعلن اللجنة المؤلفة من خمسة أعضاء اسم الفائز بجائزة هذا العام في 9 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، وسط قائمة تضم 287 مرشحاً، بينهم 208 أفراد و79 منظمة. ومعروفٌ أن وثائق الترشيح والتقييمات لا يُكشف عنها رسمياً، وتبقى سرية لمدة 50 عاماً، ما يجعل معظم الأسماء المتداولة في وسائل الإعلام والتكهنات غير مؤكدة رسمياً.
إرثٌ يلاحق اللجنة
وضعت مطالبة ترامب الصريحة بالحصول على جائزة نوبل اللجنة تحت ضغط غير مسبوق العام الفائت. وازدادت حساسية الموقف بعدما أهدت الفائزة، وهي زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، ميداليتها الذهبية إلى ترامب خلال لقاء جمعهما في واشنطن، في خطوة أثارت اهتماماً واسعاً بشأن العلاقة بين الفائز بالجائزة والرئيس الأمريكي الذي كان يسعى لاقتناصها.
في هذا الصدد، يرى هاكون يرلو، المدير بالإنابة لمعهد أبحاث السلام في أوسلو، أن أحداث العام الماضي قد تدخل فعلياً في حسابات اللجنة، خصوصاً لناحية تجنب اختيار فائز يمكن أن يتعرض لضغوط سياسية مباشرة. وقال لوكالة “رويترز”: “أعتقد أنه سيتم النظر فيما إذا كانت الجائزة ستسبب ضرراً أكثر من نفعها، بناء على ما جرى سابقاً، وموقف ماتشادو لاحقاً”.
فهل تختار اللجنة اسماً أقل إثارة للجدل لتجنب تحويل الجائزة إلى مواجهة سياسية جديدة، أم تمنحها لشخص أو مؤسسة تمثل، بصورة مباشرة، المبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي؟
اختيار آمن
أحد السيناريوهات يتمثل في اختيار جهة إنسانية لا تحمل الجائزة معها مواجهة سياسية مباشرة. ومن بين الأسماء المطروحة “غُرف الطوارئ السودانية”، (Sudan’s Emergency Response Room)، وهي شبكة من المبادرات المجتمعية والمتطوعين الذين يقدمون الغذاء والمساعدة والخدمات الأساسية للمدنيين وسط الحرب في السودان.
وتبرز أيضاً منظمة “أنقذوا الأطفال”، Save the Children، إلى جانب الناشط الأوكراني ميكولا كوليبا، الذي يعمل على إعادة الأطفال الأوكرانيين الذين تقول كييف إنهم نُقلوا أو رُحّلوا قسراً إلى روسيا. ويكتسب هذا الخيار بُعداً إضافياً بسبب اهتمام زوجة ترامب، ميلانيا، بقضية الأطفال الأوكرانيين، بعدما وجّهت في 2025 رسالة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعت فيها إلى إطلاق سراحهم.
كما طُرح اسم “لجنة حماية الصحافيين”، في ظل استمرار المخاطر التي تواجه الصحافيين في مناطق النزاع، فضلاً عن اقتراح غير تقليدي هو “محطة الفضاء الدولية”، باعتبارها نموذجاً للتعاون العلمي بين دول متنافسة في بيئة دولية تتزايد فيها الانقسامات.
مواجهة باسم القانون الدولي
ربما تقرر اللجنة أن أفضل رد على الضغوط السياسية هو اختيار فائز يجسد المبادئ التي تقول إنها تدافع عنها.
وتبرز في هذا السياق “المحكمة الجنائية الدولية”، و”محكمة العدل الدولية”، إضافة إلى فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة. ويعني اختيار أي من هذه الجهات أو الشخصيات أن الجائزة ستتخذ معنى سياسياً واضحاً يتعلق بالقانون الدولي، والمساءلة، وحماية المدنيين، وتسوية النزاعات بالوسائل القانونية.
لكن ذلك يأتي في وقت تواجه فيه المحكمة الجنائية الدولية ضغوطاً من ترامب نفسه وحلفائه، فيما كانت مواقف ألبانيز بشأن الحرب في غزة والاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية موضع انتقادات حادة من الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل منحها الجائزة خياراً أكثر قدرة على إثارة الجدل.
وبذلك قد تتحول الجائزة إلى رسالة بشأن استقلال المؤسسات الدولية، من دون أن تكون اللجنة قد أعلنت صراحة أن هدفها هو مواجهة ترامب.
البابا ليو.. بعيداً عن السياسة المباشرة
يطرح الخبراء كذلك اسم البابا ليو الرابع عشر، أول بابا أمريكي المولد، بوصفه مرشحاً يمكن أن يجمع بين البُعد الديني والدبلوماسي والإنساني. وقد دعا البابا إلى الحوار والحلول السلمية للنزاعات، وتحدث عن احترام المهاجرين والعمل الإنساني، كما تناول في إحدى وثائقه قضية الذكاء الاصطناعي وآثارها على البشرية. مع ذلك، لم يسلم البابا أيضاً من انتقادات ترامب بسبب مواقفه من الحرب الأمريكية على إيران.
يمكن القول إن أهمية “نوبل للسلام 2026” لا تكمن في هوية الفائز وحدها، بل في الرسالة التي سيحملها الاختيار. فبعد الجدل الذي أحاط بماتشادو وإهدائها ميداليتها إلى ترامب، أصبحت اللجنة أمام معادلة دقيقة. اختيار شخصية أو مؤسسة قد تتعرض للضغط السياسي، أو اللجوء إلى خيار إنساني أكثر أماناً، أو ربما استخدام الجائزة للتأكيد على أهمية القانون الدولي وحقوق الإنسان والتعاون الدولي.
لهذا قد يكون ترامب بعيداً عن منصة الفائزين هذا العام، لكن حضوره سيظل جزءاً من المشهد الذي ستتخذ اللجنة قرارها داخله. وفي جميع الأحوال، سيكون اختيار 9 أكتوبر مؤشراً مهماً على الكيفية التي ترى بها لجنة نوبل النرويجية دور جائزة السلام في مرحلة تتعرض فيها قواعد النظام الدولي لاختبارات متزايدة.















