بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

مواجهة سياسية

بين ترامب والقضاء والصحافة.. من يملك مفاتيح البيت الأبيض؟ مواجهة جديدة أمام بوابات القصر الرئاسي

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

دخلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مواجهة جديدة مع مؤسسات إعلامية كبرى، بعدما تصاعد الخلاف بشأن إمكانية وصول مراسلي “سي إن إن” و”إم إس ناو” و”بوليتيكو” إلى البيت الأبيض، ليتحول سريعاً من نزاع سياسي وإعلامي إلى اختبار قضائي لحدود سلطة الرئيس في تنظيم وصول الصحافة إلى مقره الرئاسي.

بدأت الأزمة عندما أمر ترامب الأسبوع الماضي بمنع المؤسسات الثلاث من دخول البيت الأبيض، متهماً إياها بعرض “أخبار كاذبة” وسلبية بحقه. لكن المؤسسات اعترضت على القرار، واعتبرته عقاباً على مضمون تغطيتها، ورفعت دعوى أمام محكمة اتحادية في واشنطن، مطالبة بإعادة اعتماد مراسليها ووقف تنفيذ الحظر.

أمر قضائي بفتح الأبواب

في 24 سبتمبر، أصدر القاضي الاتحادي تيم كيلي أمراً بإعادة السماح لمراسلي “سي إن إن” و”إم إس ناو” و”بوليتيكو” بدخول البيت الأبيض، معتبراً أن سحب الاعتماد بصورة مفاجئة انتهك حق المؤسسات الإعلامية الثلاث في الإجراءات القانونية بموجب التعديل الخامس للدستور الأمريكي.

وعلّق الأمر القضائي الحظر لمدة 14 يوماً للمتابعة، لكن تنفيذ القرار لم يكن سلساً، ففي صباح اليوم ذاته، حاول صحافيو هذه المؤسسات دخول البيت الأبيض، إلا أن عناصر الخدمة السرية منعوهم. وأفادت “بوليتيكو” بمصادرة بطاقة اعتماد أحد مراسليها، فيما قالت “إم إس ناو” إن إحدى مراسلاتها مُنعت من الدخول، وأكدت “سي إن إن” أن بعض موظفيها واجهوا الأمر نفسه أيضاً. ودفعت هذه التطورات المؤسسات الثلاث إلى مطالبة المحكمة بعقد جلسة استماع عاجلة، للتأكد من مدى امتثال الإدارة للأمر القضائي.

وفي وقت لاحق من اليوم، سُمح للمراسلين بالدخول إلى البيت الأبيض، لتنتهي الأزمة التنفيذية المباشرة، لكن من دون إنهاء النزاع القانوني.

امتياز وليس حقاً

تكتسب القضية أهمية تتجاوز مسألة اعتماد ثلاثة مراسلين، لأنها تضع أمام القضاء سؤالاً أكثر تعقيداً، إلى أي مدى يستطيع البيت الأبيض التحكم في وصول وسائل الإعلام إلى الرئيس عندما يكون سبب الاستبعاد مرتبطاً بمحتوى التغطية؟

تستند المؤسسات الثلاث إلى التعديل الأول من الدستور، الذي يحمي حرية التعبير والصحافة، وتقول إن منعها جاء رداً على تقارير لم ترضِ الرئيس. وفي المقابل، تشدد إدارة ترامب على أن الوصول إلى بعض المناطق والفعاليات المحدودة داخل البيت الأبيض ليس حقاً مطلقاً للصحفيين، بل امتياز يخضع لتنظيم الرئاسة. وهذا ما أكدته وزارة العدل بقولها إن الرئيس يستطيع التحكم في دخول الصحفيين إلى المناطق الرئاسية المقيدة، مثل المكتب البيضاوي، والوصول إلى البيت الأبيض “امتياز وليس حقاً”.

لكن القضية لا تتعلق بالتعديل الأول وحده، إذ ركز كيلي في قراره المؤقت على الإجراءات القانونية الواجبة، أي ما إذا كان بإمكان الحكومة إلغاء اعتماد صحفيين بصورة مفاجئة ومن دون إخطارهم ومنحهم فرصة للاعتراض قبل حرمانهم من الوصول.

وهذا التفصيل مهم، لأنه يترك الباب مفتوحاً أمام معركة قانونية أوسع حول السؤال الجوهري المتعلق بمدى حماية التعديل الأول للصحافة في الأماكن الرئاسية محدودة الوصول.

المواجهة تطال “التجمع الصحفي”

لم يتوقف النزاع عند حدود المؤسسات الثلاث، بل امتد إلى منظومة التغطية الإعلامية للرئيس الأمريكي، بعدما أصبحت آلية “التجمع الصحفي” التلفزيوني في البيت الأبيض نفسها جزءاً من المواجهة.

وتعمل هذه الآلية على أساس التناوب بين خمس شبكات تلفزيونية كبرى هي “سي إن إن” و”إيه بي سي” و”سي بي إس” و”إن بي سي” و”فوكس”، إذ ترافق الشبكة المكلفة بالتغطية الرئيس في الأماكن التي لا تسمح مساحتها باستيعاب جميع وسائل الإعلام، ثم توزع الصور على بقية المؤسسات. وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة في الرحلات الرسمية والسيارات والمروحيات والطائرات والفعاليات محدودة المساحة.

وكان من المقرر أن تكون “سي إن إن” الشبكة التلفزيونية المكلفة بالتغطية المشتركة لمرافقة ترامب خلال زيارته إلى ولاية تينيسي في 26 سبتمبر، لكن جدول التغطية الذي أصدره البيت الأبيض في الليلة السابقة لم يتضمنها، كما لم يتضمن الشبكات التلفزيونية الكبرى الأخرى التي تتناوب عادة على هذه المهمة. وبدلاً من ذلك، اقتصر الجدول على صحفيي “ليندل تي في”، وهي قناة صغيرة مؤيدة بقوة لترامب يديرها رجل الأعمال مايك ليندل المقرب من الرئيس.

قالت “إيه بي سي” و”سي بي إس” و”فوكس” و”إن بي سي” إن الجمهور لديه مصلحة أساسية في الحصول على معلومات دقيقة ومستقلة عن حكومته، وإن الإدارة لا ينبغي أن تقيد مؤسسة إخبارية بسبب اعتراضها على تقاريرها.

سابقة “أسوشيتد برس” تلقي بظلالها

في عام 2025، خاضت إدارة ترامب نزاعاً مماثلاً مع “أسوشيتد برس” بعدما قيّدت وصول صحفييها إلى بعض الفعاليات الرئاسية إثر رفض الوكالة اعتماد تسمية “خليج أمريكا” بدلاً من “خليج المكسيك”.

وأصدر قاضٍ اتحادي حكماً لمصلحة “أسوشيتد برس”، مؤكداً أن الحكومة لا تستطيع معاقبة المؤسسة بسبب موقفها التحريري، وإن كان الحكم لم يمنح الوكالة حقاً دائماً في دخول المكتب البيضاوي أو جميع الفعاليات محدودة المساحة. كما انتهت القضية إلى نقاش أوسع حول الفرق بين “حق الصحفي في التغطية” وبين “الحق في الوصول إلى أماكن رئاسية محدودة المساحة”.

في ذلك النزاع أيضاً، أعادت الإدارة تشكيل قواعد “التجمع الصحفي”، وقلصت الدور التقليدي لجمعية مراسلي البيت الأبيض في اختيار المؤسسات التي تشارك في الفعاليات ذات الصلة.

توفر هذه السابقة خلفية مهمة للقضية الحالية، خصوصاً أن “سي إن إن” و”إم إس ناو” و”بوليتيكو” تقول إن استبعادها مرتبط بمحتوى تغطيتها، بينما تصر الإدارة على أن للرئيس صلاحية تنظيم الوصول إلى أنشطته. كما أظهرت أن المحاكم نفسها تميز بين عدم وجود حق مطلق في دخول المكتب البيضاوي أو الطائرة الرئاسية، وبين عدم جواز التمييز ضد مؤسسة بسبب خطابها أو موقفها التحريري.

هنا تتقاطع حرية الصحافة مع السلطة التنفيذية والقضاء، فيما قد تحدد هذه القضية، إلى جانب نزاعات مماثلة، قواعد العلاقة بين البيت الأبيض والإعلام خلال السنوات المقبلة.