بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

حقوق الإنسان

وجهاهما مكشوفان.. حكم فنلندي يبرّر نزع حجاب طالبتَي لجوء وخلاف قضائي حول حدود القوة

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

أيدت المحكمة العليا الفنلندية، في 22 سبتمبر 2026، براءة سبعة من أفراد الشرطة والحراس في قضية استخدام القوة لتصوير طالبتَي لجوء من دون حجابهما عام 2017. وبعد تسع سنوات من الواقعة، انتهى المسار القضائي إلى رفض التهم، لكنه كشف خلافاً داخل المحكمة بشأن حدود التدخل الجسدي لإثبات الهوية عندما يكون الوجه مكشوفاً أصلاً.

رأت الأغلبية أن تصوير طالبي اللجوء يُعد مهمة قانونية، وأن الشرطة امتلكت، في ظروف القضية، أساساً لاستخدام القوة لتنفيذها. في المقابل، اعتبرت القاضية المعترضة على القرار، تويا توربينن، أن الغرض كان يمكن تحقيقه بصورة تُظهر الوجه والأذنين مع بقاء جزء من الشعر مغطى، لكنها وافقت على رفض التهم لأسباب مختلفة.

ويتعلق الحكم بصور تسجيل طلبات اللجوء وبالتعليمات التي كانت سارية آنذاك، ولا ينشئ حظراً على الحجاب أو ترخيصاً عاماً بنزعه بالقوة. ومع ذلك، فإن نشره ضمن سوابق المحكمة يمنحه أهمية تتجاوز طرفَي القضية، بوصفه تفسيراً لصلاحيات الشرطة وشروط استخدامها للقوة في حالات مماثلة.

خلاف بدأ برفض نزع الحجاب

تعود الواقعة إلى مايو 2017، عندما حضرت امرأتان إلى مركز الشرطة في مدينة هامينلينا لتسجيل طلبي لجوء. طلب الموظفون منهما إزالة غطاءَي الرأس لالتقاط صور التسجيل. رفضتا، وطلبتا الانتقال إلى مركز آخر سبق أن صُوّرتا فيه بالحجاب خلال إجراءات لجوء سابقة.

أبلغتهما الشرطة بأن التصوير سيجري في حضور نساء فقط، لكنهما تمسكتا برفض إزالة الحجاب. وبعد استشارة مسؤول في المركز، صدر أمر بالتقاط الصور من دون غطاء الرأس، وباستخدام أخف وسائل القوة عند الضرورة لتجاوز المقاومة.

وبحسب الوقائع التي اعتمدتها المحكمة العليا، أُخرجت إحدى المرأتين من غرفة التسجيل بالإمساك بمعصميها بعد رفضها المغادرة، ثم أُمسكت من يديها ومعصميها عندما حاولت العودة. وفي الغرفة، أُمسكت المرأة الأخرى وضُغطت إلى الحائط بعد اندفاعها نحو الباب، ثم أُجلست على كرسي وأُزيل حجابها، وأُمسكت من كتفها وأعلى ذراعها أثناء التصوير. وبعد ذلك، أُعيدت المرأة الأولى وصُوّرت بينما كان الموظفون يمسكون بيديها.

لاحقاً، واجه أفراد الشرطة والحراس تهماً شملت الإخلال بالواجب الوظيفي والاعتداء والتحريض عليه. ورفضت محكمة الدرجة الأولى التهم في سبتمبر 2022، وأيدت محكمة الاستئناف النتيجة في مارس 2024، قبل أن تنظر المحكمة العليا في الأساس القانوني للتصرفات التي ثبت وقوعها.

حدود القوة

استند موقف الشرطة إلى تعليمات وطنية أصدرها مجلس الشرطة الفنلندي عام 2014 بشأن صور سجل السمات التعريفية للأجانب. ونصت على تصوير من يرتدي غطاء رأس لأسباب دينية أو ثقافية من دون الغطاء أيضاً، مع مراعاة قواعد التعامل اللائق واحترام قيم الشخص أثناء التسجيل.

أما تنظيم حضور النساء عند إزالة الحجاب، فورد كذلك في تعليمات داخلية أصدرها مركز الشرطة عام 2015. وكانت تقتضي استشارة مسؤول من القيادات الشرطية عند رفض إزالة الغطاء، وترتيب حضور موظفات لتنفيذ الإجراء.

ويمنح قانون الأجانب الشرطة وسلطات الحدود صلاحية أخذ الصور والبصمات وغيرها من السمات التعريفية لأغراض تشمل التحقق من الهوية ومعالجة شؤون الدخول والإقامة والخروج من البلاد. لكنه لا يحدد كيفية التقاط الصورة أو مقدار ما يجب أن يظهر من الرأس؛ وهو ما جعل العلاقة بين الصلاحية القانونية والتعليمات الإدارية محوراً أساسياً في النزاع.

اعتبرت أغلبية المحكمة أن التقاط صورة بلا غطاء رأس، وفق التعليمات الوطنية، يخدم هدفاً مشروعاً ومهماً هو التحقق من هوية طالب اللجوء في مختلف مراحل معالجة طلبه. واستندت إلى سوابق للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قبلت اشتراط الظهور عاري الرأس في بعض الصور الرسمية، ورأت أن الأمر بإزالة الحجاب في هذه القضية لم يخالف حرية الدين.

لكن مشروعية المهمة لم تكن كافية وحدها لتبرير القوة. فقد أكدت المحكمة وجوب البدء بالنصح والطلب والأوامر، واختيار الوسيلة الفعالة الأقل مساساً بالحقوق، مع مراعاة طبيعة المهمة ودرجة استعجالها وخطورة المقاومة والظروف المحيطة بها.

وفي تطبيق هذه الضوابط، رأت الأغلبية أن وسائل التثبيت المستخدمة كانت ضرورية ومتناسبة مع المقاومة التي ثبتت أمام المحاكم، ولم تجد أساساً للقول إن المهمة كانت قابلة للتنفيذ بقوة أخف. كما اعتبرت توجيه المسؤول باستخدام أخف قوة لازمة تعليمات عامة، تبقى معها مسؤولية تقدير الوسيلة المناسبة على عاتق الموجودين في المكان.

أقرت المحكمة بأن التخلي عن التصوير بعد تصاعد المقاومة كان يمكن أن يكون مبرراً، لكنها رأت أن القانون يترك ذلك لتقدير الشرطة بحسب ظروف الحالة، وأن استمرار الموظفين في الإجراء لا يرتب مسؤوليتهم الجنائية في هذه الواقعة.

صورة أقل مساساً

تركز اعتراض القاضية تويا توربينن على ضرورة استخدام القوة أثناء التصوير نفسه. فالرأي الذي تبنّته ميّز بين القوة المستخدمة لتهدئة الموقف والفصل بين المرأتين، والتي اعتبرتها مبررة، والقوة المستخدمة لإزالة الحجاب وتثبيتهما لالتقاط الصور.

كانت المرأتان مستعدتين لتحريك حجابهما إلى مؤخرة الرأس بحيث يظهر الوجه والأذنان. ورأت توربينن أن هذه الصورة كانت ستتيح التعرف إليهما لاحقاً، وأن بقاء جزء من الشعر مغطى لم يكن ليمنع تحقيق الغرض من التسجيل. وبناء عليه، رأت أن إجبارهما على التصوير بلا حجاب تجاوز حدود القوة الضرورية والمبررة، ومسَّ سلامتهما الجسدية وحريتهما الدينية.

ومع ذلك، وافقت على رفض تهمة الإخلال بالواجب الوظيفي، إذ رجّحت اعتبار الفعل مخالفة طفيفة في التقييم الجنائي، بالنظر إلى التعليمات الوطنية والأمر الصريح الذي تلقاه الموظفون من مسؤولهم. أما تهمة الاعتداء، فرأت أن الإمساك بالمرأتين عند إزالة الحجاب والتصوير لم يثبت أنه تسبب في الألم أو الإصابات الموصوفة في الاتهام.

وهذا هو الفارق في الموقف بين الأغلبية والقاضية المخالفة: الاتفاق على عدم الإدانة لم يعنِ الاتفاق على مشروعية جميع التصرفات.

تمنح قواعد صور جوازات السفر الفنلندية هذه المسألة سياقاً إضافياً. فتعليمات الشرطة المنشورة تسمح بغطاء الرأس لأسباب دينية، بشرط إبقاء الوجه واضحاً وعدم إلقاء ظلال عليه تعيق التعرف. ولا تنتقل هذه القواعد تلقائياً إلى تسجيل طالبي اللجوء، لكن المقارنة تبرز السؤال الذي قام عليه الاعتراض داخل المحكمة: ما الذي تضيفه إزالة الغطاء بالكامل إذا أمكن إثبات الهوية مع ارتدائه؟

الشخص نفسه.. وقراران

ظهر اختلاف مماثل في تقدير الضرورة بين المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ولجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في قضيتين منفصلتين تخصان الشخص نفسه: شينغارا مان سينغ، وهو رجل سيخي اعترض على إلزامه بنزع عمامته للصور الرسمية في فرنسا.

في نوفمبر 2008، قررت المحكمة الأوروبية عدم قبول شكواه المتعلقة بصورة رخصة القيادة، باعتبارها غير قائمة على أساس ظاهر. ورأت أن اشتراط الصورة عاري الرأس مبرر ومتناسب مع متطلبات السلامة العامة والتحقق من هوية السائق، وأن كيفية إجراء هذه الفحوص تدخل ضمن هامش تقدير الدولة.

لكن لجنة حقوق الإنسان خلُصت، في يوليو 2013، إلى نتيجة مختلفة في شكواه المتعلقة بصورة جواز السفر. أقرّت اللجنة بحاجة الدولة إلى التحقق من هوية حامل الجواز، لكنها رأت أن فرنسا لم توضح لماذا تجعل العمامة، التي تترك الوجه ظاهراً بوضوح، التعرف إلى صاحبها أكثر صعوبة، أو كيف يسهم تصويره عاري الرأس في منع الاحتيال بصورة أفضل.

بحسب اللجنة، لم تُثبت فرنسا ضرورة القيد، واشتراط الصورة بلا عمامة شكّل تقييداً غير متناسب لحرية الدين، وانتهاكاً للمادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

لم تراجع اللجنة قرار المحكمة الأوروبية، ولم تتعلق القضيتان باستخدام القوة الجسدية؛ بل اختلفتا في الوثيقة محل النزاع والإطار القانوني المطبق. ومع ذلك، تكشف المقارنة اختلافاً في تقدير ما تحتاجه الدولة فعلاً لإثبات الهوية: ففي قضية رخصة القيادة قُبل اشتراط كشف الرأس، وفي قضية جواز السفر طُلب من الدولة تفسير ما يضيفه هذا الشرط إلى وجه ظاهر يمكن التعرف إليه.