بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

حقوق الإنسان

دولة ثالثة تحت رقابة القضاء.. حكم أميركي يقيّد ترحيل المهاجرين دون إخطار مسبق

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

قد يصدر بحق مهاجر في الولايات المتحدة أمر نهائي بالترحيل إلى بلده، ثم تمنع محكمة الهجرة إعادته إلى ذلك البلد لأنها ترى أنه قد يتعرض هناك للاضطهاد أو التعذيب. لكن ماذا يحدث إذا قررت الحكومة لاحقاً إرساله إلى دولة أخرى لم تُذكر أصلاً في إجراءات قضيته؟ أصبح هذا السؤال محور حكم أصدرته محكمة الاستئناف الأميركية للدائرة الأولى في 18 سبتمبر/أيلول، بعدما أيدت في معظمه حكماً اعتبر سياسة وزارة الأمن الداخلي الخاصة بالترحيل السريع إلى “دول ثالثة” مخالفة للقانون.

قضت المحكمة بأنه على السلطات، قبل إرسال شخص ما إلى دولة لم تكن جزءاً من إجراءات ترحيله الأصلية، منح هذا الشخص إخطاراً فعلياً بالوجهة المقصودة وفرصة حقيقية لإثبات أنه قد يواجه فيها الاضطهاد أو التعذيب.

لكن المحكمة لم تقل إن الولايات المتحدة ممنوعة من ترحيل المهاجرين إلى دول ثالثة، ولم تمنح كل شخص حق إعادة إجراءات قضية الهجرة من بدايتها. وهذا الفارق هو جوهر الحكم.

دولة لم تُذكر في القضية

اعتمدت وزارة الأمن الداخلي في مارس 2025، سياسة تسمح بترحيل أشخاص صدرت بحقهم أوامر نهائية إلى دول غير بلدانهم الأصلية. وتكتسب هذه السياسة أهمية خاصة بالنسبة إلى أشخاص رأت محاكم الهجرة أنه لا يجوز إعادتهم إلى أوطانهم، بسبب احتمال تعرض حياتهم أو حريتهم للخطر أو احتمال تعرضهم للتعذيب. المنع المتعلق بدولة معينة لا يلغي أمر الترحيل ذاته. ومن حيث المبدأ، تستطيع الحكومة البحث عن دولة أخرى توافق على استقبال الشخص.

لكن النزاع بدأ من الطريقة التي اختارت بها الإدارة تنفيذ ذلك. فوفق السياسة التي نظرت فيها المحكمة، لم يكن الشخص يحصل على إخطار مسبق بالوجهة إذا كانت وزارة الخارجية قد تلقت ما تعتبره “ضمانات دبلوماسية موثوقة” من الدولة المستقبلة بأنه لن يتعرض للاضطهاد أو التعذيب. أما إذا لم تتوافر مثل هذه الضمانات، فكانت السياسة تسمح بإخطار محدود للغاية يمكن أن يصل إلى ست ساعات فقط قبل تنفيذ الترحيل.

وبذلك، كان من الممكن لشخص أمضى سنوات في إجراءات هجرة تتعلق مثلاً بغواتيمالا أو جنوب السودان أن يعلم في المرحلة الأخيرة أنه سيُنقل إلى المكسيك أو أوغندا أو دولة أخرى لم تُبحث مخاطرها في ملفه القضائي الأصلي.

الحماية مرتبطة بالوجهة

لا تتعلق النقطة التي حسمتها محكمة الاستئناف بحق عام للمهاجر في اختيار الدولة التي يريد الانتقال إليها، بل بطبيعة الحماية القانونية من الاضطهاد والتعذيب. القانون الأميركي يمنع إرسال شخص إلى دولة يرجح أن تتعرض فيها حياته أو حريته للتهديد بسبب العرق أو الدين أو الجنسية أو الرأي السياسي أو الانتماء إلى فئة اجتماعية معينة.

كما تنفذ الولايات المتحدة التزاماتها بعدم إرسال أي شخص إلى مكان يرجح أن يتعرض فيه للتعذيب، بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب والتشريعات المنفذة لها.

وهذه الحماية مرتبطة بالدولة التي تعتزم الحكومة إرساله إليها. لذلك، رأت المحكمة أن ثبوت عدم جواز إعادة الشخص إلى بلده الأصلي لا يجيب تلقائياً عن سؤال مختلف: هل الدولة الثالثة الجديدة آمنة بالنسبة إليه؟

وخلصت إلى أن القوانين واللوائح القائمة لا تسمح لوزارة الأمن الداخلي بإنشاء استثناء خاص بعمليات الترحيل إلى دول ثالثة، يعفيها من الإجراءات المتعلقة بادعاءات الخوف من الاضطهاد أو التعذيب.

واعتبرت أن السياسة غير قانونية بقدر ما تسمح بالترحيل من دون إخطار فعلي بالوجهة وفرصة ذات معنى لعرض مخاطر الإرسال إليها.

قضية جديدة من الصفر!

جادلت الحكومة بأن أمر الترحيل النهائي يظل سارياً، وأن الحماية من الإرسال إلى دولة محددة لا تعني ضرورة إعادة إجراءات الترحيل كاملة كلما تغيرت الوجهة.

ووافقت المحكمة على أن الشخص لا يملك حق بدء قضية هجرة جديدة من الصفر. لكنه يملك، وفق الحكم، حق معرفة الدولة التي تنوي الحكومة إرساله إليها، وطرح مخاوفه المتعلقة بتلك الدولة قبل تنفيذ القرار.

وصاغت المحكمة المسألة بصورة مباشرة، معتبرة أن حق الشخص في تجنب الترحيل إلى مكان قد يتعرض فيه للتعذيب “يعني القليل” إذا لم يحصل مسبقاً على إخطار بالوجهة وفرصة حقيقية لعرض خوفه منها.

وهنا تظهر أهمية مبدأ عدم الإعادة القسرية. فالمعيار لا يقتصر على امتناع الدولة عن إرسال شخص مباشرة إلى مكان الخطر، بل يشمل وجود آلية تسمح باكتشاف هذا الخطر قبل أن يصبح الترحيل أمراً واقعاً.

الضمانات الدبلوماسية

دافعت الإدارة أيضاً عن استخدام الضمانات التي تقدمها الدول المستقبلة بأنها لن تسمح بتعرض المرحلين للاضطهاد أو التعذيب. لكن محكمة الاستئناف لم تعتبر وجود ضمان حكومي عاماً بديلاً تلقائياً عن قدرة الفرد على عرض ظروفه الخاصة.

وأشار الحكم إلى صعوبة افتراض أن ضماناً عاماً يستطيع دائماً استبعاد أخطار قد تأتي من موظفين يتصرفون خارج نطاق السيطرة الحكومية أو من جماعات غير حكومية، وهي جهات يمكن أن تكون مصدراً للاضطهاد في بعض الحالات.

ولذلك بقي المبدأ الذي تبنته المحكمة فردياً: لا يكفي أن تتلقى الحكومة الأميركية ضمانات من الدولة المستقبلة، بل يجب أن يتمكن الشخص من القول إن هذه الدولة تحديداً قد تشكل خطراً عليه، وأن يُنظر في ادعائه قبل ترحيله إليها.

أكثر من 25 ألف عملية

يأتي الحكم في وقت توسعت فيه الولايات المتحدة في استخدام ترتيبات الترحيل إلى دول ثالثة.

وبحسب مشروع “مراقبة الترحيل إلى الدول الثالثة”، الذي تديره منظمتا “ريفيوجيز إنترناشونال” و”هيومن رايتس فيرست”، أرسلت إدارة الرئيس دونالد ترامب أكثر من 25 ألف مهاجر إلى نحو 29 دولة ثالثة، وكان عدد كبير منهم قد نُقل إلى المكسيك.

كما نفذت الإدارة عمليات ترحيل إلى أوغندا وغينيا الاستوائية وليبيريا وجمهورية إفريقيا الوسطى، وهذه الأرقام صادرة عن مشروع رصد مستقل وليست حصيلة حكومية رسمية.

اكتسب الملف اهتماماً أكبر بعدما سمحت المحكمة العليا، في مراحل سابقة من النزاع، للحكومة مؤقتاً بتنفيذ بعض عمليات الترحيل، ما مهد الطريق لإرسال ثمانية رجال إلى جنوب السودان بينما كانت القضية القانونية الأوسع لا تزال مستمرة.

ومن بين الوقائع التي أوردها حكم الاستئناف حالة مواطن غواتيمالي حصل على حماية تمنع إعادته إلى غواتيمالا بسبب خطر الاضطهاد، ثم رحلته الولايات المتحدة إلى المكسيك، ومنها أُعيد لاحقاً إلى غواتيمالا.

ويعرف هذا الاحتمال باسم “الإعادة القسرية المتسلسلة”: أن ترسل الدولة شخصاً إلى بلد ثانٍ، ثم يعيده ذلك البلد إلى المكان الذي كان محمياً من الذهاب إليه أصلاً.

ما الذي لم تمنعه المحكمة؟

مع أهمية القرار، فإنه لا يمثل حظراً على الترحيل إلى الدول الثالثة. فقد ألغت محكمة الاستئناف جزءاً من حكم المحكمة الأدنى كان يقرر أن على وزارة الأمن الداخلي اتباع ترتيب معين، يبدأ بمحاولة إرسال الشخص إلى الدولة التي حددها في إجراءات ترحيله أو إلى بلد يحمل جنسيته، قبل اللجوء إلى دولة ثالثة.

ولم تقل المحكمة إن هذا الترتيب غير قانوني في ذاته، بل رأت أن المدعين الذين يمثلون الفئة في الدعوى لم يثبتوا امتلاكهم الصفة الدستورية اللازمة للطعن في هذه المسألة تحديداً.

أما بقية الحكم، بما في ذلك ضرورة الإخطار الفعلي وفرصة عرض الخوف من الاضطهاد أو التعذيب، فقد أيدتها المحكمة. وتركت أيضاً سؤالاً آخر مفتوحاً: هل تتطلب كل مطالبة بالخوف جلسة استماع كاملة تسمح بتقديم الأدلة قبل الترحيل؟

قالت المحكمة إن هذه المسألة لم تنضج بعد للفصل فيها، وإن أي خلاف بشأن التفاصيل الإجرائية لتنفيذ الحكم يجب أن يعود أولاً إلى المحكمة الجزئية.

وبذلك، أكد الحكم الحق في فرصة حقيقية للاعتراض، من دون أن يحدد مسبقاً شكلاً إجرائياً واحداً يجب تطبيقه في جميع الحالات.

الحكومة: السياسة لا تزال سارية

ترى وزارة الأمن الداخلي أن الأشخاص المعنيين صدرت بحقهم بالفعل أوامر ترحيل نهائية، وأن منع إعادتهم إلى دولة محددة لا يمنحهم حق البقاء في الولايات المتحدة إذا وجدت الحكومة دولة أخرى مستعدة لاستقبالهم.

وقال المستشار العام للوزارة، جيمس بيرسيفال، بعد صدور الحكم، إن السياسة لا تزال سارية لأن قرار محكمة الاستئناف لم يكن قد دخل حيز التنفيذ بعد. وأضاف أن الوزارة تملك حق إرسال الشخص إلى مكان آخر إذا كان يدعي الخوف من العودة إلى وطنه.

ومن المتوقع أن تطعن الإدارة في القرار، في قضية يرجح أن تصل إلى المحكمة العليا. وهذه نقطة مهمة في الوضع الحالي: قرار 18 سبتمبر/أيلول يمثل حكماً مهماً بشأن قانونية السياسة، لكنه لا يعني أن جميع عمليات الترحيل إلى الدول الثالثة توقفت فور صدوره.

معرفة الوجهة أولاً

لا يحسم الحكم السؤال السياسي الأوسع حول حجم عمليات الترحيل التي ينبغي للولايات المتحدة تنفيذها، ولا يمنع الحكومة من إبعاد أشخاص صدرت بحقهم أوامر نهائية، ولا يمنح المهاجر حق اختيار الدولة التي يريد الانتقال إليها.

ما يحسمه هو سؤال أضيق وأكثر اتصالاً بضمانات الإجراءات القانونية: هل تستطيع الحكومة تغيير وجهة الترحيل إلى بلد جديد، ثم تنفيذ القرار قبل أن تتاح للشخص فرصة القول إن تلك الوجهة نفسها تعرضه للاضطهاد أو التعذيب؟ وبالنسبة إلى محكمة الاستئناف للدائرة الأولى، الجواب الذي تفرضه القوانين القائمة هو: لا.

تستطيع الدولة البحث عن بلد ثالث، لكنها مطالبة، قبل وضع الشخص على الطائرة، بأن تخبره إلى أين سيذهب، وأن تمنحه فرصة حقيقية للاعتراض إذا كانت الوجهة الجديدة تحمل خطراً تحظره القوانين الأميركية والتزامات الولايات المتحدة الدولية.

وبذلك، لم يغلق الحكم باب الترحيل إلى الدول الثالثة، بل وضع أمامه ضمانة إجرائية أساسية: معرفة الوجهة قبل تنفيذ القرار، وإتاحة الاعتراض قبل أن يصبح الوصول إليها أمراً يصعب التراجع عنه.