بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

حقوق الإنسان

من ملاحقة التعدين غير القانوني إلى وفاة 37 محتجزاً بينهم قاصرون.. ماذا حدث داخل زنازين الأمن النيجيري؟

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

في غضون يومين فقط، انتقل عشرات المشتبه في عملهم بمواقع تعدين غير مرخصة وسط نيجيريا إلى زنازين جهاز أمني، ثم نُقلت جثامين 37 منهم إلى مستشفى في مدينة مينا. وكان كثير من الضحايا، بحسب حاكم ولاية النيجر عمر باغو، أطفالاً ومراهقين تتراوح أعمارهم بين 14 و18 عاماً، يعملون في مواقع التعدين بدلاً من الذهاب إلى المدرسة.

كان جهاز الأمن والدفاع المدني النيجيري قد أوقفهم خلال مداهمات استهدفت مواقع يشتبه في استخدامها للتعدين غير القانوني يومي 15 و16 سبتمبر/أيلول، قبل العثور عليهم موتى في زنازين الجهاز صباح الخميس 17 سبتمبر/أيلول.

لكن ما حدث بين الاعتقال والوفاة لا يزال موضع تحقيق. فقد تحدث الجهاز في البداية عن احتمال وقوع “تفشٍّ لمرض” بين المحتجزين، قبل أن يؤكد أن سبب الوفاة لم يُحسم، وأن تحديده يحتاج إلى فحوص طبية. في المقابل، قال أحد الناجين إن عشرات الأشخاص حُشروا في زنزانة سيئة التهوية، وإن المحتجزين بدأوا يتدافعون بحثاً عن الهواء بعدما أصبح التنفس صعباً.

وبين الروايتين، تحولت وفاة المحتجزين إلى واحدة من أخطر قضايا الوفيات في عهدة الدولة التي واجهتها نيجيريا خلال السنوات الأخيرة.

زنزانة مكتظة وأطفال بين الضحايا

يقدم الناجي داودا شيهو الرواية الأكثر تفصيلاً عما جرى داخل مكان الاحتجاز. وقال لوكالة “أسوشيتد برس” إن نحو 65 شخصاً كانوا محتجزين في زنزانة مكتظة لا تتوافر فيها تهوية كافية. وبحسب شهادته، بدأ المحتجزون يشعرون بصعوبة في التنفس، ثم تدافعوا بحثاً عن الهواء وحاولوا تنبيه الحراس بالطرق على باب الزنزانة.

ولم تثبت التحقيقات الرسمية بعد أن الاختناق أو نقص الأكسجين كان سبب الوفيات، لكن الشهادة جعلت ظروف الاحتجاز نفسها جزءاً مركزياً من التحقيق.

وقدمت والدة أحد الضحايا شهادة أخرى أكثر حساسية، إذ قالت لوكالة “رويترز” إنها زارت ابنها قبل وفاته ورأته داخل زنزانة مكتظة. واتهمت مسؤولين بمنع الأسرة من إدخال الطعام للمحتجزين والمطالبة بمبلغ مئة ألف نايرا مقابل الإفراج عنه.

تكتسب القضية بُعداً إضافياً بسبب أعمار عدد من الضحايا، فحاكم ولاية النيجر قال إن كثيراً ممن ماتوا كانوا بين 14 و18 عاماً، وإن عمل الأطفال في أنشطة التعدين غير القانوني يمثل مشكلة تواجهها الولاية. لكن هذه الحقيقة تفتح سؤالاً آخر لا يقل أهمية: كيف انتهى أطفال مشتبه بمشاركتهم في نشاط تعدين غير قانوني داخل منشأة احتجاز جماعية شهدت وفاة هذا العدد الكبير؟

حتى الآن، لم تعلن السلطات قائمة نهائية توضح أسماء الضحايا وأعمارهم، وهو أحد الملفات التي يتعين على لجنة التحقيق الجديدة حسمها.

تحقيق لتحديد ملابسات الوفيات

أشار جهاز الأمن والدفاع المدني إلى احتمال تفشي مرض بين المحتجزين. لكن الجهاز لم يسمِّ مرضاً محدداً، ثم أصبحت الصياغة الرسمية أكثر تحفظاً، مع التأكيد أن سبب الوفاة لم يُعرف بعد، وأن الفحوص الطبية هي التي ستحدده.

وهذا التحول مهم؛ لأن وفاة 37 شخصاً خلال فترة احتجاز قصيرة تفرض التمييز بين تفشٍّ مرضي محتمل وبين احتمال ارتباط الوفيات بظروف المكان، مثل الاكتظاظ وسوء التهوية ونقص الرعاية الطبية.

وسّع الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو نطاق التحقيق عندما أمر بإجراء تحقيق “كامل وشفاف”، وقال إن على الجهات المختصة تحديد ظروف الاعتقال والاحتجاز وما أدى إلى وفاة المشتبه بهم.

وأكد تينوبو أن الدولة ستواصل حملتها على التعدين غير القانوني، لكنه شدد على ضرورة تنفيذ القانون بطريقة مشروعة، وعلى أن تعليق المسؤولين لا يمكن أن يكون بديلاً عن العدالة، كما طالب بملاحقة أي مسؤول يثبت التحقيق تورطه في الوفيات.

تعليق 21 مسؤولاً

خلال الساعات التالية تسارعت الإجراءات الإدارية بإيقاف قائد جهاز الأمن والدفاع المدني في ولاية النيجر، سوبيرو سياكا أنيفيي، و20 ضابطاً آخرين كانوا يعملون في موقع الاحتجاز أو شاركوا في الاعتقال والتحقيق والحراسة.

وشكّل وزير الداخلية أولوبونمي تونجي أوجو لجنة مستقلة من عشرة أعضاء، برئاسة مسؤول سابق في جهاز أمن الدولة، وعضوية مسؤول أمني سابق، وأستاذ في علم أمراض الأنسجة، ومحامٍ وناشط حقوقي، وممثلين عن حكومة الولاية ومجلس إمارة مينا وجمعية عمال المناجم ووسائل الإعلام.

أُمهلت اللجنة أسبوعين لتقديم تقريرها، وتشمل مهمتها تحديد هويات القتلى، والتحقيق في كيفية القبض عليهم وظروف احتجازهم وأسباب الوفاة، وتحديد أي مسؤولية أو تواطؤ أو إهمال أو سوء سلوك. كما كُلفت باقتراح الإجراءات المناسبة، والتعويضات والتدابير الكفيلة بمنع تكرار الحادثة.

وأمر الوزير بالحفاظ على جميع الوثائق والأدلة المرتبطة بالقضية، محذراً من أن إتلاف الأدلة أو إخفاءها أو ترهيب الشهود أو عرقلة التحقيق سيعامل بوصفه مخالفة خطرة.

فجوة الدليل الطبي

يواجه التحقيق عقبة مبكرة تتعلق بالأدلة الطبية، فقد دُفنت جثامين الضحايا مساء الخميس وفق التقاليد الإسلامية، بحسب “رويترز”، وهو ما يثير تساؤلات بشأن الفحوص الجنائية التي أُجريت قبل الدفن، ومدى إمكان إجراء فحوص إضافية إذا احتاج إليها التحقيق.

في الوقت نفسه، كانت السلطات قد أعلنت نقل الجثامين إلى المستشفى العام في مينا لإجراء فحوص طبية تحدد سبب الوفاة.

ولا يزال السؤال من دون جواب واضح: هل أُجريت عمليات تشريح أو فحوص طب شرعي مكتملة قبل الدفن؟ وهل أُخذت عينات تكفي لإثبات أو استبعاد المرض أو الاختناق أو أسباب أخرى؟ ستكون هذه التفاصيل مركزية؛ لأن تحديد المسؤولية الجنائية أو الإدارية سيتوقف إلى حد كبير على إثبات السبب الطبي للوفاة، ومدى ارتباطه بظروف الاحتجاز أو تصرفات المسؤولين.

غضب في الشارع

لم تبق القضية داخل غرف التحقيق، فقد خرج مئات المحتجين إلى شوارع مينا مطالبين بالعدالة، وتحولت الاحتجاجات إلى مواجهات مع قوات الأمن. وأفادت “رويترز” بأن قوات الأمن أطلقت ذخيرة حيّة، بينما شاهد مراسل للوكالة جثة شخص ملقاة في الشارع.

لكن المصادر المتاحة لم تحسم سبب وفاة ذلك الشخص أو تثبت أن الرصاص الذي أطلقته قوات الأمن هو الذي أدى إلى مقتله.

واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين، فيما حاول بعض المحتجين، الذين كان بعضهم يحمل عصياً ومناجل وبنادق صيد تقليدية، إحراق مبانٍ حكومية.

وفرضت حكومة الولاية حظر تجول في مينا مع تصاعد التوتر، لتنتج وفاة المحتجزين أزمة ثانية تتمثل في اهتزاز الثقة بين سكان المدينة وأجهزة الدولة المكلفة بالتحقيق في ما حدث.

الاشتباه لا يلغي الحقوق

ينتشر التعدين غير المرخص في مناطق واسعة من نيجيريا، وتقول السلطات إنه يتسبب في أضرار بيئية وخسائر في الإيرادات الحكومية. كما تربط تقارير أمنية بعض شبكات التعدين غير المشروع بجماعات مسلحة وشبكات إجرامية.

لكن هذا السياق لا يحسم القضية الحالية، فالضحايا الـ37 كانوا، لحظة وفاتهم، مشتبهاً بهم في ممارسة نشاط غير قانوني، ولم تصدر بحقهم إدانات قضائية. وحتى إذا ثبتت مشاركتهم في التعدين غير المرخص، تظل الدولة مسؤولة عن سلامتهم بمجرد وضعهم تحت سيطرتها المباشرة.

وهذه هي النقطة التي أقر بها الرئيس نفسه: مكافحة التعدين غير القانوني لا تمنح أجهزة إنفاذ القانون استثناءً من واجب حماية حياة المحتجزين وكرامتهم.

اختبار التحقيق

حتى 19 سبتمبر/أيلول، لم تصدر نتيجة طبية نهائية تثبت سبب وفاة المحتجزين، ولم تُحدَّد مسؤولية أي من الضباط بحكم قضائي. كما أن رواية الناجي عن الاكتظاظ وسوء التهوية تحتاج إلى اختبارها في ضوء الأدلة الطبية والمادية وشهادات العاملين في المنشأة.

لكن هناك حقيقة مركزية لا خلاف عليها: دخل عشرات الأشخاص منشأة حكومية أحياء، وعُثر على 37 منهم موتى بعد فترة قصيرة من احتجازهم.

لذلك، لا يقتصر اختبار نيجيريا على معرفة ما إذا كان سبب الوفاة مرضاً أو اختناقاً أو إهمالاً. الاختبار الأكبر هو ما إذا كان التحقيق سيحدد المسؤولية الفردية والمؤسسية، وما إذا كانت نتائجه ستُنشر، وما إذا كانت ستتحول إلى محاسبة عندما تستدعي الأدلة ذلك، أم سينتهي إلى تفسير إداري لحادثة أصبحت بالفعل أزمة حقوقية وسياسية.