لم يحتج الأمر سوى ساعات حتى انتقلت قضية المحاميين الباكستانيين إيمان زينب مزاري-حاضر وهادي علي تشاتا من انتصار قضائي أمام أعلى محكمة في البلاد إلى قضية أخرى أعادتهما إلى السجن. في 17 سبتمبر/أيلول، علّقت المحكمة العليا في إسلام أباد أحكاماً بلغ مجموعها الحسابي 17 عاماً بحق مزاري وزوجها تشاتا في قضية تتعلق بمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، وأمرت بالإفراج عنهما بكفالة إلى حين الفصل في طعنيهما. لكن الشرطة أوقفتهما في الليلة نفسها في قضية منفصلة مسجلة منذ مارس/آذار 2025، ثم مثلا أمام محكمة لمكافحة الإرهاب وأُعيد إيداعهما سجن أديالا على ذمة التحقيق.
تضاربت الروايات بشأن اللحظة التي جرى فيها التوقيف الجديد. فبينما أفادت تقارير صحفية بأن الشرطة أوقفتهما خارج السجن عقب الإفراج عنهما، قالت منظمة العفو الدولية وفريق الدفاع إن الاعتقال وقع بينما كانت إجراءات تنفيذ قرار الإفراج لا تزال قيد الاستكمال.
لكن الثابت، بصرف النظر عن موضع التوقيف، أن قرار المحكمة العليا في القضية الأولى لم يؤد إلى خروجهما فعلياً من الاحتجاز.
حكم معلّق واحتجاز مستمر
بدأ الفصل الأخير من القضية عندما نظرت هيئة من قاضيين في المحكمة العليا في طعني المحاميين على استمرار احتجازهما، بعد تأخر محكمة إسلام آباد العليا في البت في طلبي تعليق العقوبة.
وقررت المحكمة تعليق تنفيذ الأحكام والإفراج عنهما بكفالة قدرها 200 ألف روبية لكل منهما، إلى حين صدور قرار نهائي من محكمة إسلام آباد العليا في طعنيهما. وكانت المحكمة العليا قد طلبت في مايو من المحكمة الأدنى البت سريعاً في طلبي تعليق العقوبة، لكن الجلسات استمرت في التأجيل خلال الأشهر التالية.
تعود الأحكام المعلقة إلى 24 يناير/كانون الثاني، عندما أدانت محكمة في إسلام آباد مزاري وتشاتا بعدة تهم بموجب قانون منع الجرائم الإلكترونية، على خلفية منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.
وحُكم على كل منهما بالسجن عشر سنوات بتهمة “الإرهاب الإلكتروني”، وخمس سنوات بتهمة “تمجيد الجريمة”، وسنتين بتهمة نشر معلومات كاذبة أو مزيفة. وبلغ مجموع العقوبات 17 عاماً، لكن المحكمة قررت تنفيذها بالتزامن، ما يعني أن الحد الأقصى الفعلي للعقوبة هي عشر سنوات إذا أُيدت الأحكام.
وقالت النيابة إن المنشورات تضمنت ترويجاً لروايات تتوافق مع جماعات مصنفة إرهابية، وانتقادات للعمليات العسكرية في مناطق تشهد تمرداً مسلحاً. كما اتهمت مزاري بتحميل قوات الأمن مسؤولية حالات اختفاء في خيبر بختونخوا وبلوشستان، بينما اتُّهم زوجها بإعادة نشر بعض ما كتبته.
نفى المحاميان الاتهامات، وقالا إن القضايا مرتبطة بعملهما الحقوقي وانتقاداتهما للسلطات، لا سيما نشاطهما في الدفاع عن ضحايا الاختفاء القسري ونشطاء من القوميات والأقليات وصحفيين. وهذه رواية يتبناها فريق الدفاع ومنظمات حقوقية، بينما تتمسك جهة الادعاء بأن القضية تتعلق بجرائم يعاقب عليها قانون منع الجرائم الإلكترونية.
قضية تعود إلى 2025
القضية التي أعادت المحاميين إلى السجن ليست جديدة. فقد سُجلت في مركز شرطة كوهسار في إسلام آباد في 22 مارس/آذار 2025، بناء على شكوى قدمها قاضي مدينة، واتُّهم فيها مزاري وتشاتا بالمشاركة في احتجاج وترديد شعارات مناهضة للحكومة وإغلاق طرق.
وتضمنت صحيفة البلاغ الأصلية مواد من قانون العقوبات الباكستاني تتعلق بالعصيان لأمر صادر عن موظف عام، وعرقلة الطريق، والتهديد الجنائي، واستخدام القوة لمنع موظف عام من أداء عمله، وعرقلة موظف حكومي أثناء أداء واجبه.
لكن القضية أصبحت منظورة أمام محكمة لمكافحة الإرهاب، رغم أن البلاغ عند تسجيله لم يكن يتضمن مادة من قانون مكافحة الإرهاب. وهذا التحول من أبرز الأسئلة التي أثارتها إعادة الاعتقال، ولا سيما أن التقارير المتاحة لم توضح متى أُضيفت المادة السابعة من قانون مكافحة الإرهاب إلى القضية، ولا الأساس الذي استندت إليه السلطات في ذلك.
وعندما مثل الاثنان أمام محكمة مكافحة الإرهاب عقب توقيفهما، طلبت الشرطة إبقاءهما في الحجز لديها لمدة 30 يوماً لاستكمال التحقيق. لكن المحكمة رفضت الطلب وأمرت بإيداعهما السجن على ذمة القضاء، بدلاً من وضعهما في الحبس الاحتياطي لدى الشرطة.
وهذا التفصيل مهم قانونياً؛ إذ لا يمثل التوقيف الجديد، من الناحية الإجرائية، رفضاً مباشراً لتنفيذ حكم المحكمة العليا في القضية الأولى، لأن استمرار الاحتجاز يستند رسمياً إلى قضية أخرى. لكن تتابع القضيتين خلال ساعات أثار التساؤلات بشأن الأثر العملي لقرار الإفراج وتوقيت تفعيل القضية الثانية.
اعتراض المحامين
لم يبق الجدل محصوراً في المنظمات الحقوقية. فقد أعلنت رابطة محامي إسلام آباد مقاطعة إجراءات جلسات المحاكم في العاصمة في 19 سبتمبر/أيلول، احتجاجاً على إعادة اعتقال مزاري وتشاتا. وقالت إن الواقعة تمس حرمة الإجراءات القضائية، وتثير أسئلة تتعلق بالحقوق الأساسية وسيادة القانون واستقلال القضاء.
كما أعربت الرابطة عن رفضها ممارسة توقيف أشخاص استناداً إلى قضايا غير معلنة، معتبرة أن أي محاولة للالتفاف على أحكام المحاكم أو تعطيل أثرها غير مقبولة. وطالبت بالإفراج عن المحاميين والكشف عن التفاصيل الكاملة للقضايا والظروف المحيطة باعتقالهما.
يمثل هذا التحرك تطوراً مهماً؛ لأن السؤال لم يعد متعلقاً فقط بصحة الاتهامات الموجهة إلى محاميين حقوقيين، وإنما بمدى قدرة أوامر الإفراج القضائية على إحداث أثر فعلي عندما تكون هناك قضايا أخرى معلقة يمكن الاستناد إليها لإعادة التوقيف.
وأدانت منظمة العفو الدولية الاعتقال الجديد، معتبرة أنه يكشف استعداد السلطات لاستخدام النظام القانوني ضد الأصوات الناقدة، وطالبت بالإفراج الفوري وغير المشروط عن المحاميين.
كما طالبت لجنة حقوق الإنسان الباكستانية بالإفراج عنهما وسحب القضايا المقامة ضدهما. وتبقى هذه مواقف صادرة عن منظمات حقوقية، وليست أحكاماً قضائية بشأن دوافع السلطات أو قانونية الإجراءات.
قلق أممي سابق
لم تبدأ القضية الحالية من فراغ، ففي ديسمبر 2025، وجه خبراء مستقلون تابعون للأمم المتحدة مراسلة إلى الحكومة الباكستانية بشأن مزاعم عن تكرار الملاحقات والاعتقالات والتهديدات والانتهاكات المتعلقة بالمحاكمة العادلة التي تعرض لها مزاري وتشاتا بسبب عملهما محاميين ومدافعين عن حقوق الإنسان.
وأعرب الخبراء عن القلق من استخدام اتهامات بينها “الإرهاب الإلكتروني”، وقالوا إن بعض الوقائع المعروضة عليهم قد ترتبط بممارسة حقوق يحميها القانون الدولي، مع تأكيدهم أنهم لا يصدرون حكماً مسبقاً على صحة الاتهامات.
وسبق أن أثار خبراء أمميون مخاوف بشأن استخدام قوانين مكافحة الإرهاب والقانون الجنائي ضد مزاري على خلفية نشاطها الحقوقي، محذرين من الخلط بين العمل السلمي للمدافعين عن حقوق الإنسان والأعمال الإرهابية.
لكل قضية مسار مستقل
من الناحية القانونية، لا يمنع الإفراج بكفالة في قضية السلطات من توقيف الشخص نفسه في قضية أخرى إذا كان هناك أساس قانوني مستقل لذلك. ولذلك، لا يكفي التسلسل الزمني وحده لإثبات أن إعادة اعتقال مزاري وتشاتا كانت التفافاً غير مشروع على قرار المحكمة العليا.
لكن هذا هو تحديداً ما يجعل القضية تطرح اختباراً لسيادة القانون، وليس مجرد خلاف حول إجراء اعتقال. فالاختبار يتعلق بما إذا كانت القضية الثانية ستخضع للمعايير المعتادة المتعلقة بالضرورة والتناسب وكفاية الأدلة، ولماذا فُعّلت في اللحظة التي صدر فيها قرار الإفراج، وكيف أصبحت خاضعة لقانون مكافحة الإرهاب رغم أن هذا القانون لم يكن جزءاً من البلاغ عند تسجيله.
كما سيظل على القضاء الفصل في أصل أحكام الجرائم الإلكترونية التي علقتها المحكمة العليا ولم تلغها. فقرار 17 سبتمبر أوقف تنفيذ العقوبات ومنح المحاميين إفراجاً مؤقتاً إلى حين استكمال مسار الطعن، لكنه لم يبرئهما من التهم أو يُسقط الإدانة.
وبذلك، لم تعد قضية إيمان مزاري وهادي علي تشاتا مجرد نزاع حول منشورات إلكترونية أو احتجاج قديم. فقد أصبحت تطرح سؤالاً أكثر مباشرة: ما القيمة العملية لأمر صادر عن أعلى محكمة بالإفراج عندما يستطيع مسار جنائي آخر إبقاء الشخص نفسه خلف القضبان؟
لن تأتي الإجابة من توصيف السلطات أو المعارضين للواقعة، بل من الطريقة التي ستفحص بها المحاكم الباكستانية القضية الثانية: أساسها القانوني، وتوقيت تفعيلها، والأدلة التي تبرر استمرار الاحتجاز.















