إضاءات

لماذا يتحوَّل الإيمان إلى قلق وإعلان حرب؟

أحمد عصيد
أحمد عصيد

يبذل فقهاء ودعاة المسلمين وجزء مهم من الجمهور البسيط جهوداً عظيمة لإثبات أن الإسلام “دين صحيح” ومن عند الله، وكأن القضية تحتاج إلى تعبئة مستمرة وإلى إنتاج الأدلة والبراهين والردود على الخصوم. والحال أن الإيمان الصادق، من حيث هو تجربة شخصية، يفترض أن يمنح صاحبه قدراً من الطمأنينة الداخلية، فالمؤمن لا يحتاج في حياته اليومية إلى أن يثبت لنفسه كل صباح أن ما يؤمن به صحيح. لكن ماذا يحدث عندما يتحول الإيمان من قناعة شخصية هادئة إلى قلق مزمن، يصل أحياناً إلى درجة الهوس وإعلان النفير والدخول في معارك لا تنتهي لإثبات صحة الدين، أو لإثبات أنه في خطر؟

ربما لا تكمن المشكلة في الإيمان ذاته، وإنما في الشروط المؤسسية والاجتماعية والسياسية والتاريخية التي تحيط به. فهناك فرق كبير بين أن يؤمن الإنسان بدين يراه حقاً بالنسبة إليه، وبين أن يشعر بأنه مطالب بإثبات تفوق هذا الدين على سائر الأديان والفلسفات والعلوم والمجتمعات.

وأول عنصر لتفسير هذه الظاهرة هو أن الإيمان تحول من اقتناع فردي إلى إيمان طقوسي جماعي اتخذ في بعض السياقات ـ كما في بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط ـ طابع النظام العام القسري والمراقب. فحين لا يبقى الدين مجرد علاقة بين الإنسان وربه، بل يتحول إلى منظومة تحدد طريقة اللباس والسلوك والعلاقات، وتسعى إلى توجيه الأفكار والفنون والسياسات والعلوم، 

تصبح ممارسته اليومية معتمدةً على منطق المراقبة والضبط، وعندها لا يعود السؤال الأساسي هو: “بماذا تؤمن؟”، بل يصبح: “هل تؤمن بالطريقة الصحيحة؟ وهل تتصرف وفق النموذج الصحيح أم أنك خارج الجماعة المنضبطة؟”. وكلما اتسعت دائرة المراقبة، اتسعت معها الحاجة إلى إنتاج قواعد جديدة لضبط السلوك وتوجيه الأفكار، وإلى الدفاع المستمر عن شرعية هذه القواعد الثابتة.

ومن هنا يظهر العامل الثاني، الذي يفسر لنا ما يحدث لهؤلاء الذين يتحول إيمانهم إلى قلق وحالة استنفار، ألا وهو ارتباط الدين بالمصالح السياسية. فالدولة قد تستخدم الدين لتثبيت الشرعية والمحافظة على النظام الاجتماعي، بينما تستخدمه التنظيمات السياسية والأيديولوجية للتعبئة والحشد والصراع. وفي الحالتين يصبح الدفاع عن الدين أحياناً دفاعاً عن بنية سلطة أو مشروع سياسي. ولذلك ليس غريباً أن يكون الخطاب الأكثر صخباً حول “نصرة الدين” صادراً أحياناً عن فاعلين سياسيين أكثر مما يصدر عن أشخاص يعيشون تدينهم في هدوء. وقد تجلى هذا بوضوح خلال الحملة الانتخابية الأخيرة في المغرب، عندما صرح عبد الإله بنكيران رئيس حزب “العدالة والتنمية” الإسلامي، غير مرة، بأن غلاء الأسعار والمشاكل الاجتماعية لا تتصدر الأولويات، وأن الأمر الملحّ هو “حفظ الدين”، وقد جاء هو وحزبه لذلك الغرض، أي لكي يحافظ للمغاربة على دينهم المهدّد من كل الجهات.

وقد أدت هذه الوضعية إلى خلط خطير بين الدفاع عن العقيدة والدفاع عن الجماعة أو التنظيم أو الدولة. فالاعتراض على رأي فقهي يمكن أن يُفهم باعتباره اعتداء على الإسلام نفسه، وانتقاد مؤسسة دينية قد يُقدَّم باعتباره طعناً في جوهر الدين، ومراجعة تاريخية قد تتحول إلى “مؤامرة على الأمة”. وبذلك يصبح الدين، الذي يفترض أن يكون مجالاً للإيمان، طرفاً في صراعات الهوية والسلطة.

العامل الثالث هو المواجهة التاريخية مع الغرب. فقد دخل العالم الإسلامي، منذ العصر الحديث، في علاقة غير متكافئة مع الغرب عسكرياً واقتصادياً وعلمياً وتقنياً وسياسياً. كما عاش صراعاً ضد الاستعمار، وشعر بالإهانة أمام التفوق العلمي والتكنولوجي الغربي، مما بلور السؤال النهضوي الشهير: لماذا تقدم الآخر وتأخرنا نحن؟

في بعض الخطابات الدينية جرى تحويل هذا السؤال الحضاري إلى سؤال عقدي، فإذا كان الإسلام صحيحاً فلماذا يتفوق الغرب؟ ومن هنا نشأت الحاجة إلى إثبات أن الإسلام لا يفسر فقط حقيقة الكون والإنسان، بل يحتوي أيضاً، بطريقة أو بأخرى، على أسباب التفوق العلمي والحضاري. وهكذا ظهر ما يمكن تسميته بـ”القلق الحضاري”، من خلال محاولة تعويض الشعور بالتأخر المادي بإثبات التفوق الروحي والأخلاقي والعلمي للدين.

ثم جاء عامل رابع وهو التطور العلمي المتسارع والاكتشافات المتلاحقة ليضيف طبقة أخرى من القلق، ويفاقم الشعور بالتهديد. فقد غيرت علوم الفلك والجيولوجيا والبيولوجيا والطب والفيزياء تصورات الإنسان عن الكون والحياة والإنسان نفسه. وكلما ظهر اكتشاف جديد، سارع بعض الخطباء الدينيين إلى البحث عن آية أو حديث يمكن ربطه به لإثبات “إعجاز علمي” وهمي يثبت سبق الإسلام. وقد يمنح ذلك شعوراً مؤقتاً وسطحياً بالنشوة، لكنه يجعل العقيدة رهينة للعلم المتغير باستمرار، فإذا تغير التفسير العلمي، أصبحت إعادة بناء ترسانة الدفاع الديني مطلوبةً من جديد.

والعامل الأكثر أهمية أن “الإسلام السياسي” بمختلف تياراته وملله ونحله نقل الدين من مجال الإيمان الشخصي إلى مجال الدعوة والمنافسة والتعبئة. فالمؤمن التقليدي قد يعيش دينه باعتباره علاقة شخصية وموروثاً ثقافياً وطقوساً وقيماً. أما المشروع السياسي الديني فيحتاج إلى جمهور دائم الهياج والتعبئة، وإلى خصوم دائمين، وإلى معركة مستمرة من أجل “استعادة الإسلام” أو “حماية الهوية”. ولذلك تصبح الدعوة نشاطاً دائماً لإقناع الآخرين، ويصبح الاختلاف تهديداً ينبغي الردّ عليه.

ويضاف إلى ذلك عنصر بالغ الأهمية يتمثل في المفهوم الفقهي لـ”الضرورات الخمس”، فقد احتل “حفظ الدين” بين تلك الضرورات مكانة الصدارة ضمن الضروريات التي صاغها علماء المقاصد، إلى جانب “حفظ النفس والعقل والعِرض والمال”. لكن المشكلة تظهر عندما يُفهم حفظ الدين عملياً باعتباره أولوية تسمح بتقييد الإنسان باسم العقيدة، بدلاً من أن يكون الدين نفسه في خدمة الإنسان وكرامته وحريته. عندها يمكن أن تنقلب الوسيلة إلى غاية، ويصبح الإنسان مطالباً بالتضحية بحريته وكرامته من أجل “حفظ الدين”، وهو ما ولّد النزعة الانتحارية، بينما يفترض أن تكون الأديان، في بعدها الأخلاقي، وسيلة لحماية الإنسان من الظلم والإهانة والخوف.

وهنا نصل إلى عنصر آخر هو الخوف من فقدان الهوية، فكلما شعر مجتمع ما بأن مكانته مهددة، يتحول الدين إلى حصن هوياتي، ولا يعود السؤال متعلقاً بالحقيقة الدينية وحدها، بل يصبح الإسلام رمزاً للانتماء الجماعي. لذلك يمكن أن يكون نقد الدين، في وعي بعض الناس، مساوياً لنقد الذات والجماعة والتاريخ، وهو ما يفسر شدة ردود الفعل حتى عندما يكون النقاش فكرياً خالصاً.

كما ينبغي الانتباه إلى اقتصاد ديني كامل يقوم على إنتاج القلق ثم تقديم الأجوبة عنه، فهناك خطيب يحدّد الخطر، وداعية يقدم الحلّ، ومؤسسة تضع القواعد، وجمهور يبحث عن الطمأنينة. وكلما كثرت الأسئلة والمخاوف، اتسعت الحاجة إلى الوسطاء الذين يدّعون امتلاك الأجوبة النهائية. وهكذا يصبح القلق نفسه مورداً لاستمرار السلطة الدينية.

لذلك يمكن القول إن ظاهرة “البحث القلِق عن إثبات صحة الإسلام” باستمرار ليست بالضرورة دليلاً على قوة الإيمان، بل قد تكون، في بعض السياقات، علامة على انتقال الدين من الطمأنينة الداخلية إلى حالة دفاعية دائمة. فالإيمان حين يكون تجربة شخصية يستطيع أن يتعايش مع السؤال والشك والاختلاف، أما حين يتحول إلى هوية سياسية ونظام اجتماعي ومشروع أيديولوجي، فإنه يحتاج باستمرار إلى أعداء وإلى براهين وإلى حملات دفاع.

وربما يكون التحدي الحقيقي أمام الفكر الديني المعاصر هو الانتقال من سؤال: “كيف نثبت أن الإسلام صحيح وأنه الدين الأفضل والأصحّ؟” إلى سؤال أكثر إنسانية وواقعية: “ماذا يستطيع هذا الإيمان أن يقدم للإنسان الفرد من طمأنينة وحرية وكرامة وعدالة ومعنى؟”. فالدين الذي يحتاج إلى صراخ دائم لإثبات قوته قد يكون أقل اطمئناناً من إيمان هادئ لا يخشى السؤال، ولا يعتبر الاختلاف تهديداً، ولا يحتاج إلى مراقبة الآخرين كي يشعر بالأمان.