لفت انتباهي، منذ سنوات، إفراط التيارات الدينية المتشددة في استعمال الإشاعة الكاذبة ضد الأشخاص والمؤسسات، ما جعلني أقوم ببعض الحفريات في جذور هذه الظاهرة الغريبة، التي تتعارض مع ما هو متعارف عليه من أن الأخلاق والقيم الدينية تنهى عن الكذب.
ويتعمد صُناع الإشاعة من التيار الديني المتشدد تحريف كلام من يستهدفونه، كما يصنعون أحياناً أقاويل يُسندونها إلى أشخاص لم يقولوها أبداً، فضلًا عن اختلاق حكايات لا أساس لها، تهدف إلى النيل من سمعة مخالفيهم.
فعلى مدى السنوات المنصرمة، تابعنا تحريف وقائع كثيرة من هذا النوع، من ذلك تحريف كلمة السيدة نزهة الصقلي، وزيرة الأسرة في إحدى الحكومات المغربية السابقة، إذ حُوِّلت مطالبتها داخل البرلمان بتخفيض مكبرات الصوت التي تستعملها المساجد إلى اتهام لها بالسعي إلى إلغاء الأذان. ومن ذلك أيضاً، في سياق معارضة “خطة إدماج المرأة في التنمية” (المشروع الذي تقدمت به الحكومة المغربية في بداية الألفية لتحسين وضعية المرأة) ترويج إشاعتين كاذبتين: الأولى اعتبارها “خطة صهيونية”، حيث قامت الصحافة الإخوانية بنشر صورة مفبركة تجمع الراحل عبد الرحمان اليوسفي، الزعيم اليساري والوزير الأول وقتها، مع الرئيس الإسرائيلي، مع العلم أنهما لم يلتقيا أبداً من قبل. أما الإشاعة الثانية، عندما أشاعوا، وهم يدقون أبواب المنازل لتحذير الأسر من خطورة الخطة، ومن أي تعديل لمدونة الأسرة، بأنها “ستجعل بنات المغاربة يدخلن من الشارع في الرابعة صباحاً”، حيث سيصبحن مومسات وبائعات هوى!
ومن الأمثلة الأخرى تحريف سؤال طرحه الإعلامي أحمد رضا بنشمسي، المدير السابق لمجلة “تيل كال”، قال فيه: “لماذا يكثر العنف في رمضان؟”، إذ نسبوا إليه المطالبة بإبطال شعيرة الصيام. ومن ذلك أيضاً تصوير دعوة كاتب هذه السطور إلى مراجعة مضامين مقررات التربية الدينية الموجهة للأطفال وتنقيحها من العنف وكراهية الآخر على أنها “جرأةٌ على الله وطعنٌ في دينه”!
دفعني هذا إلى البحث في التراث الفكري الإسلامي عمَّا قد يسوّغ الكذب باسم الدين، فعثرت في التراث الفقهي على جذور هذا السلوك، فيما سُمي “إباحة التحذير من المخالف”، الذي تطور بالتدريج إلى “إباحة التشنيع عليه”.
ورغم أن هذه الدعوة لم تصبح قاعدة عامة في التراث الفقهي الإسلامي، فقد وُجدت اجتهادات وممارسات فتحت لها أبواباً خطيرة، ومنها أيديولوجيا “الولاء والبراء”، وتقسيم الناس إلى “أهل السنة” و”أهل البدعة”، وتطور ذلك إلى اعتبار بعض المخالفين “خطراً” على الدين نفسه، ما يبرّر التشهير بهم بوصفهم “أعداء” لا مخالفين في الرأي فقط.
ومع نشوء منهج “الجرح والتعديل”، الذي اختص بدراسة سير الرجال من رواة الأخبار المسندة للأحاديث، أصبح الكلام في الأشخاص وبيان عيوبهم مستثنى من “الغيبة”، لأنه اعتبر أداة لحماية الدين وحماية “العقيدة الصحيحة” التي يعتنقها الناس في المجتمع. وقد خصص النووي، مثلاً، باباً لجواز التجريح في الرواة، وبيان عيوبهم وأحوالهم، واعتبار ذلك مبرأ من تهمة “الغيبة” المحرمة، بالنظر إلى المقصد الذي اعتبره الفقهاء نبيلاً وهو “حماية الدين” والحفاظ عليه.
واتسع المفهوم بعد ذلك في أدبيات ما سمي “محاربة البدع”، فأصبح التحذير من شخص أو جماعة يُقدّم أحياناً بوصفه واجباً دينياً مطلوباً. ويرى ابن تيمية، مثلاً، أن بيان حال أهل البدع وتحذير الناس منهم من الواجبات الكفائية، ويشبّه ذلك بالجهاد من حيث حماية الدين والمجتمع. كما نُقل عن الحسن البصري قوله “ليس لأهل البدع غِيبة”. ومنشأ هذه الفكرة أن الفقهاء جعلوا في مقدمة الضرورات الخمس “حفظ الدين” قبل كل الضرورات الأخرى، والتي منها “حفظ النفس”، التي يُفترض أن تكون لها أولوية من أية ضرورة أخرى.
وهنا تبرز المشكلة النفسية والأخلاقية المهمة: إذا تحول المخالف من “شخص يملك رأياً خاطئاً” إلى “خطر على الدين”، يصبح التشنيع عليه في نظر بعض الأتباع فعلاً دفاعياً لا عدوانياً، ويكتسي بذلك شرعية خاصة. ومن هذه النقطة، يمكن أن تحدث عملية أكثر خطورة تنطلق من تصنيف المخالف مبتدعاً إلى اعتباره مفسداً، ثم تقديمه في صورة عدو الدين وعدو الأمة، الذي لا يستحق الحماية الأخلاقية من “الجماعة”، ولا الحماية السياسية من “أولي الأمر”.
وعندما يصل التفكير إلى هذه المرحلة الأخيرة، يمكن أن يصبح الكذب على المخالف مبرراً في وعي صاحبه، وتحت شعار “حماية الدين وثوابت الأمة”.
أين حدث الانحراف إذن، لكي يتحول نقد المخالفين إلى تشنيع عليهم عبر الإشاعة الكاذبة وتحريف كلامهم بغرض إلحاق الأذى بهم أو إسكاتهم؟ في الواقع حدث ذلك عندما انتقل الفقهاء والدعاة من قاعدة “يجوز بيان عيب حقيقي لمصلحة معتبرة” إلى قاعدة أخرى مختلفة تماماً، وهي: “يجوز اختلاق عيب إذا كان ذلك سيخدم الحق ويحارب المخالفين”. وهذا انتقال من أخلاق الحقيقة إلى قاعدة “الغاية تبرّر الوسيلة”، إذ لم يعد مهماً إن كان ما يقوله المخالف صحيحاً، بل الأهم إن كان قوله يخدم الدين أم لا.
وهنا تصبح الإشاعة أداة مثالية للنيل من المخالفين، لأنها تسمح للجماعة بأن تمارس العقوبة الاجتماعية من دون محاكمة أو دليل، وذلك عبر تشويه السمعة وإسقاط المصداقية وعزل الشخص عن ذويه ومعارفه، ثم التعامل مع صورته المشوهة باعتبارها حجة كافية على صحة الاتهام الموجه إليه. وتخبرنا القصة المأساوية لفرج فودة بأنّ هذه الوسيلة غير النبيلة قد تسهم في التقليل من أثر الجريمة في نظر مرتكبيها، ويعكس ذلك بوضوح تصريح محمد الغزالي في المحكمة بأن الضحية فرج فودة كان “مرتداً” وأنه ألحق بالدين الكثير من الأذى.
ومن المفارقات العجيبة أن عملية التشنيع والتشهير نفسها تصبح لدى أصحابها علامة على التقوى والغيرة على الدين، وكلما كان صناع الإشاعة الكاذبة أكثر قسوة على المخالف لهم، وأكثر كذباً، ازداد اعتبارهم أكثر تشبثاً بالدين وحرصاً على صيانته.
لذلك أرى أن التعبير الأدق لهذه الظاهرة هو “نشوء قابلية لتبرير الكذب عندما يُعاد تعريف الخصم بوصفه خطراً على المقدس”. وهذه آلية يمكن أن تظهر في تيارات دينية وغير دينية أيضاً، فقد رأينا كيف كان اليساريون يشككون في كل من يخالفهم الرأي وينعتونه بأنه “عميل للسلطة”، لكن الأمر يكتسي خطورة أكبر عندما يُنعت الشخص بكونه معادياً للدين ولثوابت الأمة، فكلما أصبحت الجماعة مقتنعة بأنها تحتكر “الحقيقة” وتواجه “عدواً أخلاقياً”، ازداد احتمال تحول الأخلاق من قواعد تضبط السلوك إلى أسلحة تستخدم ضد الخصوم.
معنى هذا أن النصوص التراثية تبرر القدح والتحذير، وبيان عيوب المخالف والتشهير به حماية للدين، لكننا لم نجد قاعدة فقهية عامة تمثل ترخيصاً صريحاً في اختلاق الكذب. ما يعني أنه حدث انحراف ما أدى إلى موجة اختلاق الأكاذيب دفاعاً عن الدين، ومن الأقوال الممهدة لهذا الانحراف التعليل المنسوب إلى أبي زرعة الرازي في كتاب “الكفاية في علم الرواية” للخطيب البغدادي، إذ يقول: “إنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة”.
هنا نجد منطق التشنيع بوضوح شديد، حيث يصبح الطعن في الأشخاص مشروعاً، ليس لأنهم مختلفون بل لأنهم يمثلون تهديداً لمصدر الدين نفسه، ما يجعل التجريح في أشخاصهم بكل الوسائل أمراً مُلحاً ذوداً عن الدين.
فالانزلاق يحدث عندما يتم بيان عيوب المخالف ثم التحذير منه ليبدأ مسلسل التشنيع عليه لإسقاط مصداقيته، ويبلغ التحامل مداه عندما تصل الإشاعة درجة اختلاق العيوب ليصبح الكذب باسم المصلحة أمراً جائزاً بل مطلوباً.
المشكلة ليست في وجود مبدأ الجرح والتحذير بحد ذاته، إذ له وظيفة مشروعة في نقد الرواية في الحديث، المشكلة تبدأ عند الانتقال من نقد قول أو فعل ثابت إلى صناعة صورة شيطانية عن الشخص.
لم ينشأ “الكذب على المخالف” أصلاً كقاعدة فقهية مستقلة، وإنما نشأت قبله شرعنةُ كشف عيوب المخالف والتحذير منه باعتبار ذلك نصرةً للدين. وعندما يُضاف إليها تصورٌ بأن المخالف عدوٌّ للدين، يصبح الانتقال من التشخيص إلى التشنيع، ومن التشنيع إلى الافتراء، سهلاً نفسياً وأيديولوجياً، حتى وإن لم يكن له سند فقهي صريح.
يتبيّن من التحليل السابق كيف يتحول الخصم الفكري في المنظومة الفكرية المغلقة من “مخالف” إلى “عدو”، ما يُبرر أن يصبح الاعتداء على سمعته فعلاً أخلاقياً في نظر الجماعة نفسها.






