إضاءات

“لن يُفلح قومٌ”.. نقاش حول تولي امرأة رئاسة الحكومة المغربية

أحمد عصيد
أحمد عصيد

عُيّنت فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المغربية، وكُلّفت بتشكيل التحالف الذي سيتولى تدبير الشأن العام على مدى السنوات الخمس القادمة. وخلافاً لما اعتقده كثيرون، لم يأتِ هذا الحدث المهم منفرداً أو من دون مقدمات، وإنما يندرج ضمن توجهات الدولة المغربية التي ترمي إلى إتاحة الفرصة أمام المرأة لتولي أعلى المناصب السامية.

نذكر في هذا الصدد تولي السيدة الراحلة زليخة نصري منصب مستشارة للملك محمد السادس، والسيدة زينب العدوي مسؤولية إحدى أهم المؤسسات الدستورية المعنية بالحكامة في المغرب، وهي المجلس الأعلى للحسابات، دون أن ننسى تعيين عدد مهم من النساء في مناصب وزارية، وصعود أعداد منهن إلى البرلمان خلال الربع قرن الأخير.

وتقول الإحصائيات الرسمية إن نسبة مشاركة المرأة المغربية في الحياة السياسية تبلغ حالياً 27.1%، وهي نسبة تعتبرها الحركات المدنية والنسائية والديمقراطية ضئيلة مقارنة بالفترة الزمنية المنقضية منذ الاستقلال، وقياساً إلى التفوق الدراسي الكبير للفتيات، وما أظهرته النساء من كفاءة واستحقاق في مختلف قطاعات الدولة، ما يحتم المضي نحو تحقيق “المناصفة”، كما أقرّها دستور 2011 في فصله التاسع عشر.

غير أن تعيين السيدة المنصوري في أعلى منصب سياسي بعد الملك، أثار نقاشاً مجتمعياً أشعله التيار الديني المُتشدّد، الذي تحفّظ على ذلك التعيين، معتمداً على ما ورد في الفقه التراثي القديم من نصوص تُقرّ عدم أهلية المرأة لتولي مناصب الرئاسة والولاية الكبرى. 

في هذا السياق، عاد “صحيح البخاري” إلى الواجهة، باعتباره الكتاب الذي يحوي أكبر عدد من الأخبار التي تضع المرأة في مرتبة أدنى من الرجل. وعلى رأس هذه الأخبار حديث ينسب إلى النبي محمد، نصه: “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”. وهذا ما جعل النقاش يعود أدراجه ليربط الصلة بنقاش عرفه المغرب في فجر أزمنته الحديثة، وتحديداً إلى سنة 1914، عندما فتح محمد بلحسن الحجوي (أحد رجالات الإصلاح بالمغرب الحديث) أول مدرسة للفتيات في المغرب، ووقف فيها وحيداً، حيث لم تأت أية فتاة للتسجيل، ويُعزى ذلك إلى أن الفقهاء المغاربة قاموا بحملة واسعة ضد تعليم الفتاة، واعتبروا ذلك “بدعة إفرنجية”، وصرّح كبير الفقهاء آنذاك أبو شعيب الدكالي بأنه “إذا تعلمت الفتاة فسينقلب المجتمع رأساً على عقب”. 

الفقهاء كانوا يدركون بأن النظام الشرعي الإسلامي، كما هو الشأن في كل الديانات، قائم على توزيع تقليدي للأدوار: المرأة داخل البيت، والرجل “يخرج لطلب الرزق”. وعلى هذا بُني نظام الإرث وكل النظام الاجتماعي القديم، كما تشكلت صورة المرأة في الفقه الإسلامي التراثي وفق ثلاثية مفادها: المرأة ناقصة عقل، مزاجية وعاطفية ينقصها الحزم، لا خبرة لها في الأموال والشأن العام. ولهذا، صدقت نبوءة الفقيه المغربي، فعندما دخلت الفتاة إلى المدرسة انقلب المجتمع فعلاً “رأساً على عقب”، وصرنا أمام بُنى اجتماعية جديدة لا تطابق النظام الشرعي القديم، ما أدى إلى صراع كبير دام عقوداً طويلة، وما زال مستمراً. 

واليوم، تعود العقلية التقليدية إلى ما قبل سنة 1914 لتطالب بعودة المرأة إلى البيت، لكن هذه العقلية لا تنتبه إلى أنه يستحيل إعادة المرأة إلى البيت مع الحفاظ على النظام التعليمي العصري والحق في التعليم. فإما امرأة متعلمة ونشيطة ومشاركة في مختلف القطاعات، أو امرأة جاهلة تقبع في البيت لخدمة الرجل. لكن من الصعب السماح للمرأة بولوج المدرسة، ومنعها من العمل، لأن الحق في الدراسة والحق في الشغل مترابطان في الدولة الحديثة.

ومن بين الأمور التي فهمتها المرأة المغربية خلال هذا المسار الطويل، أن سبب هيمنة العقلية الذكورية ومنطق الطاعة هو السلطة الاقتصادية التي احتكرها الرجل، إذ اعتبر الفقه الإسلامي أن الرجل له “القوامة” على المرأة كما أنه “مفضل” عليها لأنه “ينفق عليها من ماله”، هكذا صارت السلطة الاقتصادية للمرأة العاملة اليوم خشبة النجاة بالنسبة لها سواء كانت متزوجة أو غير ذلك، كما صارت قيمة المرأة غير مرتبطة بوجود رجل وأطفال، بل تتحدد قيمتها في ذاتها باعتبارها شخصاً، وإنساناً مواطناً. 

لقد طفت كل هذه القضايا مجدّداً على ساحة النقاش العمومي، مُبرزة مغرباً يعيش صراعاً يومياً بين ماضيه وحاضره، بعيداً عن إحداث قطيعة من أي نوع، فالمرأة التي “لن يفلح قومها” ليست سوى المرأة المحتجبة في “الحريم”، والتي لم تُتح لها أية فرصة للبرهنة على كفاءتها وجدارتها بالحرية والمشاركة، والمرأة التي وصلت اليوم إلى رئاسة الحكومة إنما هي نتاج بنيات سوسيو-ثقافية تطورت كثيراً مقارنة ببنيات المجتمع المغربي في مطلع القرن العشرين، لكنها تطورت بمعزل عن تطور الوعي المواطني الذي عرف لدى الأفراد نكوصاً ومداً وجزراً خلال العقود المنصرمة.

صحيح أنّ التيار الإخواني والسلفي وجد صعوبة كبيرة في إقناع المغاربة اليوم بفكرة أن ولاية المرأة لا يمكن أن تقدم أي شيء سوى الفشل، ما داموا يعتبرون الكثير من التجارب السابقة فاشلة رغم أن من قادها رجال، غير أن هذا التيار نجح في بعث نقاش قديم كان ينبغي أن يُدفن منذ زمن بعيد. 

إن الفكر الذي يرفض مشاركة المرأة في إدارة الشأن العام وتولي المناصب العليا للدولة، كما يرفض أن تكون “أعلم” من الرجل أو أكثر كفاءة منه، حتى تبقى تحت وصاية الرجل ويتم تزويجها في سن مبكرة، هو فكر يصطدم اليوم بنظام تربوي عصري يؤخر سن الزواج، ويفتح الباب على مصراعيه أمام كل إمكانات التفوق والعمل والمشاركة. 

ولهذا نفهم اليوم كيف يعمل التيار الديني المتشدد على محاولة إقناع المجتمع، بطرق ملتوية، بضرورة تحجيم تعليم الفتيات بغرض إعادة المرأة إلى المجال المنزلي وتقليص استقلالها الاجتماعي، ما دام التعليم يعني استقلالاً للفرد المتعلم، والاستقلال يعني تغييراً في علاقة السلطة. وهذا ربما هو بيت القصيد، إذ يمثل أهم خلفية اجتماعية وسياسية لإعادة مراكز السلطة والنفوذ إلى سابق عهدها، أي إلى بيت الطاعة والذكورة المهيمنة.

المرأة المتعلمة تستطيع العمل، وكسب دخل، واتخاذ قرارات مستقلة، والمشاركة في المجال العام، وتأخير الزواج، ومعرفة حقوقها، وهو ما لا ترغب فيه العقلية السلفية.

ولعل ما حدث في أفغانستان في ظل حكم “طالبان” خير دليل على الطريقة التي ينظر بها التيار الديني المُتشدّد إلى موضوع المشاركة السياسية للمرأة، فقد منعت الحركة الفتيات من التعليم بعد السنوات الخمس الأولى، ما يعني أنهن سيغادرن الدراسة نهائيا في سن الثانية عشرة، ليتحولن في سن مبكرة إلى ربات بيوت مطيعات.

إن عودة النقاش حول مدى كفاءة المرأة لتولي المناصب العليا للدولة تكشف عن استمرار صراع ثقافي بين منطق الدولة الحديثة القائم على المواطنة وتكافؤ الفرص، ومنطق اجتماعي تقليدي لا يزال يقيس الأهلية بمعايير النوع الاجتماعي. ولعل تولي امرأة رئاسة الحكومة في بلد من بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط يضيف بلا شك لبنة في صرح مقاومة فكرة التمييز الفطري بين الرجل والمرأة، وإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه ذاتاً مستقلة عن جنسه. 

كما يرمز الموقف السلفي إلى استمرار رفض بعض البُنى الذكورية لفقدان امتيازاتها التاريخية داخل مؤسسات السلطة. ويدعم هذا الموقف بشكل واضح كون التحديث القانوني والمؤسساتي لا يعني بالضرورة حدوث تحول موازٍ في العقليات والتمثلات الاجتماعية التي تطرح باستمرار سؤال كفاءة المرأة من دون إخضاع كفاءة الرجل نفسها للمساءلة والتقييم. ويكشف ذلك عن ازدواجية في المعايير، إذ يُطلب من المرأة وحدها إثبات أهليتها.