بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

اقتصاد سياسي

حرب السودان تعيد تشكيل الاقتصاد وانهيار الجنيه يتحول إلى مرآة للانقسام وتضارب المصالح الخارجية

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يواجه السودان واحدة من أخطر نتائج الحرب المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023، إذ لم يعد الانهيار الاقتصادي منفصلاً عن مسار الحرب، بل أصبح جزءاً من البيئة التي تسمح للصراع بالاستمرار. ويؤدي توزع السيطرة العسكرية على مناطق مختلفة إلى تشظي حركة التجارة والإنتاج والموارد والإيرادات، بما يضعف تدريجياً قدرة الدولة على إدارة منظومة اقتصادية موحدة.

يكفي النظر إلى مسار الجنيه لقياس عمق هذا التحول، بعدما هبط من نحو 600 جنيه للدولار قبل الحرب إلى نطاق يتراوح بين 7000 و8000 جنيه في السوق الموازية خلال سبتمبر/أيلول الجاري.

الحرب تعيد تشكيل الاقتصاد

لا يمكن تفسير هذا الانهيار من خلال السياسة النقدية وحدها، فالحرب أضعفت قدرة الدولة على جمع الإيرادات، وعرقلت الإنتاج، وقطعت طرق التجارة، وأخرجت قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي من الدورة الرسمية. ومع تراجع الموارد التي كانت تموّل الموازنة وتدعم قيمة العملة، اتسعت الفجوة بين الاقتصاد الرسمي والأسواق الموازية.

الأهم أن السيطرة العسكرية على الأرض بدأت تنتج واقعاً اقتصادياً موازياً. كل منطقة تخضع لسلطة مختلفة تميل إلى تطوير شبكاتها الخاصة للتجارة والتمويل وتحصيل الإيرادات؛ ما يقلّص قدرة المؤسسات المركزية على فرض قواعد اقتصادية موحدة.

يتجاوز انهيار الجنيه كونه أزمة نقدية منفصلة، إذ يعكس مباشرةً تآكل البنية الاقتصادية للدولة، من قدرتها على تحصيل الإيرادات وتنظيم التجارة وحماية الإنتاج إلى ضبط حركة الأموال.

الموارد تدخل اقتصاد الحرب

تتحول الموارد الطبيعية والسلع الرئيسة في ظروف الحرب من عناصر إنتاج إلى أدوات تمويل. فالذهب، والصمغ العربي، والثروة الحيوانية، إلى جانب طرق التجارة، يمكن أن توفر تدفقات مالية مستقلة عن الموازنة العامة، خصوصاً عندما تتراجع قدرة الدولة على السيطرة على النشاط الاقتصادي.

هذا التحول يغيّر طبيعة الاقتصاد نفسه. فكلما أصبحت الموارد مصدراً لتمويل العمليات العسكرية أو الحفاظ على شبكات النفوذ، تراجعت الحوافز لإعادتها إلى الدورة الاقتصادية الرسمية. ويصبح استمرار الحرب مرتبطاً جزئياً بالقدرة على الوصول إلى موارد قابلة للتسييل والتجارة.

والنتيجة أن الاقتصاد لا يتوقف بالكامل أثناء الحرب، بل يستمر وفق قواعد مختلفة. التجارة تستمر، والموارد تتحرك، والأسواق تعمل، لكن جزءاً متزايداً منها يتحرك خارج النظام الذي كانت تديره مؤسسات الدولة.

الخارج يمدد عمر الصراع

يرتبط الاقتصاد الحربي بصورة وثيقة بالبيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالنزاع. فتدفقات السلاح والتمويل والمعدات والخبرات، إلى جانب شبكات التجارة العابرة للحدود، تمنح أطراف الصراع قدرة أكبر على الاستمرار، على الرغم من تراجع الموارد الداخلية.

ومع ذلك، يبقى العامل الخارجي جزءاً من معادلة أوسع، إذ ترتبط جذور الصراع بتفكك مؤسسات الدولة، والتنافس على السلطة، وضعف الترتيبات السياسية والأمنية. وتوفر الموارد والقنوات المتدفقة عبر الحدود هامشاً اقتصادياً يخفف الضغوط التي يمكن أن تدفع الأطراف نحو تسويات أسرع، ما يجعل البيئة الخارجية عاملاً مؤثراً في قدرة الحرب على الاستمرار.

لهذا يصبح الاقتصاد جزءاً من معادلة الحرب، وليس مجرد ضحية لها. كلما توفرت قنوات بديلة للحصول على المال والسلع والسلاح، أصبحت كلفة استمرار القتال أقل بالنسبة إلى الأطراف القادرة على الوصول إلى تلك القنوات.

الجنيه يعكس التفكك

يظهر الانقسام الاقتصادي بصورة أوضح في تفاوت سعر الصرف بين مناطق النفوذ، إذ بلغ سعر الدولار في السوق السوداء نحو 7500 جنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، بعدما سجل في الآونة الأخيرة مستويات قاربت 8000 جنيه، بينما ظل سعر الصرف في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع قريباً من 4200 جنيه للدولار خلال الأشهر الأخيرة. ولا يمثل هذا الفارق مجرد اختلاف في نشاط الأسواق المحلية، بل يعكس اتساع الانقسام الاقتصادي وتراجع تأثير منظومة نقدية واحدة على مختلف أنحاء البلاد، بحيث أصبح سعر الصرف مؤشراً مباشراً على اختلاف حركة التجارة والسيولة والموارد بين مناطق النفوذ.

عندما يصبح سعر العملة مرتبطاً بموقع المنطقة، ومستوى السيطرة عليها، ومسارات التجارة التي تمر بها، تتحول أسعار الصرف إلى مؤشر على التفكك الاقتصادي. السوق لم تعد تعمل باعتبارها فضاءً وطنياً واحداً، بل وفق دوائر مختلفة تتأثر بدرجة الوصول إلى النقد الأجنبي، والسلع، والموارد، وشبكات التمويل.

وهذا يفسر لماذا يمكن أن تتسع الفجوة بين أسعار الصرف في مناطق مختلفة، حتى مع بقاء اسم العملة واحداً. فالقيمة النقدية لا تتحدد فقط بالسياسة الرسمية، بل أيضاً بالقدرة الفعلية على الوصول إلى الموارد والأسواق والثقة في المؤسسات التي تقف خلف العملة.

الدولة قبل العملة

المشكلة الأساسية في السودان تتجاوز سعر الجنيه نفسه. حتى لو جرى ضخ سيولة أو اتخاذ إجراءات نقدية لوقف الانخفاض، ستظل قدرة هذه الإجراءات محدودة ما لم تستعد الدولة قدرتها على إنتاج الإيرادات، وحماية التجارة، وتوحيد السوق.

العملة تحتاج إلى اقتصاد قادر على توليد قيمة، ومؤسسات قادرة على تنظيمها، وسلطة مالية ونقدية تتمتع بقدرة فعلية على تطبيق قراراتها. ومع استمرار الانقسام العسكري والجغرافي، تصبح هذه الشروط أكثر صعوبة.

إن استعادة قيمة الجنيه لن تبدأ من سعر الصرف وحده، بل من إعادة بناء الاقتصاد الذي يمنح العملة معناها. ويتطلب ذلك استعادة الإنتاج، وتوحيد المؤسسات المالية، وإعادة فتح طرق التجارة، ودمج الموارد في الاقتصاد الرسمي، وتقليص مساحة الاقتصاد الموازي الذي توسع خلال الحرب.

تكمن المعضلة في السودان في أن الحرب لم تدمر الاقتصاد فقط، بل أعادت تنظيمه وفق منطقها الخاص. وما لم يتوقف هذا المنطق، سيبقى الجنيه مرآة للانقسام: عملة واحدة على الورق، واقتصادات متعددة على الأرض.