إضاءات

فلسفة الانتخابات من آلية الاقتراع إلى بناء المواطن

أحمد عصيد
أحمد عصيد

تجري في المغرب انتخابات تشريعية تثير نقاشاً عمومياً كالمعتاد، يجتر فيه الناس نفس العبارات النمطية: “الأحزاب مجرد دكاكين سياسية”، “لا ثقة في الوعود الكاذبة”، “السياسيون أنانيون يسعون إلى قضاء أغراضهم الخاصة”، “ما جدوى الانتخابات إذا كانت صلاحيات المنتخبين ضعيفة ؟” إلخ..

لكن غالبية الناس لا يعرفون لماذا يتكرر نفس النقاش، وتتم العملية بنفس الشكل دون نتيجة، أو بتعبير أدق من دون أن نلاحظ تطوراً في التجربة الديمقراطية، ما دام القصد من الانتخابات ليس فقط انتخاب من يقوم بتدبير الشأن العام بشكل تداولي، بل أيضاً تطوير أداء المؤسسات والنهوض بالبلد، إذ الديمقراطية في جوهرها، كما يدلّ على ذلك معناها المعجمي نفسه، مرتبطة بفكرة إيجابية تقول إنها، إلى حدود الآن على الأقل، ما زالت تعتبر النظام الأمثل الذي لا يسمح بالاستبداد في الرأي والحكم والتدبير الفردي أو المزاجي للشأن العام.

إن طرح السؤال على هذا المستوى يجعلنا ننظر إلى الانتخابات، في عموم منطقتنا، باعتبارها تجربة تعاني من فجوة بين “الشكل الديمقراطي” و”الوظيفة السياسية”. فالمشكلة ليست بالضرورة في وجود عملية اقتراع، وإنما في السؤال: ما الذي يفترض أن تنتجه الانتخابات سياسياً ومجتمعياً؟ خاصة وأنها انتخابات تجري داخل أنظمة تتوزع فيها السلطة بشكل غير متكافئ، إذ نجد في الغالب، من الناحية الدستورية، أن الحكومات تمارس السلطة التنفيذية، بينما يقوم البرلمان بالتشريع ومراقبة عمل الحكومة وتقييم السياسات العمومية. لكن في المقابل، تحتفظ مراكز نفوذ أخرى في الدولة بموقع دستوري مركزي وباختصاصات واسعة، خصوصاً في المجالات الاستراتيجية، ما يجعل السياسات التنفيذية تابعة للقرار الفوقي المحدد سلفاً.

في هذا المستوى، يمكن القول إن المنتخبين يمارسون سلطة تدبير الكثير من المجالات وقطاعات الدولة، لكنها لا تحتكر مركز القرار السياسي والاستراتيجي. ومن هنا تنشأ مفارقة فلسفية محيرة، تؤدي لدى فئات واسعة إلى العزوف الانتخابي: المواطن يصوّت على حكومة، بينما بنية النظام تجعل القرار السياسي موزعاً بين مؤسسات متعددة، وفي مقدمتها رئاسة الدولة، وهذا يضعف العلاقة المباشرة بين التصويت والمسؤولية السياسية: من ينتخب المواطن؟ ومن يحاسب؟ ومن يملك فعلياً القرار في القضية التي يريد تغييرها؟

جعلني هذا أميز دائماً بين “السياسة الكبرى”، التي تعني التفكير والتخطيط الاستراتيجي وإبداع المفاهيم ومراجعة المقاربات السابقة، و”السياسة الصغرى”، التي يخوض فيها الناس خلال الانتخابات، وتتحول إلى حسابات بسيطة للمقاعد والأرقام والأتباع والمرشحين، وإلى نقاش حول المال والفساد والمآدب والروابط التقليدية.

ومن المفارقات المهمة بهذا الصدد، أن الانتخابات عملية يُفترض أن تكون مناسبة لتنافس المشاريع ومناقشتها وتوضيحها للمواطنين. وعلى هذه المشاريع أن تجيب على أسئلة مثل: أي مجتمع نريد؟ أي اقتصاد؟ أي تعليم؟ أية علاقة بين الدولة والمواطن؟ أية مكانة للحريات الفردية والعامة؟ لماذا فشلنا في تحقيق المساواة الفعلية على أساس المواطنة دون تمييز بالجنس أو اللون أو العرق أو الدين أو اللسان؟ كيف نعالج الفوارق الاجتماعية والمجالية؟ إلخ..

لكن عندما تتحول الحملة الانتخابية إلى منافسة على الأشخاص والمقاعد والنفوذ المحلي، مع استعمال كل الأساليب غير الشريفة، كالإشاعة الكاذبة، تتحول السياسة من معناها النبيل، إلى مجرد تدبير للمصالح الصغيرة، بدل أن تكون تنافساً وحواراً بين تصورات مختلفة للمستقبل.

وهنا تظهر مشكلة الأحزاب نفسها، فعوضاً من أن تكون تنظيمات لإنتاج الأفكار وتأطير المواطن وتكوينه سياسياً، تتحول إلى آليات للترشيح والتعبئة الانتخابية لا غير، مع الطعن في الخصوم وتبخيس أدوارهم. والنتيجة أن المواطن لا يُدعى خلال التصويت إلى الاختيار بين مشاريع للمجتمع، بل كثيراً ما يُدعى إلى الاختيار بين أشخاص وشبكات وعلاقات زبونية محلية. 

هكذا تنتهي الانتخابات إلى غايات وأهداف هي النقيض مما وُضعت من أجله، وهذه ربما هي النقطة الأكثر إثارة بالنسبة لنا، فالديمقراطية تمرين يهدف إلى أن يُنقل الفرد من وضعية عضو في قبيلة أو عشيرة أو جماعة دينية مغلقة، إلى وضعية مواطن يتساوى مع الآخرين في الحقوق والواجبات، مواطن يعمل من أجل نهضة وطن.

لكن إذا أصبحت الانتخابات مسرحاً لإثارة النعرات، وبث الانتماءات القبلية والعشائرية والدينية والشخصية، فإنها تؤدي حتماً إلى العكس تماماً مما وُجدت من أجله، إنها تعيد المواطن إلى هوياته الأولية، السابقة على الدولة الوطنية الحديثة.

الانتخابات مدرسة للمواطنة والتربية على السلوك المدني والديمقراطي، لكنها عندما تُحول اهتمام المواطنين إلى “من معنا” و”من ضدنا”، عوضاً عن جعلهم يركزون على البرامج الانتخابية والأفكار السياسية الكبرى، تتحول إلى مشهد لإعادة إنتاج الولاءات التقليدية داخل إطار ديمقراطي حديث وشكلي.

هكذا يتم تفريغ السياسة من معناها الحقيقي، وجعلها آلية للوصول إلى المقعد ومراكز النفوذ والترأس، ولهذا يتسابق جميع المعارضين لقيم الديمقراطية ومبادئها السامية على صناديق الاقتراع، بعد أن يكونوا قد فصلوا الديمقراطية عن روحها واختزلوها في آلية الاقتراع لا غير، بينما هي تربية غايتها بناء مواطن قادر على التفكير والحكم والمقارنة والمساءلة.

يُفسر هذا لماذا توجد في كل بلدان منطقتنا انتخابات منتظمة، وأحزاب، وبرلمانات، وحملات انتخابية، ومع ذلك يظل الوعي السياسي في المجتمع ضعيفاً، حيث لا تؤدي العملية الانتخابية إلى تطوير نقاش حقيقي حول الخيارات الكبرى، وأعطاب الماضي، والأسباب الحقيقية للفشل.

لا شك أن مختلف الدساتير تمنح البرلمانات وظيفة تتجاوز مجرد التشريع، فهي مطالبة بممارسة صلاحيات المراقبة والتقييم لعمل الحكومة وأدائها وللسياسات العمومية، كما تمنح المعارضة أدواراً مهمة وفق مقاربة تشاركية واسعة في التشريع والرقابة وتأطير المواطنين، لكن وجود هذه الوظيفة دستورياً وعلى الورق، لا يعني بالضرورة تحققها في الواقع المؤسساتي، حيث هناك “تقاليد مرعية” وأساليب تدبير وتعليمات فوق قانونية، ينجم عنها إجهاض القوانين والمرجعيات مهما كانت صريحة وقوية.

من هذا المنطلق نرى بأن السؤال الذي يشغل الناس خلال كل انتخابات، والذي هو: “من سيفوز؟”، ليس بالسؤال المركزي، ولا دور له في تطوير التجربة الديمقراطية لهذا البلد أو ذاك، وإنما السؤال المركزي الذي ينبغي طرحه عند كل استحقاق هو: “هل تنتج الانتخابات مواطناً أكثر استقلالاً وعقلانية وقدرة على مساءلة السلطة، أم أنها تكتفي بإعادة توزيع المواقع داخل الطبقة السياسية، ما يفسر تداول نفس الوجوه التي تشبعت بقواعد اللعبة وأتقنت ممارستها؟”، هذا السؤال ينقلنا من انتظار نتائج الانتخابات وقراءتها ونقدها إلى مساءلة الوظيفة الديمقراطية والاجتماعية لعملية الاقتراع في أساسها.

وحتى نصل إلى هذا المستوى في تدبير الشأن السياسي والانتخابي، لابد من تغيير مفهومنا للديمقراطية التي تم اختزالها في صناديق الاقتراع وعملية التصويت، بينما هي تربية على السلوك المدني ووظائف المواطنة، وتطوير للترسانة القانونية وعقلنة سير المؤسسات بناء على  مبادئ وقيم المساواة والحريات، وفصل السلطات وسمو القانون، وفصل الدين عن الأغراض السياسية، والتوزيع العادل للثروة.