إضاءات

“الكهنوت” والسلطة الدينية بين المسيحية والإسلام

أحمد عصيد
أحمد عصيد

من الأفكار التي سادت في فترة ما من القرن العشرين، التي ما زال لها وقع في النقاش العمومي حول مكانة الدين في الدولة والمجتمع، فكرة بلورها منظرو “الإخوان المسلمين”، مفادها أن العلمانية غير ممكنة في السياق الإسلامي نظراً لكونها مرتبطة بالسياق المسيحي الكنسي، وبمبدأ “ما لله لله” و”ما لقيصر لقيصر”، بينما لا كنيسة ولا مؤسسة دينية في الإسلام، الذي يجمع الديني والدنيوي ويمثل نظاماً شاملاً للحياة.

الحال أن الاقتراب أكثر من الموضوع مع اعتماد منهج مقارن وموضوعي بعيد عن الأهداف السياسية المباشرة أو الأيديولوجية والتنظيمية، سيُظهر بما لا يدع مجالاً للشك، أن الإسلام إن لم يعرف مؤسسة شبيهة بالكنيسة، أو طبقة رجال دين شبيهة بـ”الإكليروس” والكهنوت الكنسي، إلا أنه عرف وما زال شيوع نوع من “السلطة الدينية” التي يسندها رجال الدين لأنفسهم، سواء كأفراد أو كمؤسسات دينية رسمية، ويحاكمون على أساسها من يخالفهم في الرأي أو في القراءة والتأويل للنص الديني. وهذا ما أدى ببعض الكتاب والمثقفين العلمانيين إلى استعمال كلمة “كهنوت” في نعت الدعاة والفقهاء المتشددين الذين يسعون إلى تنصيب الرأي الواحد والفكر الأوحد.

والحقيقة أننا إذا استعملنا مفهوم “الكهنوت” بمعناه السوسيولوجي، الفكري والثقافي العام، وليس بمعناه التاريخي المسيحي والخصوصي، فإن بعض الخصائص التي يحيل عليها هذا اللفظ يمكن أن تظهر لدى رجال دين من أديان مختلفة، ومنهم بعض دعاة التطرف والغلو في الإسلام. والمقصود هنا نقد نمط من السلطة الدينية وليس تعميمه على كل فقهاء المسلمين بإطلاق.

فلنقم برصد الخصائص العامة للكهنوت المسيحي التي عُرف بها تاريخياً، والبحث في ما إذا كانت تنطبق على بعض دعاة وفقهاء الإسلام في عصرنا، خاصة وأن بلدان منطقتنا ما زالت تعرف الكثير من الظواهر التي اختفت في أوروبا منذ ما يقرب من قرنين، بينما ظلت موضوع صدام حاد في العديد من البلدان الإسلامية.

من خصائص الكهنوت الثابتة أن رجال الدين يعتبرون أنفسهم الوسطاء الشرعيين في فهم النصوص الدينية على الوجه “الصحيح”، باعتبارهم المالكين لمفاتيح فهم النص، فيصبح تفسيرهم للدين أقرب إلى “الحقيقة الدينية” نفسها، مما يجعل من الصعب على الآخرين الاعتراض عليهم، ما داموا لا يملكون شرعية القراءة والفهم والتفسير.

ولا نحتاج إلى كبير عناء لكي نصل إلى أن هذه الخاصية الأولى تتجسد بشكل تام في الكثير من مواقف وسلوكيات رجال الدين المسلمين، سواء بوصفهم أفراداً مستقلين أو أتباعاً لتنظيمات أو مؤسسات رسمية أو غير رسمية، فخلال النقاش الذي دام عامين اثنين حول مدونة الأسرة (الأحوال الشخصية) بالمغرب، كانت الحجة الأكثر شيوعاً ضد القوى المدنية المطالبة بتعديل النص القانوني، هو أن رافعي المطالب ليسوا من “أهل الاختصاص” ولا يحق لهم الخوض في الموضوع الذي يقرر فيه المشايخ والفقهاء لوحدهم. وأن قاعدة “لا اجتهاد مع وجود نص” تبقى القاعدة الصحيحة والمعتمدة كما قررها الفقهاء منذ 1200 سنة.

الخاصية الثانية للكهنوت المسيحي التي تنطبق بدورها بشكل تام على بعض فقهاء ودعاة المسلمين، خاصة من التيار المتشدد، تحويل الرأي إلى حكم إلهي، واعتبار رجال الدين ممثلين لله ووكلاء له على الأرض، مما يجعل مناقشتهم أمراً محرماً، ونقدهم اعتراضاً و”جرأة على الله” كما يعبّرون. ولعل هذه الخاصية تتجسد تماماً في ما كتبه بعض المشايخ بالمغرب قبل شهور، في تذييل بيان أصدروه ضد أي مراجعة لقانون الأسرة بعبارة “نحن الموقعون عن الله”!؟

وهناك إلى جانب الخاصيتين السابقتين خاصية امتلاك سلطة على الضمير والسعي إلى ممارسة الوصاية على عقول الناس وعلى المجتمع ككل، والسعي إلى الحيلولة دون وقوع أي تغيير يسمح بتحرر الأفراد واستعمالهم لعقولهم بدون حدود وخارج الضوابط التقليدية. وفي هذا السياق يحرص الكهنوت الإسلامي على التدخل في جزئيات حياة المواطنين وتحديدها وفق قواعد صارمة وثابتة عبر تكريس ثنائية “الحلال والحرام”.

ومن أسوأ خصائص الكهنوت التي تنطبق بشكل تام على رجال الدين المسلمين تقسيم العالم إلى “فسطاط الإيمان” و”فسطاط الكفر”، “أهل الحق” و”أهل الباطل”، المتبعون “للدين الصحيح” و”أهل البدع”، وهذا التصنيف يقود رأساً إلى المواقف والسلوكيات الإرهابية بدءاً بالعنف الرمزي وانتهاء بالعنف المادي كما كان يحدث تماماً في أوروبا العصور الوسطى.

كما يُعد تحريم السؤال والمراجعة والنقد إحدى أبرز خصائص الكهنوت التي تهدف إلى حماية منظومة الفكر الديني وضمان شيوعها وهيمنتها باعتبارها معياراً لكل حقيقة، سواء في وعي الناس وسلوكياتهم الاجتماعية أو في التشريع والعمل المؤسساتي. وعبر هذه الآلية يصبح الفقيه والداعية فوق النقد، وكل اختلاف معه يُعد “فتنة” و”تشكيكاً” في الدين، وزيغاً عن الطريق الصحيح.

ومن أبرز خصائص الكهنوت التي ما زلنا نعاينها بشكل جليّ في مواقف وآراء رجال الدين الإسلامي استخدام الخوف كأداة للسيطرة، حيث يركز هؤلاء على “عذاب القبر” و”غضب الله” و”الخوف من الله” كأساس للإيمان، القائم على التسليم بأفكار دون مناقشتها.

ويساهم الكهنوت بشكل وافر في إقصاء المعارف العلمية والفلسفية والتاريخية وإقبارها باعتبارها تفتقر إلى السند الديني، مع تبخيس كبير لدور العقل وللمبادرة الفردية في البحث والتحليل والنبش في الظواهر المختلفة، مما يفسر عدم اطمئنان الفقهاء والدعاة، كما كان أسلافهم رجال الكنيسة، إلى الحقائق العلمية ونتائج الأبحاث العلمية الدقيقة، وإلى الآثار القديمة التي تدلّ على وجود حضارات عريقة قائمة على الذكاء البشري منذ ما قبل الديانات التوحيدية جميعها.

ويعتمد الكهنوت في عملية قراءة النص على آلية التعميم التي تخرجه من سياقه التاريخي والسوسيوـ ثقافي، حتى يصبح ملائماً لكل زمان ومكان، وإن كانت البنيات الاجتماعية المنتجة والحاضنة له قد اندثرت، مما يحول النص إلى قواعد جاهزة خارج دينامية الفكر الحيّ والتفاعلي، دون أي اعتبار لتطور المجتمع والقيم والمفاهيم والقوانين والعلوم.

ويقوم الكهنوت مسيحياً كان أو إسلامياً على تكريس السلطة الرمزية عبر مظاهر اللباس الديني، وكثرة الاستشهاد بالنصوص، واستعمال اللغة التراثية والمصطلحات الفقهية، ونسب الأقوال إلى الفقهاء والقديسين السابقين، مما يمنح المتحدث سلطة نفسية على الجمهور، حتى عندما تكون حجته ضعيفة، أو فكرته خطيرة أو لا أخلاقية.

فإذا لم يعرف الإسلام تاريخياً كهنوتاً بالمعنى المؤسسي المسيحي، وإذا لم يكن يتوفر على طبقة كهنوتية لها احتكار رسمي لـ”الخلاص” وبيع “صكوك الغفران”، إلا أننا نلمس بوضوح وجود عناصر كثيرة “للسلوك الكهنوتي”، أو “النزعة الكهنوتية” لدى كثير من رجال الدين المسلمين، يقدمون من  خلالها أنفسهم باعتبارهم مالكين لسلطة دينية تسمح لهم بالذهاب إلى حد محاكمة الأشخاص أو منع كتب ومصادرتها من سوق الكتاب كما يفعل رجال “الأزهر” في مصر، و”المجلس العلمي الأعلى” في المغرب. حيث يصبح احتكار تفسيرهم للدين معياراً للمفاضلة بين البشر، ولاحتكار سلطة أخلاقية وسياسية، وأحياناً لتبرير العنف ضدّ المخالفين.

فاحتكار تفسير النص يؤدي إلى وهم امتلاك الحقيقة، الذي يؤدي بدوره إلى احتكار الشرعية الأخلاقية والسلطة السياسية، هذه السلطة التي تسمح بتكفير المخالف وإلغاء الحوار والتبادل، وبالتالي تبرير الإقصاء والعنف.