عندما نتأمل في الصراعات الفكرية والثقافية الدائرة في مجتمعات شمال إفريقيا والشرق الأوسط، سواء حول الحريات أو المساواة أو مرتكزات الديمقراطية، أو مكانة الدين في الدولة والمجتمع، أو في لحظات مراجعة وتعديل قوانين، فسوف نلاحظ أن السبب الجوهري للصراع الذي يؤدي أحياناً إلى حملات التكفير والتحريض والتوتر الاجتماعي، هو استمرار بعض قواعد الفكر الديني القديمة ثابتة رغم غياب البنيات السياسية والاجتماعية التي أنتجتها واحتضنتها على مدى قرون طويلة.
استمرت هذه القواعد في إنتاج المعنى إلى حدود بدايات القرن العشرين تقريباً، ثم تفككت بظهور الدولة الحديثة وانهيار الخلافة الإسلامية. هذا الانهيار الذي لم يعقبه انهيار الصرح الفكري الذي ارتبط به واستجاب له، بقدر ما استمر هذا الصرح في مقاومة التغيرات المتلاحقة، متسبباً في مواجهات وصدامات لا نهاية لها.
وإذا كان “علم أصول الفقه” هو أرقى ما أبدعه العقل الفقهي الإسلامي ضمن نسق العلوم النقلية، باعتباره المجال الذي يتم فيه إعمال العقل بدرجة أكبر بهدف استنباط الأحكام بالقياس الشرعي، فإن هذا المجال المعرفي الذي كان يسمح بمواكبة تحولات الواقع الاجتماعي سرعان ما تحول بدوره إلى مجال لتطبيق قواعد جامدة غير قابلة للمراجعة، بل صارت تحظى بتقديس النصوص المؤسسة نفسها، ما يجعل نقد علم الأصول من منظور تاريخي ومعرفي أمراً ضرورياً.
المشكلة لم تعد في وجود قواعد ومناهج للاستدلال الفقهي والاجتهاد، بل في أن منظومة أصول الفقه التي تبلورت في سياقات تاريخية معينة أصبحت اليوم عند الفقهاء إطاراً مغلقاً لإنتاج الأحكام، بدلاً من أن تكون أداة مفتوحة لإعادة قراءة النص على ضوء الواقع المتجدد.
وإذا أردنا فحص أسباب هذا الجمود الفكري الذي أدى، من ضمن أسباب أخرى، إلى تأخر المجتمعات الإسلامية، فسوف نجد أن المعضلات التالية مطروحة أمامنا بإلحاح:
أولاً، أسرف الفقهاء، رغم اعتبارهم أصول الفقه مجالاً للاجتهاد و”بذل الوسع”، في تثبيت مركزية النص على حساب الواقع المتحرك، ما أدى إلى انشغالهم المفرط بقواعد فهم النص واستنباط الحكم منه، بينما لم يتطور بالقدر نفسه علمٌ منهجي لفهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية التي يفترض أن يطبق الحكم عليها. وهكذا صرنا أمام قوالب جاهزة يتم إلباسها عنوة للواقع.
وعوضاً عن متابعة تطورات المجتمع، تم تجميده بمقتضى النص الثابت. وهي عملية ما زالت سارية المفعول إلى اليوم، وتظهر بوضوح عند مناقشة مدوّنة الأسرة والأحوال الشخصية أو موضوع الحريات أو نموذج الحكم الأفضل على سبيل المثال.
ثانياً، عدم اعتبار تاريخية الفقه الإسلامي وتحويله بالتدريج إلى قداسة الدين نفسه، ولهذا يعجز الناس اليوم عن التمييز بين التراث الفقهي والدين، ما يضيع عليهم فرصة التجديد المطلوب لمواجهة تحديات العصر الذي جاء بنموذج جديد للدولة، ولمفهوم مغاير للإنسان وللقيم.
ومن مظاهر هذا الجمود أن “الاجتهاد” نفسه تحول في كثير من الممارسات الفقهية إلى مجرد محاولة للعثور على حكم شرعي سابق يشبه “النازلة” الجديدة، وإلحاقها بالأصل عبر “القياس” الذي يقوم على اعتقاد ظني بوجود “شبه” في “علة” الحكم، بينما المطلوب اليوم هو طرح سؤال ثوري على الشكل التالي: “هل ما زالت المفاهيم والقواعد الفقهية القديمة نفسها صالحة لتأطير مشاكل المجتمع العصري؟” والجواب طبعاً هو النفي. ولهذا تأتي أجوبة الفقهاء تكراراً لأحكام سابقة، عوضاً عن التفكير في حيثيات ومستجدات الواقع غير المسبوق في تاريخ البشرية ككل، وليس المجتمع الإسلامي فقط.
ثالثاً، من آثار هذا الجمود الفكري تضييق مفهوم “المصلحة”، ما أدى إلى اعتبار الكثير من المصالح المعاصرة أموراً محرمة أو مخالفة للشرع، لأن إخضاع المصالح المتجدّدة للقواعد الفقهية الموروثة يؤدي حتماً إلى إنكارها، وهذا يجعل الحلول متعذرة، ويؤدي إلى تصادم يومي بين وقائع الحياة وقوانين الدولة، بينما المطلوب أن يتحول منهج الاجتهاد إلى منهج مستقل قادر على إعادة ترتيب الأولويات عندما تتغير شروط الحياة.
رابعاً، هناك تجاهل تام للعلوم الإنسانية والاجتماعية من طرف منطق الفكر الأصولي التقليدي، فالفقهاء يستنبطون حكماً في الاقتصاد أو الأسرة أو السياسة بالعودة إلى تراث الفقه الإسلامي وقواعده القديمة، دون أن يكونوا ملزمين معرفياً بالاستعانة بعلم الاقتصاد أو علم الاجتماع أو علم النفس أو العلوم السياسية.
خامساً، هناك غياب شبه تام للنقد الداخلي، إذ لا يعرف الفقه الإسلامي حركة نقدية تنويرية تعيد النظر في ضوابط الاجتهاد القديمة وقواعد استنباط الأحكام، بل جعل الفقهاء من بعض القواعد الأصولية ثوابت مقدسة يصعب مساءلتها، مثل قاعدة “لا اجتهاد مع وجود نص”، وكأن النص منفصل عن أي سياق تاريخي، أو قاعدة “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”، والتي تسببت ولا تزال في مظالم كثيرة إلى اليوم.
إن مفهوم “العلم” يتضمن المراجعة والنقد والمساءلة، سواء على الصعيد المنهجي أو المفاهيمي، ما دام الأمر يتعلق بتدبير شؤون مجتمعات لا تتوقف عن التطور. والعلم الذي لا يتطور يصبح عاجزاً عن تفسير الظواهر الجديدة وتأطيرها، ما يضطر الناس إلى البحث عن بدائل أخرى.
نستنتج مما سبق، أن علم أصول الفقه ينبغي أن يتحول من السؤال: “ما حكم الشرع في كذا؟ إلى سؤال أكثر إجرائية ومردودية: “ما طبيعة المشكلة في الواقع الجديد؟ وما أسبابها؟ ومن المستهدف بالحلول؟ وما نتائجها المحتملة؟” وهي الأسئلة التي ستسمح بتقريب النص من الواقع المتحرك، وقراءته من منظور اجتهادي فعلي.
إن النقد الأكثر عمقاً لأصول الفقه التقليدي ينبغي أن يتوجه نحو تطوير أدوات إنتاج المعرفة عوض الاكتفاء بالعناية بالقواعد التقليدية المتقادمة لاستنباط الحكم من النص. وهذا جعل علم أصول الفقه يتحول إلى حارس لمنظومة التقليد المغلقة، بدلاً من أن يكون مولداً لأفكار جديدة، ومجالاً للتفكير في الواقع ومفارقاته، ما سيجعل منه مشروعاً معرفياً حقيقياً، لا مجرد إعادة صياغة للمفاهيم والقواعد القديمة.
سيتيح ذلك بناء نظرية جديدة للاجتهاد، تجعل النص والواقع والمعرفة العلمية والمصلحة والإنسان المواطن والنتائج العملية عناصر متكاملة في إنتاج الحكم لا التنافر كما هو الحال اليوم، الذي جعل الفقهاء ينكرون حتى بعض نتائج العلوم الدقيقة، كتحليل الحمض النووي، لكي يبقوا أوفياء لضوابط شرعية تراثية مبنية على التخمين.
وهذا، في تقديري، هو المدخل الحقيقي لفهم لماذا عجز الفقه الإسلامي المعاصر عن إنتاج أجوبة مقنعة لقضايا العصر، ما أدى إلى استمرار الصراع والتصادم الأيديولوجي حول قضايا الدولة والمجتمع.






