يفتح التحقيق الجديد بشأن برنامج سري لإنتاج وتخزين ذخائر الكلور داخل المؤسسة العسكرية السودانية واحدة من أخطر صفحات الحرب في البلاد، لكنه في الوقت نفسه يضع عبد الفتاح البرهان في قلب القضية، لا على هامشها. فلم تعد المسألة اتهاماً عابراً باستخدام سلاح محظور في إحدى جبهات القتال، بل شبهات تتعلق ببرنامج منظم داخل المؤسسة التي يتولى البرهان قيادتها، وباتت تفرض عليه مسؤولية الإجابة عن حدود علمه بما كان يجري تحت سلطته، وعن الإجراءات التي اتخذها لمنع ذلك أو محاسبة المتسببين.
إن التحقيق الذي أنجزته “نيويورك تايمز” بالشراكة مع “واشنطن بوست”، والمدعوم بوثائق واتصالات وصور، لا يتحدث عن حادثة منفردة، بل عن إنتاج ذخائر واختبارها وتخزينها. تقول الصحيفتان، أنهما حصلتا على المستندات من جهة استخبارية شرق أوسطية. وبحسب ما أوردته “واشنطن بوست”، تشير الوثائق إلى وجود مخزون بـ 290 ذخيرة كيميائية، وضباط شاركوا في إدارة البرنامج، فيما تتضمن بعض الاتصالات إشارات إلى صلات بمستويات عليا في القيادة العسكرية.
الأخطر أن القضية لا تتوقف عند مرحلة الاستخدام المزعوم، إذ يتحدث التحقيق أيضاً عن محاولات لإزالة آثار مرتبطة بالبرنامج، في وقت كان البرهان قد أعلن تشكيل لجنة للتحقيق في الاتهامات. وهنا يصبح موقع قائد الجيش أكثر حرجاً: إذا كانت المؤسسة التي يقودها قد امتلكت برنامجاً لإنتاج أسلحة كيميائية، فإن المسؤولية لا يمكن اختزالها في البحث عن ضابط ضغط على الزناد، بل تمتد إلى القيادة التي يفترض أن تكون صاحبة السيطرة والرقابة والمحاسبة.
التوقيت يحمل رسائل سياسية
يأتي الكشف الجديد قبل أسابيع من ظهور البرهان على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، في لحظة يسعى فيها إلى تقديم نفسه بوصفه ممثل الدولة السودانية وصاحب السلطة الشرعية عليها. غير أن الصورة التي يريد تثبيتها في نيويورك تصطدم بملف شديد الثقل، وإشارات استفهام تتعلق بما جرى داخل المؤسسة العسكرية التي يقودها، لا الاكتفاء بإدانة خصومه أو تقديم الجيش باعتباره الطرف الضامن في مواجهة الفوضى.
خلف الخطاب السياسي الذي سيحاول تقديمه في نيويورك تقف اتهامات باستهداف المدنيين وعرقلة المساعدات واستخدام أسلحة محظورة، يضاف إليها الآن ما هو أخطر: شبهات بوجود برنامج منظم لإنتاج الأسلحة الكيميائية وتخزينها داخل المؤسسة العسكرية. ومع اتساع هذا الملف، لم يعد ممكناً للبرهان أن يتعامل مع ما يجري باعتباره تجاوزات معزولة ارتكبها ضباط بعيداً عن القيادة؛ فكلما اتسعت الأدلة على ما جرى داخل الجيش، اتسعت معها مسؤولية قائده عن الإجابة عما كان يعرفه، وما سمح باستمراره، وما فعله عندما بدأت الحقائق بالظهور.
العقوبات الأمريكية سبقت الأدلة
تظهر هنا مفارقة مهمة في التسلسل الزمني، ففي يناير/كانون الثاني 2025 فرضت واشنطن عقوبات على البرهان بسبب مجموعة واسعة من الانتهاكات والسلوكيات المرتبطة بالحرب وعرقلة المساعدات والانتقال السياسي، من دون أن تجعل الأسلحة الكيميائية أساساً معلناً للعقوبات. ثم أعلنت الولايات المتحدة في مايو/أيار من العام نفسه أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية في 2024، وفرضت إجراءات عقابية مرتبطة بذلك.
وبعد ذلك جاءت تحقيقات “فرانس24” في أكتوبر/تشرين الأول 2025 لتقدم أدلة ميدانية ورقمية على استخدام الكلور في هجومين قرب مصفاة الجيلي في سبتمبر/أيلول 2024، بينها صور ومقاطع حُللت بمساعدة خبراء.
أما الوثائق الجديدة فتدفع القضية إلى مستوى أخطر كون الحديث لم يعد عن مادة كيميائية ظهرت في ساحة المعركة، وإنما عن بنية يُقال إنها شملت الإنتاج والتخزين والاختبار. وبحسب “واشنطن بوست”، تتحدث الوثائق عن مواقع لإنتاج الرؤوس الحربية، واختبارات في مناطق صحراوية، وتحويل شحنات من الكلور كانت مخصصة لمعالجة المياه إلى الاستخدام العسكري.
وبذلك يصبح السؤال أكثر مباشرة: من أنشأ البرنامج؟ من موّله؟ من وفر له الحماية؟ ومن كان يعلم بوجوده داخل القيادة العسكرية؟
البرهان أمام مرآة المسؤولية
هنا تحديداً لا يعود البرهان قادراً على الاختباء خلف التسلسل العسكري أو إلقاء المسؤولية على ضباط أدنى رتبة، لأن المسؤولية القيادية في القانون الدولي لا تتوقف عند الشخص الذي أصدر أمراً مباشراً، وإنما تشمل أيضاً من امتلك سلطة فعلية على القوات وكان يعلم، أو كان ينبغي له أن يعلم، بارتكاب الجرائم أو الاستعداد لارتكابها، ثم لم يتخذ الإجراءات اللازمة لمنعها أو معاقبة المسؤولين عنها. وهذا هو جوهر المادة 28 من نظام روما الأساسي.
لذلك تصبح الاتصالات التي تتحدث عنها الوثائق شديدة الأهمية. فإذا ثبت بصورة مستقلة أن البرهان كان على علم ببرنامج الأسلحة الكيميائية أو بمسؤولين يديرونه، فإن مساحة المناورة السياسية أمامه تضيق بصورة كبيرة. وإذا ثبت كذلك أنه تلقى معلومات عن إزالة آثار مرتبطة بالبرنامج، فإن المسألة تنتقل من مجرد سؤال عن المعرفة إلى سؤال أشد خطورة يتعلق بما جرى بعد ظهور الاتهامات.
في هذه الحالة، لن يكون كافياً أن يقول البرهان إنه لم يصدر أمراً باستخدام الكلور لأن المعيار الذي يواجهه يتعلق أيضاً بما إذا كان قد مارس سلطته لمنع الجريمة والتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها.
لجنة التحقيق تحت المجهر
الأكثر إثارة للجدل إعلان البرهان في مايو 2025 تشكيل لجنة للتحقيق في الاتهامات، فيما تشير الوثائق التي راجعتها “واشنطن بوست” إلى إدراج طارق مدني، الذي تصفه المصادر الاستخباراتية بأنه أحد أبرز المسؤولين عن البرنامج، في اللجنة نفسها بسبب “خبرته”. كما أعلنت السلطات السودانية لاحقاً عدم العثور على دليل على تلوث كيميائي أو إشعاعي.
إذا صحت هذه الوقائع، فإن لجنة التحقيق نفسها تصبح جزءاً من المشكلة التي يفترض أن تحقق فيها. فكيف يمكن الوثوق بتحقيق داخلي في اتهامات تطال المؤسسة العسكرية إذا كانت آلية التحقيق تضع بين المشاركين فيها شخصاً يُتهم أصلاً بالارتباط بالبرنامج؟
وهنا لا يعود مقبولاً أن تُستخدم اللجان الداخلية كبديل عن التحقيق الدولي المستقل. فالبرهان لا يستطيع أن يكون في الوقت نفسه قائد مؤسسة محل الاتهام، وصاحب القرار في التحقيق، ثم يطلب من المجتمع الدولي اعتبار النتائج الداخلية حكماً نهائياً.
إذا كانت السلطات السودانية واثقة من عدم وجود برنامج كيميائي أو استخدام للكلور، فالمسار الأبسط لإسقاط الاتهامات هو فتح الباب أمام التحقيق الدولي، لا الاكتفاء بالنفي أو بإجراءات داخلية تقع تحت سلطة المؤسسة نفسها.
السودان أمام اختبار دولي
يقف المجتمع الدولي أمام ملف لم يعد من السهل التعامل معه بوصفه ادعاءً إعلامياً. فهناك اتهامات أمريكية رسمية، وتحقيقات صحفية سابقة، وأدلة ميدانية ورقمية، ثم وثائق جديدة تتحدث عن برنامج أكثر تنظيماً واتساعاً.
وهذا يضع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أمام مسؤولية واضحة في الدفع نحو تحقيق مستقل وشفاف. السودان طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وبالتالي فإن المسألة ليست شأناً داخلياً يمكن إغلاقه ببيان من السلطات السودانية.
أما البرهان، فسيصل إلى نيويورك في وضع مختلف تماماً عن الصورة التي يريد تقديمها. سيظهر أمام المجتمع الدولي كقائد لمؤسسة عسكرية تتراكم حولها اتهامات خطيرة، لا كطرف سياسي يستطيع الاكتفاء بتقديم روايته للحرب ومطالبة الآخرين بالتسليم بها باعتبارها الحقيقة الوحيدة.
هنا تحديداً تصبح منصة الأمم المتحدة اختباراً للبرهان قبل أن تكون منبراً له، فلم يعد ممكناً اختزال القضية في سؤال عما إذا كان الرجل قد أمر شخصياً بإلقاء قنبلة كلور. السؤال الأهم هو ما إذا كان، بوصفه قائد الجيش، قد عرف بوجود برنامج محظور داخل مؤسسته، وماذا فعل عندما ظهرت الاتهامات، وما إذا كانت إجراءات التحقيق التي أشرف عليها تهدف فعلاً إلى كشف الحقيقة أم إلى احتواء تداعياتها.















