لبنان

شركاء “يبيعون أسهمهم” في الوطن!

جمال بدومة
جمال بدومة

هناك مقولة طريفة يتندَّر بها اللبنانيون كلّما التقوا أجنبيًا يحبّ “التبولة”، ويحاول استيعاب الوضع في بلاد الأرز: “إذا شرَح لك أحدٌ ما يجري في لبنان وفهمْتَ، معناه أنه لم يحسن الشرح !”

لكي تفهم لبنان عليك أن تحصل على دكتوراه في جامعة لم تُشيّد بعد، وأن تكون ملمًّا بالمنطق والفلسفة والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والرياضيات لعلك تستطيع الإحاطة بمفارقات البلد، الذي لم يفقد سحره رغم كل ما تجرّعه من أزمات ومحن.

في الوقت الذي تشتد فيه الأزمة الاقتصادية ويتفاقم التضخم، لا يجد عشاق السَّهَر مكانًا في المطاعم والعلب الليلية، وفي الوقت الذي تتفاوض فيه الحكومة مع إسرائيل، يستمر القتال في الجنوب، وبينما تكتظ المسارح والمهرجانات بالجمهور ينام عشرات الآلاف من النازحين في الخيام، وفيما يستبيح نتنياهو شرف البلاد يُنظم لبنانيٌ حفل عشاء على شرفه في واشنطن… ووسط كل هذه المتناقضات، يفاجئنا المجلس النيابي بقرارين تاريخيين: إلغاء عقوبة الإعدام، وقانون عفو عام لحلّ مشكلة اكتظاظ السجون!

إذا كان إلغاء عقوبة الإعدام سابقة في الشرق الأوسط، فإن قانون العفو العام سابقة في تاريخ الدول الحديثة، بكلّ بساطة. الفلسفة التي ينهض عليها تستحق أن تُدْرَس وتُدَرَّس (في الجامعة التي لم تُشَيد بعد): سنطلق سراح المجرمين لأننا لا نتوفر على أمكنة نضعهم فيها. معادلة منطقية جدًا، لأن لبنان بلد صغير، لا تتجاوز مساحته عشرة آلاف وخمسمائة كيلومتر، وبالنظر إلى عدد المطاعم والبارات وأماكن السهر وعيادات التجميل وقصور الزعماء ومخازن السلاح والأراضي التي يحتلها النازحون وتلك التي تحتلها إسرائيل… من الطبيعي ألا يجد اللبناني مكانا يمدّ فيه رجليه، ومن المنطقي أن تفتش الدولة عن حلول لمواجهة انكماش مساحة البلد. ومادامت الحكومة عاجزة عن تحرير الأرض التي تحتلها إسرائيل، لا بأس أن تحرر السجون التي يحتلها المعتقلون. في النهاية، الجميع يعرف أن عدد المجرمين الأحرار أكثر من عدد المجرمين المسجونين، وإذا كنا لا نستطيع وضع الكلّ وراء القضبان، لماذا نظلم فئة دون غيرها؟ 

قانون العفو العام ينهض على فكرة المساواة بين جميع اللبنانيين من كل الطوائف، وعدم التفريق بين صغار المجرمين وكبارهم، إما أن نعتقل الجميع أو نخلي سبيل الجميع!

في بلاد يسود فيها الاحتقان الطائفي، واليأس من المستقبل، من حسنات العفو العامّ أنه يحيي الأمل لدى تجار الحشيش ولصوص المصارف والعملاء الذين فرّوا لإسرائيل والإرهابيون الذين تجرأوا على الجيش… ويعيد لكل طائفة مجرميها، كي تستمر “الشراكة في الوطن”، رغم أن البعض يريد بيع أسهمه، فيما يغني آخرون مع العبقري الراحل زياد الرحباني:

“هاي بلد؟ 

لأ مش بلد

هاي قرطة عالم مجموعين

مجموعين؟ 

لأ مطروحين

لأ مضروبين

لأ مقسومين…”

لكن السجن أحيانًا يكون حماية وليس عقابًا. عندما يرى اللبناني “المعتّر” حجم المبالغ التي نهبها حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، ليس مستبعدًا أن يركض إلى مستشفى ضهر الباشق، حيث يرقد متحججًا بالمرض، ويخنقه حتى الموت، خصوصًا إذا كان ممن فقدوا “تحويشة العمر” في أزمة المصارف. 

النائب العام الاستئنافي في بيروت ادعى على رياض سلامة بجرائم الاحتيال وإساءة الأمانة والغشّ والإثراء غير المشروع وتبييض الأموال، وأحال ملفه على قاضي التحقيق، يومًا واحدًا قبل أن يصدر البرلمان قانون العفو العام، وليس من المستبعد أن “يزمط” حاكم المصرف من العقاب.

على كل حال، الاعتقال في هذه الحالة حفاظ على سلامة سلامة، الذي لم يكتف بتبديد أرصدة المودعين، بسبب سوء التدبير، بل يشتبه أنه حوّل مبالغ ضخمة لحسابه الخاص، تصيب أرقامها بالدوار. تصور أن تستيقظ ذات يوم وتكتشف أنك فقدت كل ما وضعت في البنك من مدخرات، وأنها أصبحت في حساب أشخاص آخرين من بينهم حاكم المصرف نفسه. تنام غنيًا وتفيق مُعدمًا، وكل ذنبك أنك وثقت في البنك وصدقت أن هناك دولة تحميك. موقف قد يتسبب في الموت أو الجنون أو الإقدام على أفعال لا تُحمد عقباها. نتذكر سالي حافظ، الشابة التي حملت مسدسًا ودخلت إلى “بلوم بنك” في بيروت، كي تستعيد نقودها بالقوة من أجل علاج أختها المريضة بالسرطان، ونجحت في أن تستخرج مبلغ 13 ألف دولار، رغم أن المسدس كان بلاستيكيًا، لا شيء يمنعها اليوم -هي أو غيرها- من حمل مسدس حقيقي والتوجه إلى مستشفى ضهر الباشق.

لا نعرف إذا ما كان القضاء سيُخلي سبيل رياض سلامة بموجب قانون العفو العام، لكنّ المؤكد أنه لن “يُعدم” مثل آلاف البسطاء، الذين ماتوا كمدًا بسبب ضياع مدخراتهم أو قضوا لأنهم لم يستطيعوا سحب نقودهم لدفع مصاريف العلاج.

المؤكد أيضًا أن بعض الفرقاء يغيِّرون تحالفاتهم بأسرع مما يغيِّرون “كلساتهم”، وإذا تتبعت المشهد السياسي وتقلباته في لبنان، “مش حتقدر تغمض عينيك”… أما إذا كنت تعيش هناك فلن تستطيع إغماضهما بسبب المسيرات التي لا تتوقف عن اختراق الأجواء، وتذكّرك أن البلد مازال في حالة حرب!