"تهافت التهافت" (النسخة المعدّلة 2.0)

حين يصبح التفكير مرادفًا للتكفير.. الجزائر تعلن الحرب على سقراط!

عثمان تزغارت
عثمان تزغارت

مع إعلان قرار إلغاء تدريس الفلسفة من مناهج التعليم في الجزائر، لا بد أن سقراط ابتسم في قبره. ليست ابتسامة المنتصر، بل ابتسامة السخرية. فالرجل حُكم عليه بالموت قبل ألفين وأربعمائة عام بتهمة إفساد عقول الشباب، وإذا به يكتشف أن هذه التهمة البلهاء ما تزال صالحة للاستعمال في القرن الحادي والعشرين!

بالرغم من أن البشرية قطعت أشواطًا هائلة من التطور في مجالات العلوم المختلفة، من الذكاء الاصطناعي، إلى استكشاف المريخ، مرورا بالحوسبة الكمية، إلا أن بعض أصقاع الأرض ما تزال تصرّ على خوض تلك المعركة السخيفة نفسها التي خاضها فقهاء القرون الوسطى وعصور الانحطاط ضد حرية التفكير والسؤال. فالخوف من الفلسفة لم يكن يومًا خوفًا من تيار فكري محدّد أو من كتب بعينها، بل خوفًا من أن يمتلك العقل مفاتيح من شأنها أن تخوّله أن يسأل: لماذا؟

الإنصاف يقتضي التنويه بأن معاداة الفلسفة ليست اختراعًا جزائريًا مستجدّا. إنها إرث متجذّر يمتد عميقًا في تاريخ الحضارة الإسلامية، منذ اشتعل الصراع بين أهل النقل وأهل العقل. يومها لم تشفع للفلاسفة كل الآيات القرآنية التي تحث على التدبر والتفكر والتعقل، لأن المشكلة لم تكن في النصوص، بل في حرّاس المعبد الذين يرعبهم أن يتحول الإنسان من حافظ مطيع إلى كائن مفكّر يرشق يقينياتهم بحصى النقد.

يكفي أن نستعيد ما ورد في فتاوى ابن الصلاح بأن “المنطق مدخل الفلسفة، ومدخل الشر شر”! ولابن الصلاح نفسه مقولة شهيرة حمقاء مفادها أن “من تمنطق تزندق”. ولم يكن أبو حامد الغزالي ببعيد عن هذا الضرب من “التمنطق”، حين شن أشهر هجوم في التاريخ على العقل النقدي، عبر كتابه “تهافت الفلاسفة”. والمفارقة أنه لم يجد من وسيلة لمهاجمة الفلاسفة إلا باستعمال أدواتهم! فالرجل اضطر إلى التفلسف كي ينتقد الفلسفة، مؤكّدًا، من حيث لا يدري، مقولة سقراط الخالدة: “كل هجوم على الفلسفة هو في حقيقة الأمر تفلسف”.

لم تتوقف جناية الغزالي على العقل والمنطق عند حدود انتقاد الفلاسفة وتكفيرهم، فقد ألّف أيضًا كتابا بعنوان “إلجام العوام عن علم الكلام”، جاهر فيه بالدعوة إلى “السكوت عن السؤال”، بحجة أن السؤال قد يوقع صاحبه في الحيرة، وربما في الكفر. وكأن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمع ليس الجهل، بل الرغبة في الفهم!

ومن عجائب الدهر أن العرب والمسلمين كلما أرادوا إقناع الغرب بأنهم ليسوا معادين للعقل، أشهروا في وجههم رمزية ابن رشد بوصفه أيقونة التنوير والعقلانية. بالطبع صورة ابن رشد وفكره يصلحان للتباهي أمام بقية شعوب الأرض، لكن ذلك لا ينطبق على أبناء “خير أمة أُخرجت للناس”، إذ تقوم القيامة كلما حاول تلميذ أن يمارس شيئًا من “الرشدية” داخل قسم دراسي.

في الجزائر، حيث للسلطات باع طويل في علم التجهيل والتتفيه، لم تعد الإشكالية المطروحة متعلقة بأسلوب تدريس الفلسفة، ولا في مناهجها، بل في وجودها ذاته. فقد قرّر ورثة فقهاء الانحطاط، المتحدّرين من سلالة تغليب النقل على العقل، التخلص جذريا من سقراط وكل من خرج من معطفه من فلاسفة ومفكرين. فإذا كان إفعال العقل مصدرًا لوجع الدماغ، فلماذا لا نسدّ الباب الذي تأتي منه الريح، و… نستريح!

هكذا تفتقت عبقرية هؤلاء عن قرار تاريخي غير مسبوق يقضي بإلغاء مادة الفلسفة تماما من مناهج التعليم. وهو قرار بالغ الحكمة يصب، بكل تأكيد، في خدمة الصالح العام، لأنه يندرج ضمن حرص السلطات على سعادة الشعب. فكما هو معروف، “ذو العقل يشقى”، فيما “أخو الجهالة ينعم”.. في قصر المرادية!   

يجهل أصحاب هذا القرار (ضمن كثير مما يجهلون) أن حرقة السؤال لا يمكن إطفاؤها بإلغاء تدريس الفلسفة، وأن العقل لا يُلجم بإغلاق أبواب المعرفة. فقد وُجدت الفلسفة قبل ابتكار المدرسة، وستبقى بعد اختراع “تيك توك”.

كل معركة من هذا القبيل تستهدف العقل هي معركة خاسرة بحكم الحتمية التاريخية. إلا إذا كشف لنا الدهر، ضمن أعاجيب ما يكشف، بأن وزارة التعليم الجزائرية قادرة على أن تنجح حيث فشلت محاكم التفتيش! 

الفلسفة لا تسكن الكتب المدرسية، بل تولد مع الإنسان وتنمو معه وبداخله. فما إن يبدأ طفل بسؤال أمه: “كيف؟” و”لماذا؟”، حتى يكون قد شرع في تلقي أول درس في الفلسفة، قبل أن يتعرّف على سقراط أو أفلاطون أو ابن رشد.

لهذا السبب تحديدا لم تنجح كل قرون المطاردة وصنوف الاضطهاد في قتل الفلسفة. مات سقراط وبقي السؤال. أُحرقت الكتب وبقي الشكّ. وكُفّر الفلاسفة لكن العقل النقدي بقي شامخًا، لأنه هو الذي “يميّزنا عن الأقوام المتوحشين”، على رأي ديكارت.

أما وزارة (منع) التعليم الجزائرية، التي تريد حظر  تدريس الفلسفة، معتقدة بأن إنتاج مواطن صالح يقتضي إلغاء حرية التفكير، فإنها أشبه بطبيب يقرّر علاج الصداع بقطع رأس المريض!