"كتاب حياتي يا عين"

السيرة الذاتية في زمن الذكاء الاصطناعي!

جمال بدومة
جمال بدومة

هناك مفارقة قديمة، قِدَم نرجس، الذي أعجبته صورته المنعكسة في النهر، وظل يتأملها بافتتان حتى مات، وترك لنا نعت “النرجسية” العابر للحقب والأجناس: التافه يعتقد دائما أن حياته مهمة، ولا بدّ أن يتقاسمها مع الآخرين، سواء على وسائل التواصل الاجتماعي، حين ينشر صوره وأخباره ويومياته، أو عبر كتابة سيرته الذاتية، إذا كان السخيف من “درجة كاتب”، أما العظماء فيعتبرون عبورهم عادياً بين البشر، والأفكار عندهم أهمّ من الأشخاص، لذلك قال واحد منهم قبل عدة قرون:
“وتكبر في عين الصغير صغارُها
وتصغر في عين العظيم العظائم”

هكذا كان العالم دائما: كبار وصغار، عمالقة وأقزام، عباقرة وأغبياء، وكما يقول المثل الفرنسي: “يلزمنا من كل صنف عيّنة كي نصنع عالما”..

بالعودة إلى نرجس، تنطوي كتابة السيرة الذاتية على غير قليل من الادعاء، لذلك يتهيّب كثيرون من خوض المغامرة، خصوصاً كبار الشخصيات، الذين يملكون فضيلة اسمها “التواضع”، سواء كانوا كتاباً أو يشتغلون في مجالات أخرى. هل لديك حقاً أشياء مهمة تستحق أن تروى للآخرين؟ 

– أجل، يجيبك السخيف الظريف، بنزق مراهق. 

– لا شيء مهمّ، يردّ الحكيم العظيم، بتواضع الكبار.

التافهون يعتقدون أن حياتهم مَنجَمٌ من الحِكَم والعبر والدروس الذهبية، ولا بدّ أن يكتبوا سيرتهم الذاتية كي يتعرف عليها الآخرون، كأنهم أُرسِلوا لإغراق العالم بالرداءة. بعض “الأدباء” يبدأون حياتهم الإبداعية بكتابة سيرتهم الذاتية، رغم ضحالة تجربتهم وتواضع عتادهم الإبداعي، ينسون أن غارسيا ماركيز قبل “عشتُ لأرويها”، كتب “مائة عام من العزلة و”الحب في زمن الكوليرا” و”ليس للكولونيل من يراسله”… وأنه في النهاية غارسيا ماركيز. الكبار يبدعون حين يكتبون عن حياتهم، سواء كانوا كتّاباً أو يشتغلون في مجالات أخرى، والأشجار وحدها تتأثر حين ينشر الصغار سيرهم السخيفة، لأنهم يضيِّعون الورق المستخلص من جذوعها، ويساهمون في إبادة الغابات، لا أقل ولا أكثر.

المشكلة اليوم أننا غرقنا في عصر التفاهة، وحتّى إذا اعتبرت أن حياتك سخيفة لا تستحق أن تُرْوى، ستجد من يكتبها بدلاً عنك، ويسلمها لدار نشر، كي يحقّق أرباحا على ظهرك… ذلك بالضبط ما حدث للصحافية الأمريكية كشمير هيل، التي اكتشفت صدفة أن سيرتها الذاتية صدَرَتْ في كتاب، رغم أنها لا تعتبر نفسها “ضرطة كبيرة”، ولم يسبق لها أن فكرت في الكتابة عن حياتها، ولم يتصل بها أحد كي يخبرها بأنه ينوي تأليف بيوغرافيا عنها!

بدأت القصة حين توصلت هيل برسالة عتاب من صديقة، تحب التفاهة، تلومها لأنها لم تتقاسم خبر صدور كتابها على حسابها في فيسبوك… أيّ كتاب؟ حين فتشت على محركات البحث، وجدت فعلاً أن سيرتها الذاتية صَدَرَتْ في كتاب من 90 صفحة بتوقيع شخص يدعى جون كرين ميلر، ويباع على “أمازون” ب27 دولاراً، وهي آخر من يعلم، مع حرية الاختيار: كتاب رقمي أو ورقي يصلك حتى  البيت.

رغم أن هيل صحافية تشتغل في “نيويورك تايمز”، ويفترض أن التواصل معها في غاية السهولة، فلا الكاتب ولا الناشر ولا الموزع تجشموا عناء إخبارها بمشروع الكتاب. المفاجأة لم تقف عند هذا الحد، حين اقتنت زميلتنا “سيرتها الذاتية” وطالعت فصولها بفضول، اكتشفت أنها تروي حياةً وهمية، بكثير من الركاكة، تعتمد على عموميات ومعلومات متاحة على الأنترنت، وتنسب إليها أشياء لم تحدث في يوم من الأيام…

وبعد تحقيق استغرق عدة أسابيع، اكتشفت الصحافية أن المدعو جون كرين ميلر، يستعين بالذكاء الاصطناعي كي ينتج بضاعته المزيفة ويروجها، وأنه نشر 10 سير ذاتية لصحافيين مثلها في أسبوع واحد!

لم تتمكن هيل من الوصول إلى كاتب سيرتها المحتال، لكنها استطاعت أن تستقي شهادة “زميل” له، اسمه بيل جونز، أقدم على 445 “جريمة” في أقلّ من عام، أي أنه أصدر 445 مؤلفاً في سنة واحدة، تتراوح بين السير الذاتية لبعض المشاهير، وغريبي الأطوار، ومؤلفات في التاريخ والجغرافيا ومواضيع أخرى مختلفة، وكلها تباع على “أمازون”. في الوقت الذي يقضي فيه البعض أربعين سنة في التحضير لكتاب واحد، ويموت قبل أن يدبج مقدمته!

التحقيق الذي نشرته الصحافية على أعمدة “نيويورك تايمز” يرسم بورتريهاً طريفاً للمؤلف المحتال: بيل جونز حصل على التقاعد وطلّق زوجته وتعاقد مع الذكاء الاصطناعي. أصبح يقضي كل وقته مع “شات جي بي تي”، يؤلف كتباً عن حيوات وهمية لأشخاص حقيقيين، يعرضها على “أمازون”، ويتقاسم مع المنصة الرأسمالية الأرباح، نكاية في الكتابة والصحافة والسيرة الذاتية. 

في انتظار أن يتولى الذكاء الاصطناعي تحصيل الأرباح، لكي يصبح جونز متفرغاً تماماً لمقابلة الصحافيين والحديث عن “مؤلفاته” العظيمة!