لم يكن اختيار جان لوك ميلانشون مدينة سان دوني لإطلاق حملته الرئاسية الجديدة مجرد تفصيل تنظيمي في روزنامة انتخابية مبكرة. المكان نفسه بدا جزءاً من الرسالة. سان دوني، بما تحمله من كثافة اجتماعية، وتنوع سكاني، وحضور قوي لأبناء الهجرة والطبقات الشعبية، تحوّلت في خطاب زعيم “فرنسا الأبية” إلى مختبر سياسي لما يسميه “فرنسا الجديدة”. وهذا التعبير ليس شعاراً عابراً، بل محاولة لإعادة تعريف القاعدة الاجتماعية التي يمكن أن تحمل اليسار الراديكالي إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية المقبلة.
في العمق، يتعلق الأمر بتحول في لغة اليسار الفرنسي تجاه العلمانية، والهوية، والتمثيل، أكثر من مجرد تحول انتخابي. ميلانشون، الذي قدّم نفسه لفترة طويلة وريثاً للخط الجمهوري الكوني القائم على المواطن لا الجماعة، وعلى العلمانية بوصفها إطاراً جامعاً لا أداة فرز ثقافي، بات يتبنّى خطاباً أكثر التصاقاً بتجارب الأحياء الشعبية، وبأسئلة التمييز، والعنصرية، والإسلاموفوبيا، وعنف الشرطة، وتمثيل أبناء الهجرة داخل المؤسسات.
هذا التحول يفتح سؤالاً مركزياً: هل يعيد ميلانشون توسيع معنى الجمهورية لتشمل واقع فرنسا كما صارت، أم أنه يدفع اليسار إلى منطقة رمادية بين العدالة الاجتماعية وسياسة الهوية؟
فرنسا الجديدة
تكشف حملة جان لوك ميلانشون تحوّلاً جديداً داخل اليسار الفرنسي، ومأزقاً في خطابه الهوياتي؛ فزعيم “فرنسا الأبية” لم يعد يثير قلق اليمين الجمهوري وحده، بل أثار تحفظات أيضاً داخل جزء من الفضاء اليساري نفسه.
المشكلة ليست في أن ميلانشون يخاطب أبناء الضواحي أو الفرنسيين من أصول مهاجرة. فهذا حق سياسي طبيعي، بل ضرورة ديمقراطية في مجتمع تغيّرت تركيبته السكانية والاجتماعية. المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الخطاب من دفاع عن المساواة المدنية إلى هندسة انتخابية قائمة على استدعاء الهويات، وتقديمها كبديل عن الفكرة الجمهورية الجامعة.
اليسار العلماني الكوني لا ينكر التمييز، ولا يتجاهل عنف التهميش، ولا يبرر استخدام العلمانية ضد أبناء المهاجرين. وفي الوقت نفسه، لا يقبل تحويل السياسة إلى تجميع شكاوى جماعية منفصلة، ولا يستبدل المواطن الفرد بجماعات انتخابية تُخاطَب وفق الأصل والدين والذاكرة والمرارة. هنا تحديداً يبتعد ميلانشون عن تقليد يساري جمهوري، ويقترب من صيغة أكثر اتصالاً بيسار الهوية؛ يسار يرفع شعار العدالة، لكنه يخاطر بتفكيك القاعدة التي تجعل العدالة ممكنة: المواطنة المشتركة.
اختيار سان دوني لإطلاق خطاب “فرنسا الجديدة” يمكن قراءته بوصفه اختياراً رمزياً محسوباً. فالمدينة تصلح لكل ما يريد ميلانشون قوله: فرنسا الشابة، المتعددة، الفقيرة، الغاضبة، والمهمشة. لكنه، في المقابل، يحمّل المكان وظيفة انتخابية واضحة. الضواحي هنا لا تظهر فقط كمساحة تحتاج إلى سياسات عامة أفضل، بل ككتلة سياسية مطلوب تعبئتها في مواجهة “فرنسا قديمة” مفترضة. وبذلك يتحول سؤال العدالة الاجتماعية إلى سؤال هوية: من يمثل فرنسا؟ ومن يملك حق تعريفها؟
هذا التحول هو ما أثار قلق أوساط داخل اليسار الفرنسي من استراتيجية “فرنسا الجديدة”، إذ يبدو أن ميلانشون دفع استخدام الهوية إلى حد جعل حتى بعض المتعاطفين مع قضايا التمييز يخشون من النتيجة السياسية.
الهوياتية الجديدة
جوهر الأزمة، أن ميلانشون يغير لغته، فضلاً عن إعادة ترتيب أولويات اليسار. ففي النموذج اليساري العلماني الكوني، تكون المعركة ضد اللامساواة خللاً في توزيع الحقوق والفرص والموارد، أما في النسخة الهوياتية الجديدة، فتتحول إلى صراع اعتراف بين كتل اجتماعية وثقافية. والفرق ليس لغوياً؛ الأول يبني دولة ومؤسسات وسياسات عامة، أما الثاني فيبني تعبئة انتخابية مشحونة، لكنه يترك سؤال الدولة بلا جواب واضح.
لا يعني ذلك أن الجمهورية الفرنسية بريئة من التناقض. فقد استُخدمت العلمانية، في محطات كثيرة، كأداة ضغط ثقافي على شرائح معينة، وكغطاء لتمييز اجتماعي لا يُسمّى باسمه. لكن الرد على هذا الخلل يكون باستعادة الكونية العلمانية من الذين حوّلوها إلى أداة فرز، لا تفكيكها. المطلوب، يسار يدافع عن حياد الدولة، لا عن حياد زائف يستهدف فئة دون أخرى، ويدافع عن المساواة، لا عن محاصصة رمزية بين الهويات.
هنا يظهر الفارق بين اليسار العلماني الكوني ويسار الهويات. الأول يقول إن المواطن يجب أن يُحمى من التمييز لأنه مواطن، لا لأنه ينتمي إلى جماعة بعينها. أما الثاني فيميل إلى مخاطبة المواطن عبر جماعته، ثم يطلب من الدولة أن تعترف بتلك الجماعات كمدخل للعدالة. هذه ليست تفصيلة نظرية؛ إنها معركة على معنى السياسة نفسها: هل هي بناء مشترك، أم إدارة توازنات بين هويات غاضبة؟
يراهن ميلانشون على أن هذا التحول سيمنحه كتلة انتخابية قادرة على اختراق الاستحقاق الرئاسي. وربما تكون حساباته صحيحة جزئياً. الأحياء المهمشة قادرة على تغيير موازين الانتخابات إذا تحولت من الامتناع والغضب إلى المشاركة المنظمة. لكن السؤال الأخطر هو الثمن السياسي لهذا الرهان. هل يستطيع اليسار أن يكسب أصواتاً جديدة من دون أن يخسر لغته الجامعة؟ وهل يمكنه أن يدافع عن ضحايا التمييز من دون أن يجعل الهوية بوابة الدخول إلى السياسة؟
أزمة اليسار
لا يكشف خطاب “فرنسا الجديدة” قوة ميلانشون بقدر ما يكشف أزمة اليسار الفرنسي. فحين يعجز اليسار عن صياغة مشروع اجتماعي كوني قادر على مخاطبة العمال، والضواحي، والطبقة الوسطى، والشباب، والمهاجرين ضمن أفق واحد، يلجأ إلى الاختصار الأسهل: مخاطبة كل كتلة بما يؤلمها. هذه طريقة فعالة في التعبئة، لكنها خطرة في الحكم. فهي تنتج ناخبين غاضبين، لا بالضرورة مواطنين داخل مشروع مشترك.
المفارقة أن هذا المسار لا يبرّئ انحيازات يسار النخبة، لكنه يكشف أن ميلانشون ذهب بعيداً بما يكفي لإرباك حتى هذا الوسط. وإذا كانت فرنسا، التي طالما احتضنت مفردات التقدمية الثقافية، تجد صعوبة في ابتلاع استراتيجية “فرنسا الجديدة”، فالمعنى واضح: الرجل لم يعد فقط على يسار الجمهورية؛ بل بدأ يبتعد عن فكرتها الجامعة، مقترباً من سياسة تعبئة هوياتية قد تمنحه ضجيجاً انتخابياً، لكنها لا تبني دولة.















