قبل عام، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “تعليقاً مؤقتاً” لجميع المساعدات الخارجية الأميركية لمدة 90 يوماً، في خطوة طُرحت آنذاك كإجراء إداري يهدف إلى “مراجعة الكفاءة والجدوى”. غير أن ما بدا وقفة عابرة سرعان ما تحوّل إلى تغيير جذري في سياسة المساعدات، مع قرار الإدارة الاستغناء عن نحو 83% من مشاريع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID).
لم يكن ذلك التحول مجرد إعادة ترتيب بيروقراطية، بل مثّل نقطة انعطاف عميقة في واحدة من أكبر شبكات الدعم الإنساني والتنموية في العالم، تاركاً آثاراً مباشرة وغير مباشرة على ملايين الأشخاص في مناطق الأزمات والنزاعات.
مع صدور قرار التجميد، دخلت منظمات الإغاثة وشركاء التنفيذ المحليون والدوليون في حالة من الارتباك. فالمشاريع المعتمدة على التمويل الأمريكي، ولا سيما في قطاعات الصحة والغذاء والتعليم والمياه، وُضعت فجأة في حالة انتظار مفتوحة.
في الأسابيع الأولى، لم تتوقف العمليات كلياً، إلا أن غموض الاستمرارية دفع عدداً كبيراً من المنظمات إلى تقليص أنشطتها، وتسريح موظفين محليين، وتأجيل خطط طوارئ كانت مخصصة لدول هشة ومناطق نزاع. وبالنسبة للعاملين في الميدان، لم يعد الخطر سياسياً أو مالياً فقط، بل طال جوهر العمل الإنساني اليومي وقدرته على الاستجابة.
مشاريع خارج الخدمة
بعد أيام قليلة، جاء القرار الحاسم: إلغاء أو إنهاء ما يقارب 83% من مشاريع USAID. لم تعد المسألة مراجعة مؤقتة، إنما إعادة تعريف لدور الولايات المتحدة في العمل الإنساني العالمي.
شمل قرار الإلغاء طيفاً واسعاً من البرامج الحيوية التي كانت تمولها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، بدءاً من مشاريع الصحة العامة المرتبطة بمكافحة الأمراض المعدية ورعاية الأمهات والأطفال، مروراً ببرامج الأمن الغذائي في الدول التي تعاني المجاعة أو الهشاشة المزمنة، وصولاً إلى مبادرات التعليم، ولا سيما تلك الموجهة لدعم تعليم الفتيات في مناطق النزاعات. كما طالت التخفيضات برامج دعم اللاجئين والنازحين التي توفر خدمات الحماية والمأوى والمياه الأساسية. وأدى هذا الانسحاب المفاجئ للتمويل إلى توقف شبه فوري للعديد من الخدمات الإنسانية والتنموية في مناطق مختلفة حول العالم، في وقت لم تكن فيه بدائل تمويلية أو جهات مانحة أخرى مستعدة لتعويض الفجوة الناجمة عن غياب الدعم الأمريكي.
الكلفة البشرية: أرقام صامتة وواقع قاسٍ
بعد مرور عام، بات بالإمكان رصد الكلفة الإنسانية لهذه القرارات. ففي عدد من الدول الإفريقية والآسيوية، أدى توقف برامج الصحة إلى انخفاض معدلات التطعيم، وتعطّل حملات الوقاية من الملاريا وسوء التغذية. وفي مناطق أخرى، ارتفعت نسب انعدام الأمن الغذائي نتيجة توقف الدعم اللوجستي والمالي لسلاسل توزيع الغذاء.
وبحسب تقديرات موقع “إمباكت كاونتر” الذي أسسه باحثون من جامعة بوسطن لتقدير التداعيات الفعلية للبرامج الإنسانية والاجتماعية، تسببت اقتطاعات برامج “USAID” بأكثر من 750 ألف وفاة حول العالم، من بينهم 500 ألف طفل. وكان أكثر من 70 ألفا من هذه الوفيات نتيجة الملاريا، و48 ألفا بسبب السلّ. فيما كانت جهود مكافحة فيروس نقص المناعة المكتسب/الإيدز الأكثر تضرراً، مع تسجيل 170 ألف وفاة.
وتقدّر كلفة المساعدة في مكافحة الإيدز، والسل، والملاريا، بنحو 2000 إلى 5000 دولار لكل حياة تُنقذ. بالطبع، يصعب التحديد بدقة مدى انخفاض الإنفاق على المساعدات الأمريكية في 2025، ما يعزز المخاوف المرتبطة بضعف الإدارة وغياب شفافية المحاسبة.
وكانت واشنطن قد اقترحت في أحدث طلب ميزانية العام الماضي خفض تمويل البرامج الصحية من 10 مليارات دولار إلى 4 مليارات دولار، بما في ذلك تقليص الإنفاق على مكافحة الإيدز بنسبة 50%. ومع هذا، عدّلت أو تجاوزت قائمتها الأولية الموسّعة للمنح الملغاة، ليتدخل الكونغرس لاحقاً بهدف التخفيف الأثر السلبي على بعض البرامج الصحية.
ينبغي توسيع نطاق هذه البرامج لا تقليصها، إذ إن تخفيض المساعدات الصحية والإغاثة الإنسانية الطارئة سيؤثر على الأرجح بشكل غير متناسب على أفقر الناس في أفقر دول العالم، الذين قد تعجز حكوماتهم عن توجيه مواردها الشحيحة نحو هذه البرامج.
لكن الكلفة لا تُقاس بالأرقام فقط. فخلف كل مشروع أُلغي، كانت هناك مجتمعات فقدت شبكة أمان، وأفراد خسروا خدمات أساسية، وموظفون محليون فقدوا مصادر دخلهم في بيئات تندر فيها فرص العمل.
الأثر الجيوسياسي: تراجع النفوذ الأمريكي
لم تقتصر التداعيات على البُعد الإنساني فقط، بل حملت أبعاداً سياسية واستراتيجية. لطالما شكّلت المساعدات الخارجية أداة من أدوات النفوذ الأمريكي الناعم، خصوصاً في الدول النامية ومناطق التنافس الدولي.
ومع انسحاب برامج “USAID” من مساحات واسعة، برز فراغ سارعت قوى أخرى إلى ملئه، سواء عبر مساعدات مباشرة أو شراكات تنموية بديلة. هذا التحول أعاد طرح أسئلة حول موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي، وقدرتها على التأثير خارج الأطر العسكرية والاقتصادية الصلبة.
الدفاع عن القرار: “أمريكا أولاً”
دافعت إدارة ترامب عن هذه السياسة بوصفها جزءاً من نهج “أمريكا أولاً”، معتبرة أن المساعدات الخارجية تعاني من الهدر وسوء الإدارة، وأن تقليصها يخدم دافعي الضرائب الأمريكيين. في المقابل، يرى منتقدو القرار أن الوفر المالي قصير المدى قابله ثمن إنساني وسياسي مرتفع، تمثل في زعزعة استقرار مجتمعات هشة، وتقويض شراكات طويلة الأمد بُنيت على مدى عقود.
مرّ عام على القرار، ولا تزال آثار الوقفة المؤقتة ماثلة في الميدان. بعض البرامج لم يُستأنف، وأخرى عادت بنطاق أضيق، فيما اضطرت منظمات عديدة إلى إعادة هيكلة وجودها أو الانسحاب كلياً من مناطق كانت تعتمد فيها بشكل أساسي على التمويل الأمريكي.
السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بحجم الضرر، بل بالدروس المستفادة: هل يمكن إعادة بناء ما تهدّم؟ وهل ستعود المساعدات الأمريكية، ولا سيما الصحية منها، إلى لعب دورها التقليدي، أم أن ما حدث يعكس تحولاً دائماً في فلسفة واشنطن تجاه العمل الإنساني؟
في جميع الأحوال، يبقى العبء الأكبر واقعاً على كاهل الفئات الأكثر ضعفاً، التي وجدت نفسها فجأة خارج حسابات السياسات الكبرى.















