بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

السياسة والرياضة

أمريكا تختبر حدود الفصل بين الأمن والرياضة.. إجراءات صارمة تثير أزمة مبكرة في مونديال 2026

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

اعتاد العالم أن تنطلق حكاية كأس العالم لكرة القدم كل 4 سنوات من الملاعب والمدرجات وأروقة المؤتمرات الصحفية، لكن مونديال 2026 وجد نفسه منذ أيامه الأولى في قلب جدل مختلف، عنوانه المطارات ونقاط التفتيش ومكاتب الهجرة الأمريكية. فبدلاً من التركيز على المباريات والنجوم، تصدرت العناوين تقارير عن استجوابات مطوّلة ومنع دخول وإجراءات تفتيش مشددة طالت لاعبين وحكاماً ووفوداً رياضية، ما فتح نقاشاً واسعاً حول حدود الأمن وموقع السياسة في أكبر حدث رياضي عالمي.

تواجه السلطات الأمريكية والجهات المنظمة انتقادات متزايدة بسبب ما يعتبره منتقدون إجراءات تجاوزت المتطلبات الأمنية المعتادة، وأظهرت تناقضاً بين التزامات الدولة المستضيفة تجاه الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” وبين التطبيق الصارم لقوانين الهجرة والأمن الداخلي.

القضية الأكثر إثارة للجدل كانت تلك المتعلقة بالمهاجم العراقي أيمن حسين، أحد أبرز نجوم المنتخب العراقي، والذي خضع لاستجواب استمر قرابة سبع ساعات في مطار أوهير في شيكاغو قبل السماح له بالدخول. ولم تتوقف الحادثة عند هذا الحدّ، إذ أفادت تقارير بأن مصور المنتخب العراقي تعرض لاستجواب تجاوز عشر ساعات أيضاً انتهى بمنعه من دخول البلاد وإعادته على الرحلة نفسها التي وصل بها.

وعلى الرغم من عدم صدور توضيحات مفصلة من السلطات الأمريكية حول أسباب هذه الإجراءات، فإن الحادثة أثارت تساؤلات بشأن طبيعة المعايير المستخدمة في التعامل مع المشاركين في البطولة، ومدى انسجامها مع التسهيلات التي يفترض أن تُمنح للوفود الرياضية الرسمية.

السنغال وأوزبكستان.. تفتيش مُذل!

لم يكن المنتخب العراقي الوحيد الذي وجد نفسه في دائرة الجدل، فقد انتشرت مقاطع مصورة للاعبي منتخب السنغال أثناء خضوعهم لعمليات تفتيش وفحص أمني مباشرة على أرض المطار عقب وصولهم إلى الولايات المتحدة. وأظهرت المشاهد عناصر أمن يستخدمون أجهزة الكشف اليدوية لتفتيش اللاعبين وأمتعتهم في العراء، وهو ما وُصف بأنه تعامل “مُذل” لا يليق بوفد رياضي رسمي مشارك في بطولة عالمية، فيما اعتبر آخرون أن المشهد حمل دلالات رمزية سلبية بغض النظر عن قانونيته أو مبرراته الأمنية.

كما تعرض منتخب أوزبكستان لموقف مشابه عندما أظهرت لقطات مصورة أفراد البعثة وهم يصطفون لإجراءات تفتيش شملت فحص الحقائب والأفراد والاستعانة بكلاب بوليسية لدى وصولهم إلى أحد الملاعب التدريبية، في مشهد غير في المحافل الرياضية.

أفضل حكم إفريقي

لعل أكثر الوقائع حساسية تمثلت في منع الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان، أفضل حكم إفريقي لعام 2025، من دخول الولايات المتحدة على الرغم من حيازته جواز سفر دبلوماسي، وتأشيرة دخول سارية، واختياره رسمياً من قبل “الفيفا” لإدارة مباريات في البطولة. وذلك لأن السلطات الأمريكية عدّته ببساطة “غير مؤهل للدخول” لأسباب تتعلق بإجراءات التدقيق الأمني، من دون الكشف عن التفاصيل.

وكان أرتان يستعد ليصبح أول حكم صومالي يشارك في تاريخ كأس العالم، إلا أن حلمه انتهى عند الحدود الأمريكية، وداخل أحد مطاراتها، قبل أن يعود أدراجه مع خيبة أمل كبيرة. ما أثار انتقادات واسعة من مسؤولين رياضيين ومنظمات حقوقية ومتابعين، ليس فقط بسبب تأثير الحادثة على مسيرة الحكم المهنية، بل لأنها سلطت الضوء على التناقض المحتمل بين قرارات الجهات الرياضية الدولية وبين صلاحيات الدولة المستضيفة في التحكم الكامل بمن يدخل أراضيها. 

إيران وحالة عدم اليقين

لم تقتصر المشاكل على اللاعبين والحكام فقط، إذ كشفت تقارير عن رفض منح تأشيرات لعدد من المسؤولين والإداريين الإيرانيين المرتبطين بالمنتخب، الأمر الذي أجبر البعثة الإيرانية على تعديل ترتيباتها اللوجستية خلال البطولة.

كما اضطر المنتخب إلى نقل معسكره التدريبي في اللحظات الأخيرة من ولاية أريزونا الأمريكية إلى مدينة تيخوانا المكسيكية، التي وصلها قبل يومين قادماً من تركيا تمهيداً لخوض ثلاث مباريات في كأس العالم بالولايات المتحدة، وسط حالة من عدم اليقين بشأن إجراءات الدخول وتزايد المخاوف من تداعيات التوتر السياسي بين واشنطن وطهران. خطوةٌ عكست حجم الاحتياطات التي اتخذها الجانب الإيراني لتقليص وجود الفريق داخل الأراضي الأمريكية إلى الحدّ الأدنى الممكن.

كما تحدثت تقارير عن صعوبات واجهت جماهير ومسؤولين من دول أخرى في الحصول على تصاريح الدخول أو الحفاظ عليها، ما عزز الانطباع بأن اعتبارات الهجرة والأمن باتت جزءاً من المشهد المحيط بالبطولة.

واشنطن تدافع عن إجراءاتها

في المقابل، دافعت السلطات الأمريكية عن وجهة نظرها، لافتة بأن الانتقادات تتجاهل حقيقة أساسية تتمثل في أن استضافة بطولة رياضية لا تعني تعليق القوانين الوطنية أو منح استثناءات مفتوحة لأي شخص.

وتؤكد واشنطن أن جميع المسافرين يخضعون لإجراءات تدقيق أمني وهجرة متشابهة، وأن متطلبات الأمن القومي تبقى أولوية لا يمكن التنازل عنها حتى خلال الأحداث الدولية الكبرى.

ويشير مؤيدو هذا الموقف إلى أن الولايات المتحدة تستقبل ملايين الزوار سنوياً، وأن تطبيق المعايير الأمنية بشكل صارم لا ينبغي اعتباره موقفاً سياسياً أو استهدافاً لجنسية معينة ما لم تتوافر أدلة واضحة على ذلك.

المشكلة في كيفية تطبيق الأمن

لا يتركز جوهر الانتقادات على حق الدولة في حماية حدودها، بل على الكيفية التي جرى بها تطبيق تلك الإجراءات، إذ إن المشاركين في البطولة ليسوا أفراداً عاديين يسافرون لأغراض شخصية، بل يمثلون منتخبات وطنية وحكاماً ومسؤولين وإداريين معتمدين من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم. ولذلك فإن إخضاع بعضهم لاستجوابات طويلة أو إجراءات بدت استعراضية في نظر الرأي العام ألحق ضرراً بصورة البطولة والدولة المضيفة في آن واحد.

كما يذهب البعض إلى أبعد من ذلك بالقول إن الرسالة التي وصلت إلى الجمهور العالمي لم تكن رسالة أمنية بقدر ما كانت رسالة سياسية، خصوصاً عندما طالت الإجراءات مشاركين من دول بعينها أو من مناطق تعاني أصلاً تعقيدات سياسية وأمنية.

في الواقع، هذه ليست المرة الأولى التي تتقاطع فيها الرياضة مع الاعتبارات السياسية والأمنية. فقد طغت المقاطعات السياسية على أولمبياد موسكو العام 1980 وأولمبياد لوس أنجلوس العام 1984، بينما واجهت بطولات أخرى انتقادات بسبب قيود التأشيرات أو الإجراءات الأمنية المشددة أو الخلافات الدبلوماسية بين الدول.

كما شهدت أحداث رياضية كبرى في روسيا والصين والبرازيل وجنوب إفريقيا سرديات مشابهة حول حدود الأمن وتأثير السياسات الحكومية على التجربة الرياضية. لكن ما يُعقّد المشهد الحالي ويجعله مختلفاً هو أن الأزمة لا تتعلق بمواقف سياسية بين دول، بقدر ما هي مرتبطة بقدرة المشاركين أنفسهم على الوصول إلى البطولة والمشاركة فيها بعد اختيارهم رسمياً من قبل الهيئات الرياضية الدولية!

“فيفا” أمام اختبار صعب

تضع هذه الوقائع الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” أمام معضلة معقدة. فمن جهة، يعتمد الاتحاد على الدول المضيفة لتنظيم البطولات وتأمينها. ومن جهة أخرى، يتعين عليه ضمان قدرة المنتخبات والحكام والمسؤولين والجماهير المؤهلة على المشاركة من دون معوقات غير مبررة.

كشفت الأحداث الأخيرة حدود النفوذ الحقيقي للاتحاد الدولي عندما تتعارض متطلبات البطولة مع اعتبارات السيادة الوطنية والقوانين الداخلية للدولة المضيفة. لهذا السبب، قد تعود إلى الواجهة مستقبلاً مطالبات بمنح “الفيفا” ضمانات أكثر صرامة قبل منح حق الاستضافة، خصوصاً في البطولات التي تستضيفها دول تفرض أنظمة هجرة وأمن معقدة.

في نهاية المطاف، يصعب إنكار حق أي دولة في حماية حدودها وفرض إجراءاتها الأمنية وفق ما تراه مناسباً. لكن من الصعب أيضاً تجاهل أن نجاح كأس العالم لا يقاس فقط بجودة الملاعب أو حجم الحضور الجماهيري، بل بمدى قدرة الدولة المضيفة على جعل جميع المشاركين يشعرون بأنهم ضيوف مرحب بهم.

وبين هذين الاعتبارين يقف مونديال 2026 أمام اختبار مبكر وحسّاس. فكلما اتسعت الفجوة بين مقتضيات الأمن ومتطلبات الانفتاح، ازدادت صعوبة الحفاظ على الصورة التقليدية للرياضة بوصفها مساحة عالمية تتجاوز الحدود والخلافات السياسية. فهل سوف تخدم الطريقة التي تُطبق بها الولايات المتحدة قوانينها البطولة العالمية المرتقبة، أم سوف تضر بها؟ في لحظة كان يفترض أن تكون كرة القدم هي الخبر الأول والأخير.