بعد سنوات من المواجهة منخفضة الوتيرة بين المغرب وجبهة البوليساريو حول الصحراء الغربية، عاد النزاع إلى واجهة الاهتمام الإقليمي مع إعلان مقتل لحبيب محمد عبد العزيز، نجل الزعيم التاريخي للبوليساريو محمد عبد العزيز، في ضربة بطائرة مسيرة نُسبت إلى المغرب شرق الجدار الأمني.
أعلنت الجبهة الحداد ثلاثة أيام على المسؤول الشاب الذي كان يشغل مواقع قيادية داخل هياكلها السياسية والعسكرية، بينما لم يصدر أي تأكيد رسمي من الرباط بشأن العملية، انسجاماً مع السياسة التي تتبعها عادة حيال الضربات المنسوبة إليها في المنطقة العازلة.
من هو لحبيب محمد عبد العزيز؟
يحمل لحبيب اسماً يعد من الأكثر ثقلاً داخل تاريخ البوليساريو، فوالده محمد عبد العزيز قاد الجبهة منذ عام 1976 وحتى وفاته عام 2016، وارتبط اسمه بكل المحطات المفصلية للنزاع، من الحرب المفتوحة مع المغرب إلى اتفاق وقف إطلاق النار ثم مسار الأمم المتحدة.
وخلافاً لكثير من أبناء القيادات التاريخية، لم يكتف لحبيب بالموقع الرمزي، بل صعد تدريجياً داخل المؤسسات السياسية والعسكرية للجبهة، وتولى مهام قيادية ميدانية، كما انضم إلى الأمانة الوطنية، أعلى هيئة سياسية في البوليساريو.
وتشير تقارير إعلامية إسبانية إلى أنه كان يقود ما يعرف بـ”لواء الاحتياط”، وهو ما جعله أحد أبرز الوجوه العسكرية الصاعدة داخل الحركة خلال السنوات الأخيرة.
ورغم عدم وجود آلية معلنة أو رسمية لاختيار خليفة لإبراهيم غالي، فإن اسمه كان يتردد بين الوجوه التي تمثل الجيل الجديد القادر على الجمع بين الشرعية التاريخية والقبول التنظيمي داخل الجبهة.
لماذا يعد مقتله مهماً بالنسبة للبوليساريو؟
عسكرياً، لا يبدو أن مقتله سيؤدي إلى تغيير جذري في قدرات الجبهة الميدانية. فالعمليات التي تنفذها البوليساريو منذ استئناف القتال أواخر 2020 تعتمد أساساً على وحدات متفرقة وقصف محدود، ولا ترتبط بقائد واحد أو غرفة عمليات مركزية. لكن التأثير الأهم يبدو سياسياً ورمزياً.
فالجبهة خسرت شخصية تنتمي إلى “العائلة المؤسسة”، وتتمتع بحضور داخل المؤسسات السياسية والعسكرية في آن واحد، في وقت تواجه فيه تحديات داخلية تتعلق بتجديد النخب القيادية وإدارة مرحلة ما بعد الجيل التاريخي.
ويرى متابعون أن الضربة تطرح أيضاً تساؤلات حول قدرة الجبهة على حماية كوادرها وقادتها في المناطق الواقعة شرق الجدار، بعد سلسلة من الاستهدافات الدقيقة خلال السنوات الماضية.
الطائرات المسيرة.. السلاح الذي غيّر قواعد اللعبة
منذ انهيار وقف إطلاق النار في نوفمبر 2020، برزت الطائرات المسيرة كأحد أبرز أدوات القوة المغربية في النزاع. في أبريل 2021 قُتل قائد الدرك في البوليساريو الداه البندير في ضربة نسبت إلى المغرب قرب تيفاريتي، في أول عملية كبيرة تلفت الانتباه إلى التحول في طبيعة الحرب.
ومنذ ذلك الحين، توالت تقارير أممية وإعلامية عن استهدافات طالت مسؤولين ومقاتلين وعربات عسكرية شرق الجدار الأمني، في مناطق كانت تعتبر سابقاً مجالاً شبه آمن لتحركات الجبهة.
يرى محللون عسكريون أن المسيرات منحت المغرب أفضلية واضحة في ثلاثة مجالات: الاستطلاع المستمر، والاستهداف الدقيق، وتقليل كلفة العمليات مقارنة بالحروب التقليدية. كما أنها فرضت على البوليساريو قيوداً متزايدة على الحركة والانتشار، وأضعفت قدرتها على تنفيذ عمليات كبيرة أو الحفاظ على تجمعات ميدانية مكشوفة.
ماذا يعني مقتل لحبيب للمغرب؟
إذا ثبتت مسؤولية المغرب عن العملية، فإنها تمثل أكثر من مجرد نجاح عسكري. فالرسالة الأساسية تكمن في أن الرباط قادرة على الوصول إلى شخصيات قيادية بارزة داخل الجبهة، بما في ذلك شخصيات ذات رمزية سياسية وتاريخية عالية.
كما تأتي العملية في سياق أوسع تعمل فيه المملكة على تثبيت معادلة جديدة تقوم على الجمع بين التفوق العسكري الميداني والتقدم الدبلوماسي الدولي.
وخلال الأعوام الأخيرة حصل المغرب على دعم متزايد لمبادرة الحكم الذاتي من الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وعدد من الدول الأوروبية والأفريقية والعربية، ما عزز موقعه التفاوضي داخل الأمم المتحدة.
هل يقترب النزاع من نهايته؟
يرى معظم المحللين أن مقتل لحبيب محمد عبد العزيز لن يغير بمفرده مسار النزاع، لكنه يعكس اتجاهاً أوسع يتمثل في اتساع الفجوة بين الواقع الميداني والواقع السياسي. على الأرض يمتلك المغرب تفوقاً عسكرياً واستخباراتياً واضحاً، بينما تواجه البوليساريو صعوبة في تحويل عملياتها العسكرية المحدودة إلى مكاسب سياسية أو دبلوماسية ملموسة.
في المقابل، لا تبدو الأمم المتحدة قريبة من تنظيم استفتاء تقرير المصير الذي كان مطروحاً في التسعينيات، بعدما اصطدمت العملية بخلافات مستمرة حول لوائح الناخبين وطبيعة الحل النهائي.
لهذا باتت غالبية المبادرات الدولية خلال السنوات الأخيرة تدور حول البحث عن تسوية سياسية “واقعية وعملية ودائمة”، وهي الصيغة التي تتكرر باستمرار في قرارات مجلس الأمن.
حل سياسي تفاوضي
ويرى باحثون في شؤون المغرب العربي أن المسار الدولي الحالي يتجه تدريجياً نحو تكريس حل سياسي تفاوضي قائم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مع توفير ضمانات سياسية وإدارية وثقافية واسعة للسكان الصحراويين، باعتباره الخيار الوحيد الذي يحظى بدعم دولي متنامٍ وقابلية للتطبيق.
في المقابل، لا تزال البوليساريو والجزائر تتمسكان بمبدأ تقرير المصير بصيغته التقليدية، وهو ما يجعل الفجوة بين الطرفين واسعة.
وبحسب هؤلاء المحللين، فإن نهاية الأزمة لن تأتي على الأرجح من خلال الحسم العسكري، بل من خلال تغيرات سياسية إقليمية ودولية تدفع الأطراف تدريجياً نحو تسوية تفاوضية، خاصة إذا استمر ميزان القوى الحالي في ترجيح كفة المغرب دبلوماسياً وعسكرياً.
في هذا السياق، قد يُنظر مستقبلاً إلى مقتل لحبيب محمد عبد العزيز ليس فقط كحادثة عسكرية، بل كواحدة من المحطات التي عكست انتقال النزاع إلى مرحلة جديدة: مرحلة يتراجع فيها الرهان على تغيير الميدان لصالح صراع يدور أساساً حول شكل التسوية السياسية النهائية وحدودها.













