في خطوة تعكس انتقال الحرب في مالي إلى طور أكثر حدة، أعلنت السلطات المالية أكبر حملة مكافآت مالية ضد خصومها منذ بدء الصراع، واضعة ثمناً غير مسبوق على رأس زعيم جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” إياد أغ غالي، وقيادات جهادية وأزوادية أخرى، في توقيت يراه محللون إعلاناً عملياً عن إغلاق ما تبقى من هامش الحوار، والمضي في خيار الحرب حتى النهاية.
بحسب بلاغ وزارة الأمن والحماية المدنية، رُصدت مكافأة قدرها مليارا فرنك إفريقي، أي نحو 3.4 ملايين دولار، لمن يقدم معلومات موثوقة تقود إلى اعتقال أو “تحييد” إياد أغ غالي، زعيم جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” ذات الصلة بتنظيم القاعدة.
كما شملت القائمة أمادو كوفا، زعيم كتيبة ماسينا، وعبد الله مامودو باكاي ديالو الملقب بـ”جليبيب”، بمكافأة قدرها 1.5 مليار فرنك إفريقي لكل منهما، إضافة إلى القيادي الأزوادي البارز الغباس أغ إنتالا بمليار فرنك إفريقي، وبلال أغ الشريف بـ 500 مليون فرنك إفريقي، في قائمة تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 7.5 مليار فرنك إفريقي.
نهاية لغة التسوية
يرى متابعون للشأن المالي أن إدراج قيادات أزوادية مثل الغباس أغ إنتالا وبلال أغ الشريف إلى جانب إياد أغ غالي وأمادو كوفا لا يمكن فهمه كإجراء أمني فقط، بل كتحول سياسي واضح. باماكو، وفق هذه القراءة، تطوي عملياً صفحة أي حديث سابق عن مبادرات حوار أو تسوية مع قادة الشمال، وتدفع باتجاه تصنيف الخصوم السياسيين والعسكريين ضمن خانة واحدة.
هذا التطور ينسف، في نظر محللين، أي ترويج لمبادرات الحوار التي طُرحت في مراحل سابقة، خصوصاً بعد انهيار اتفاق الجزائر وتفكك الثقة بين السلطة والحركات الأزوادية. فحين يصبح زعيم أزوادي مطلوباً بمكافأة مالية إلى جانب قادة القاعدة، فإن الرسالة السياسية لا تترك هامشاً كبيراً للوسطاء: باماكو اختارت ساحة المطاردة، لا طاولة التفاوض.
تأتي الخطوة بعد هجمات 25 أبريل/نيسان، التي شكّلت صدمة عسكرية وسياسية للنظام. فقد نفذت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” و”جبهة تحرير أزواد” هجمات منسقة شملت باماكو وكاتي ومناطق في الشمال والوسط، في تعاون وصفه محللون بأنه غير مسبوق بين الجهاديين والانفصاليين الطوارق. وأظهرت تلك الهجمات قدرة على ضرب رموز السلطة، واستنزاف القوات النظامية، وتحويل خطوط الإمداد إلى جزء من المعركة السياسية.
إجراءات استثنائية على الأرض
لم يقتصر الأمر على المكافآت وحدها، فقد أعلنت السلطات حظر بيع واستخدام الدراجات النارية من فئة 125 سنتيمتراً مكعباً فما فوق خارج المدن الكبرى، في بلد تعد فيه الدراجات وسيلة الحركة الأساسية في الأرياف، لكنها أيضاً أداة رئيسية للجماعات المسلحة في التنقل والهجمات السريعة.
كما حددت السلطات 35 “منطقة ذات أهمية عسكرية”، معظمها غابات في وسط البلاد وجنوبها وغربها، ومنعت المدنيين من دخولها، معتبرة أنها قد تشكل ملاذات للجماعات المسلحة. وبحسب مراقبين، فإن هذه الإجراءات تعني أن باماكو انتقلت إلى سياسة خنق الحركة: إغلاق الغابات، تشديد الرقابة على الطرق، مراقبة المحاور الحيوية بالطائرات المسيرة، وتوسيع الاستهدافات الجوية لمواقع تقول السلطات إنها تستخدم من قبل جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” وحلفائها.
تتزامن هذه الإجراءات مع تصاعد الضغط على العاصمة. فقد أعلنت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” في أواخر أبريل\نيسان حصار الطرق المؤدية إلى باماكو، وهاجمت قوافل وشاحنات على محاور رئيسية، ما أدى إلى تعطيل حركة النقل وإثارة مخاوف من تكرار أزمة الوقود التي شهدتها البلاد سابقاً. وتشير تقارير صحافية إلى أن أكثر من مئة حافلة ومئات المسافرين علقوا في بعض الطرق بسبب تدهور الأمن.
تهدئة الشارع أم اعتراف بالعجز؟
يرى محللون أن حملة المكافآت تحمل وظيفة داخلية واضحة. فالنظام العسكري، الذي بنى جزءاً كبيراً من شرعيته على وعد استعادة الأمن والسيادة بعد طرد القوات الفرنسية والاعتماد على الشراكة الروسية، يواجه انتقادات متزايدة بسبب توسع الهجمات وتهديد العاصمة وعودة كيدال إلى قلب الصراع.
من هذه الزاوية، تمثل المكافآت محاولة لتهدئة الشارع وإعادة بناء صورة السلطة القادرة على الرد. فهي تقدم للرأي العام مشهداً واضحاً: أسماء، أرقام، أهداف، ومكافآت. لكنها في الوقت نفسه تكشف حدود العمل العسكري التقليدي، إذ لا تلجأ الدول إلى مكافآت بهذا الحجم إلا عندما تحتاج إلى اختراق شبكات مغلقة يصعب الوصول إليها بالقوة وحدها.
وتعتمد باماكو، في هذا المسار، على تحويل محيط المطلوبين إلى دائرة شك. فكل ناقل، وسيط، مرافق، عنصر ناقم، أو خصم محلي قد يصبح مصدراً محتملاً للمعلومة. غير أن هذه السياسة تحمل مخاطر كبيرة في بيئة قبلية ومسلحة، إذ قد تفتح باب الوشايات، وتصفية الحسابات، والاعتقالات القائمة على خصومات محلية أكثر من المعلومات الدقيقة.
تقريب الخصوم بدل تفكيكهم
المفارقة، وفق مراقبين، أن هذه الحملة قد تقود إلى نتيجة عكسية. فبدلاً من عزل قادة أزواد عن جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، قد تدفعهم إلى مزيد من التنسيق معها، بعدما باتوا جميعاً ملاحقين بالمنطق نفسه ومصنفين داخل الخانة ذاتها.
يقول محللون إن نقطة الضعف في سياسة باماكو أنها تضغط على خصوم مختلفي الأهداف، لكنها تمنحهم سبباً عملياً للتقارب. فالحركات الأزوادية تحمل مشروعاً سياسياً مرتبطاً بالشمال، بينما تحمل جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” مشروعاً جهادياً عابراً للمناطق. لكن حين تلغي السلطة الفارق بين الطرفين، تصبح المصلحة المشتركة في مواجهة باماكو أقوى من التناقضات الأيديولوجية والسياسية بينهما.
بذلك، تبدو مالي أمام مرحلة جديدة: لا هي تسوية سياسية، ولا هي عملية عسكرية محدودة، بل حرب مفتوحة على الرؤوس والشبكات والمناطق. فباماكو تريد كسر خصومها عبر المال والاستخبارات والطائرات المسيرة والإغلاق الميداني، غير أن الثمن السياسي قد يكون توحيد هؤلاء الخصوم أكثر، وإغلاق آخر النوافذ أمام تسوية كان يمكن أن تفصل بين الجهاديين والحركات الأزوادية.
في المحصلة، لا تعلن باماكو فقط حملة مكافآت؛ إنها تعلن نهاية مرحلة المناورة السياسية، وبداية طور أشد خطورة من الحرب المالية، حيث تصبح المطاردة بديلاً عن الحوار، ويصبح “تحييد” القادة عنواناً لمرحلة قد تحدد مصير السلطة نفسها.















