لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان في 15 إبريل/نيسان 2023 كارثة على السودانيين وحدهم، بل امتدت آثارها إلى مجتمعات كاملة تشكلت على أرض السودان على مدى عقود، ومن بينها عشرات الآلاف من الإثيوبيين الذين ولدوا ونشأوا وتعلموا في السودان قبل أن يجدوا أنفسهم مجبرين على العودة إلى بلدهم الأصلي.
على مدى عقود، استقبل السودان موجات متتالية من اللاجئين الإثيوبيين الفارين من الحروب الأهلية والجفاف والمجاعة، خصوصاً خلال سنوات حكم العقيد منقستو هيلي ماريام، إضافة إلى المجاعة الشهيرة التي ضربت البلاد بين عامي 1984 و1985. واستقر كثير منهم في شرق السودان قبل أن يندمجوا تدريجياً في المجتمع السوداني، حتى أصبح من الصعب التمييز بينهم وبين السودانيين في الحياة اليومية.
لكن اندلاع الحرب السودانية قلب هذه المعادلة. فبينما لجأ بعضهم إلى ولايات أكثر أمناً داخل السودان أو إلى معسكرات اللاجئين في شرق البلاد، قرر آخرون العودة إلى إثيوبيا بحثاً عن جذور العائلة والأمان والاستقرار.
غرباء في وطنهم
بالنسبة لكثير من العائدين، لم تكن العودة نهاية رحلة النزوح بل بداية معاناة جديدة.
يجسد دسالنج هيلي، البالغ من العمر 45 عاماً، قصة آلاف الإثيوبيين الذين وجدوا أنفسهم ضحايا حربين في بلدين مختلفين. فأسرته غادرت إثيوبيا قبل أكثر من ثلاثة عقود هرباً من الصراعات السياسية والمجاعة، بينما أجبرته الحرب السودانية على العودة إلى وطن لم يعرفه إلا من خلال حكايات والديه.
يقول هيلي، إنه واجه صعوبات كبيرة منذ لحظة وصوله إلى الحدود الإثيوبية، إذ لم يكن يحمل سوى وثيقة لاجئ صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ويضيف أن عدم إجادته اللغات المحلية أثار الشكوك حول هويته، حتى إن بعض المسؤولين اعتقدوا أنه إريتري وليس إثيوبياً. ويتابع: “عدت إلى وطن أجدادي، لكنني شعرت بأنني غريب فيه. حاولت العمل في مهن مختلفة بمدينة بحردار، إلا أن الاندماج لم يكن سهلاً”.
بين الجنسية والانتماء
وتتكرر القصة نفسها مع بنيام أزنو، المولود في السودان والذي تلقى تعليمه كاملاً في الخرطوم ويتحدث العربية بطلاقة. ويقول، إن رحلة العودة إلى إثيوبيا كشفت له حجم الفجوة بين انتمائه القانوني وانتمائه الاجتماعي والثقافي.
ويضيف: “منذ مغادرتي الخرطوم واجهت استجوابات متكررة بسبب قدومي من السودان، ثم بدأت معركة أخرى لإثبات هويتي والحصول على الوثائق الرسمية التي فقدتها خلال الحرب”.
بحسب أزنو، فإن استخراج البطاقة الوطنية وجواز السفر ورخصة القيادة استغرق أشهراً طويلة من الإجراءات والمراجعات، فيما اصطدم أيضاً بصعوبات في العثور على سكن وعمل بسبب اشتراط وجود ضامن أو مرجعية عائلية داخل البلاد.
معضلة الهوية
تمثل الهوية واحدة من أكثر القضايا تعقيداً بالنسبة للعائدين. فكثير منهم ولدوا في السودان ولم يعرفوا إثيوبيا إلا من خلال قصص الآباء والأجداد. وعند وصولهم وجدوا أنفسهم أمام مجتمع متعدد القوميات واللغات والثقافات يختلف كثيراً عن البيئة التي نشأوا فيها.
كما أن القوانين والإجراءات الإدارية في إثيوبيا تعتمد في كثير من الأحيان على وجود مرجعية أسرية أو شهود من الأقارب لإثبات الهوية والانتماء، وهو أمر يفتقده عدد كبير من العائدين الذين انقطعت صلاتهم بأسرهم الممتدة منذ عقود.
ويقول بعضهم إن أكبر صدمة كانت اكتشاف أن الأقارب الذين سمعوا عنهم طوال حياتهم قد توفوا أو تفرقت عائلاتهم، بينما تغيرت المدن والقرى التي طالما رسموها في مخيلتهم.
“كالسمك خارج الماء”
يصف أحد العائدين، الذي يعمل حالياً في مطعم يقدم المأكولات السودانية بأديس أبابا، حياته بعد مغادرة السودان بأنها “كحال السمكة خارج الماء”.
ويقول، إن أكثر ما يفتقده ليس المكان فقط، بل أسلوب الحياة والعلاقات الاجتماعية التي عاشها في السودان. ويستعيد ذكرياته عن رحلة النزوح الطويلة، وعن السودانيين الذين استضافوه وقدّموا له الطعام والمساعدة خلال عبوره مدناً مثل الحصاحيصا ومدني والفاو والقضارف. ويضيف: “كلما التقينا نحن أبناء السودان السابقون، ينتهي الحديث دائماً بعبارة واحدة: يا حليل السودان”.
حلم العودة
رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، لا يزال كثير من إثيوبيي السودان ينظرون إلى وجودهم الحالي باعتباره مرحلة مؤقتة. فبين صعوبات الاندماج، وتعقيدات إثبات الهوية، والحنين إلى الأحياء والمدارس والأسواق التي نشأوا فيها، يبقى الأمل الأكبر بالنسبة إلى كثيرين في أن تتوقف الحرب يوماً ما، ليتمكنوا من العودة إلى السودان الذي يعتبرونه وطنهم الاجتماعي والثقافي، حتى وإن كانت جذورهم تمتد إلى الضفة الأخرى من الحدود.
بين وطن غادروه قبل عقود وآخر عادوا إليه مضطرين، يعيش آلاف الإثيوبيين اليوم مأساة البحث عن هوية مستقرة في منطقة لا تزال الحروب تعيد رسم خرائطها وسكانها باستمرار.















