ملحم الزبيدي
ملحم الزبيدي

مقالات مشابهة

اقتصاد جيوسياسي

“كواد” تعيد رسم موازين القوى في آسيا.. أمن بحري ومعادن نادرة في مواجهة صعود الصين وقلق الحلفاء من واشنطن

ملحم الزبيدي
ملحم الزبيدي

في ظل تصاعد التنافس الأمريكي-الصيني وتحول منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى مركز الصراع الجيوسياسي العالمي، أعادت دول الحوار الأمني الرباعي (كواد) تفعيل شراكتها عبر مبادرات أمنية واقتصادية جديدة تشمل الأمن البحري والمعادن الحيوية وأمن الطاقة. غير أن هذا الحراك لا يعكس فقط محاولة مواجهة النفوذ الصيني المتنامي، بل يكشف أيضاً عن قلق متزايد لدى حلفاء واشنطن من تقلبات السياسة الأمريكية وتراجع الثقة بالالتزامات الاستراتيجية للولايات المتحدة.

أعادت أمريكا والهند وأستراليا واليابان، الدول الأربع الأعضاء في (كواد)، إحياء شراكاتهم الاستراتيجية عبر سلسلة مبادرات جديدة شملت الأمن البحري، والمعادن الحيوية، وأمن الطاقة، في خطوة تعكس تحوّل المجموعة من منصة تشاور سياسي إلى إطار تنسيق عملي يتعامل مع التحديات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

جاء اجتماع وزراء خارجية “كواد” في نيودلهي في لحظة دولية حساسة، وسط تصاعد التنافس الأمريكي-الصيني، وتزايد المخاوف لدى الحلفاء الآسيويين من تقلّبات السياسة الخارجية الأمريكية، خصوصاً بعد المواقف المتباينة داخل المعسكر الغربي بشأن الحرب على إيران، والانفتاح المفاجئ الذي أبداه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه بكين خلال زيارته الأخيرة إلى الصين.

خلال تلك الزيارة، تحدث ترامب بإيجابية عن إمكانية تعاون واشنطن وبكين ضمن ما وصفه مراقبون بـ”ثنائية القوى الكبرى” أو (G2)، وهو ما أثار قلقاً لدى شركاء الولايات المتحدة في آسيا الذين يخشون أن تؤدي أي تفاهمات أمريكية-صينية مستقبلية إلى تهميش دورهم الاستراتيجي.

من الحوار إلى التنفيذ

في هذا السياق، سعت دول “كواد” إلى توجيه رسالة واضحة مفادها أن التحالف لم يعد منتدى سياسياً فحسب، بل بات منصة تنفيذية تتوسع تدريجياً في ملفات الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا.

وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، إن الدول الأربع “تشترك في قيم قوية وديموقراطيات نابضة بالحياة”، مشدداً على أن المجموعة أصبحت “أكثر أهمية في ضوء التطورات العالمية المتسارعة”. وأضاف أن الهدف خلال العام الماضي كان “تحويل كواد من منصة لمناقشة المشكلات إلى جهة تتخذ إجراءات فعلية”، مشيراً إلى أن التعاون يتقدّم “بوتيرة سريعة”.

وأعلنت المجموعة عن مبادرتين بحريتين جديدتين، تشملان: تعزيز قدرات المراقبة البحرية المشتركة، وتوفير معلومات آنية لحركة الملاحة التجارية. كما توسعت أجندة التعاون لتشمل: أمن الطاقة، الاستجابة الإنسانية، حماية سلاسل الإمداد، بالإضافة إلى تأمين الكابلات والبنى التحتية البحرية.

20 مليار دولار لمواجهة الهيمنة الصينية

في أبرز الإعلانات الاقتصادية، كشفت “كواد” عن خطة لحشد نحو 20 مليار دولار من التمويل الحكومي والخاص لتعزيز سلاسل إمداد المعادن الحيوية، وهي الموارد الأساسية للصناعات التكنولوجية المتقدمة، والبطاريات، وأشباه الموصلات، والصناعات الدفاعية.

ورغم عدم اتضاح ما إذا كان التمويل جديداً بالكامل، فإن الإعلان يحمل أبعاداً استراتيجية واضحة في ظل القلق الغربي المتزايد من هيمنة الصين على إنتاج وتكرير المعادن النادرة عالمياً. وخلال العامين الأخيرين، استخدمت بكين قيود التصدير على بعض المعادن الحساسة كورقة ضغط في صراع التكنولوجيا مع الغرب، ما دفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى تسريع جهود تنويع مصادر التوريد وتقليل الاعتماد على الصين.

في هذا الإطار، برزت الهند كلاعب محوري داخل التحالف، مع سعيها إلى التحول إلى مركز صناعي وتكنولوجي يشكل بديلاً جزئياً للصين. كما وقّعت نيودلهي وواشنطن إطار تعاون ثنائي خاص بالمعادن النادرة بالتوازي مع اجتماعات “كواد”.

لم تقتصر التحركات على الملفات الاقتصادية، إذ أعلنت وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ أن المجموعة ستتعاون في تطوير ميناء في فيجي، في أول مشروع بنية تحتية مشترك لـ”كواد” في جنوب المحيط الهادئ.

تحمل الخطوة أهمية خاصة في ظل توسع النفوذ الصيني داخل الدول الجزرية الصغيرة في المنطقة، حيث تسعى بكين منذ سنوات إلى تعزيز حضورها الاقتصادي والأمني عبر مشاريع البنية التحتية والاستثمارات البحرية. وقالت وونغ إن المجموعة تدرك “مسؤوليتها في توفير خيارات حقيقية” لدول المنطقة، في إشارة غير مباشرة إلى التنافس مع الصين.

خلافات داخلية رغم وحدة الخطاب

رغم محاولات إظهار التماسك، تكشف التطورات الأخيرة أن “كواد” لا يزال يواجه تباينات داخلية مهمة. الولايات المتحدة استخدمت أخيراً مفهوم “حرية الملاحة” ليس فقط لمواجهة التوسع البحري الصيني، بل أيضاً لحشد الحلفاء ضد إيران بعد التوترات المرتبطة بمضيق “هُرمز”.

إلا أن معظم أعضاء “كواد” تجنبوا دعم العمليات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران بشكل مباشر، وهو ما أثار استياء ترامب، خصوصاً أن واشنطن لم تنسق مسبقاً مع شركائها قبل الهجوم.

كما تختلف الهند مع بقية أعضاء التحالف بشأن الغزو الروسي لأوكرانيا، إذ رفضت نيودلهي قطع علاقاتها التاريخية مع روسيا، وحافظت على تعاونها الاقتصادي والعسكري مع موسكو. أما اليابان وأستراليا، فتعتمدان اقتصادياً بدرجات متفاوتة على السوق الصينية، ما يجعلهما حذرتين من الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة مع بكين.

من جانبها، علّقت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ على الاجتماع بالقول إن التعاون “لا ينبغي أن يستهدف أي طرف ثالث”، مضيفة أن بكين لا تؤيد “التكتلات الحصرية أو المواجهات بين الكتل”.

ورغم أن البيانات الرسمية لـ”كواد” تتجنب تسمية الصين مباشرة، فإن معظم تحركات المجموعة ترتبط عملياً بمحاولة احتواء النفوذ الصيني المتصاعد في: التجارة، التكنولوجيا، المعادن، والممرات البحرية الاستراتيجية. لهذا السبب تعتمد المجموعة خطاباً دبلوماسياً يقوم على مفاهيم مثل: الاستقرار الإقليمي، حرية الملاحة، وسلاسل التوريد الآمنة، بدل الحديث الصريح عن سياسة “احتواء الصين”.

تحالف مرن لا يشبه الناتو

على الرغم من تنامي دور “كواد”، يرى مراقبون أن المجموعة لا تزال بعيدة عن التحول إلى تحالف عسكري متكامل على غرار حلف شمال الأطلسي. فالتحالف الرباعي أقرب إلى شبكة تنسيق استراتيجية مرنة، تجمع دولاً تتشارك القلق من صعود الصين، لكنها تختلف في أولوياتها السياسية والاقتصادية والأمنية.

مع ذلك، تشير التطورات الأخيرة إلى أن “كواد” يدخل مرحلة جديدة تتجاوز الرمزية السياسية، باتجاه بناء شراكة طويلة الأمد تهدف إلى تقليل الاعتماد على الصين، حماية طرق التجارة والطاقة، وتعزيز النفوذ الغربي-الآسيوي في منطقة أصبحت مركز الثقل الحقيقي للاقتصاد والسياسة العالميين.

رغم التباينات السياسية بين أعضائه، يبدو أن “كواد” يتجه تدريجياً للتحول من إطار تشاوري فضفاض إلى منصة تنسيق استراتيجية طويلة المدى، تسعى لإعادة رسم موازين القوى في آسيا وتقليل الاعتماد على الصين في التكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد. وبينما تتجنب الدول الأربع إعلان مواجهة مباشرة مع بكين، فإن التحركات الأخيرة تؤكد أن الصراع على النفوذ في القرن الحادي والعشرين لم يعد عسكرياً فقط، بل أصبح معركة على التجارة والمعادن والممرات البحرية والتكنولوجيا.