بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

خوارزميات الانتشار

“مرتزقة السرد” بين أوروبا والعالم العربي: كيف تحوّلت منصات التضليل الرقمي إلى سوقٍ خفية لهندسة الحقيقة وتأجيج الاستقطاب؟

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

لم تعد الخلافات السياسية بين أوروبا والعالم العربي تُخاض في أروقة الدبلوماسية أو عبر صفقات الطاقة فحسب؛ بل انتقلت إلى حربٍ خفية للسيطرة على “الحقيقة” ذاتها. لقد تحول “مُرتزقةُ السرد” من مجرد أدوات تقنية، إلى فاعلين جيوسياسيين جدد يبيعون “هندسةَ الواقع” لمن يدفع.

لقد أثبتت الوقائع وجود بنيةٍ تحتية رقمية متقدمة تُستخدم كسلاح سياسي للتأثير في العلاقات الأورو–عربية. في يناير/كانون الثاني 2025، اكتشفت وحدة رصد أوروبية (EU DisinfoLab) حملةً منسّقة استهدفت الرأي العام الألماني والفرنسي عبر “إكس” و”تيليجرام”، تمثّلت في آلاف المقاطع القصيرة التي تُوظّف التزييف العميق لإظهار مسؤولين عرب يُلوّحون بـ”سلاح الطاقة” ردّاً على سياسات الهجرة الأوروبية. لم يكن المحتوى مباشراً أو فجّاً؛ بل صيغ بحرفيةٍ مرئية عالية، مع نصوص فرعية ووسوم مكرّرة تُغذّي خوارزميات الانتشار.

البصمات الرّقمية الموحدة

أظهر الفحص التقني لعيّنات الفيديو وجود بصماتٍ رقمية مُوحّدة في البيانات الوصفية (metadata) تقود إلى نطاقاتٍ وخوادم تستضيفها شركة استشارات رقمية مقرّها إحدى دول أوروبا الشرقية. على الورق، لا يتجاوز نشاط الشركة «تحليلَ بيانات السوق» وتقديم “خدمات برمجية”، غير أن البنية التحتية الفعلية — من مزارع بروكسي إلى أتمتة للنشر العابر للمنصات — تكشف نموذج عمل خفي شعاره تأجير قدرة التأثير السياسي لمن يدفع.

على خطٍّ مواز، رصد مختبر (DFRLab) التابع للمجلس الأطلسي شبكة حسابات على “فيسبوك” تنشط في مصر والمغرب والجزائر، تُعيد تدوير الأصول البصرية نفسها (شعارات، قوالب فيديو، نماذج خط) التي استخدمتها شبكةٌ أخرى في الساحل الإفريقي. والتشابه في “بصمة التصميم” والتوقيتات يوحي بأننا أمام مُورّد واحد يُزوّد حملات متعددة بمحتوى جاهز للتعبئة، ما يُرجّح وجود بنية تحتية رقمية تُؤجَّر بحسب الطلب، والهدف منها صناعة ضوضاء معلوماتية موجّهة لتأجيج الانقسامات داخل أوروبا وإشعال السخط في الشارع العربي.

وكالات استخبارات خاصة

لا تكتفي هذه الشركات بإدارة حسابات مزيفة؛ بل تقدّم حزمة خدمات متكاملة تُشبه – في منطقها – عملَ وكالات استخبارات خاصة. تبدأ من خدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ إذ لم يعد التضليل محصوراً في الخبر الكاذب، بل انتقل إلى عصرِ التزييف العميق واستنساخِ الأصوات.

يقول أحد خبراء الأمن السيبراني: “يمكنهم الآن إنتاج خطاب كامل لسياسي أوروبي أو مسؤول عربي، بلهجته ونبرة صوته، بتكلفة لا تتجاوز بضع مئات من الدولارات، ونشره عبر شبكاتِ بوتات (Bots) تبدو كأنها حسابات حقيقية”. وتظهر هذه المواد عادةً بجرعات قصيرة ومتوازنة، وتتسلّل عبر حسابات تحليل سياسي أو صفحات محلية تبدو موثوقة.

بالإضافة إلى ذلك، هناك خدمات مثل الاستهداف الدقيق (micro-targeting) تُقدَّم عبر شراء قواعد بيانات تجارية أو تسريبات؛ فتُجزّئ الشركات المعنية الجمهور إلى شرائح دقيقة، تُوجه رسائل “الخوف من المهاجرين” إلى ناخبين مُترددين في دوائر أوروبيةٍ حاسمة، فيما تضخ رسائل “الاستعمار الجديد” إلى شبابِ شمال إفريقيا. والنتيجة: تدفقات سردية متعاكسة تصنع “مرآةً معكوسة” بين الضفتين.

أما عملياتُ التخفي والإنكار المعقول (plausible deniability) فتُدار عبر واجهاتِ شركات وهمية (shell companies) في ملاذات ضريبية، وعقود خدمات عامة مبهمة، ومسارات دفع عبر مزوّدي طرف ثالث. هكذا يتفكك “أثرُ البصمة” القانونيُّ، وتتعقّد مساءلةُ الممولين الحقيقيين.

الروايات المضادة وثغرات التقييد

تُعلن شركات المنصات الكبرى بانتظام عن حملاتٍ لمكافحة ما تصفه بـ”السلوك غير الأصيل المُنسّق”، وتنشر تحديثاتٍ دورية لتعطيل الشبكات العابرة للحدود. غير أن الواقع يكشف عن ثغراتٍ بنيوية واسعة، أبرزها التحيّز اللغوي التشغيلي، حيث تتركّز قدراتُ المراجعة الآلية والبشرية على اللغتين الإنجليزية وبعض اللغات الأوروبية، فيما يمرّ كثيرٌ من المحتوى باللهجات العربية (المغاربية والمشرقية) أو بالفرنسية بلهجات شمال إفريقيا من دون رصد فعّال، خصوصاً عندما يُصاغ بأسلوبٍ “رمادي” لا يخرق السياسات نصّاً لكنه يضرب المعنى والمقصد.

كما تُكافئ خوارزميات المنصّات المحتوى الاستفزازي الذي يثير التفاعل، حتى وإن كان مضلّلاً أو موجَّهاً سياسياً، وهو ما يجعل الاستقطاب مادةً مرغوبةً خوارزمياً. وعندما تُواجه هذه الشبكات بحملات تعطيل، تنتقل بسهولة إلى قنواتٍ بديلة، أو تغيّر أسماءها، أو تُعيد استخدام الأصول ذاتها على منصاتٍ أخرى.

كما تبرز ثغرةٌ ثالثة في الإنكار المعقول (Plausible Deniability)، إذ تتجنّب شبكات التأثير نشرَ خطاب يُحرض صراحة على العنف، وتلتصق بمواد “تلميحية” آمنة قانونياً، غير أن تراكمها يخلّف أثراً سياسياً واجتماعياً يوازي – وربما يفوق – المحتوى الصريح.

“دوبلغنغر”.. استنساخ غرف الأخبار

تتبّع باحثون أوروبيون شبكةً نشرت مقالات مزيفة عبر مواقع إلكترونية تُحاكي صحفاً معروفة، بلغات أوروبية وعربية. واعتمدت الحملة على تقنيات انتحال الهوية الإعلامية (Brand Impersonation) من خلال نسخ التصميم مع تغييراتٍ طفيفةٍ في النطاقات، ونشر روابط مُمولة عبر حسابات تبدو محلية. الهدف كان واضحاً: تقويض الثقة في المصادر الأصلية، وإغراق المجال العام بنُسَخ متضاربة تربك المتلقّي وتُضعف موثوقية المعلومة.

أظهر تحليلٌ زمني لبيانات النشر بين أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2024 على منصة “إكس” ارتفاعاً حاداً في المنشورات السياسية باللغة العربية من حساباتٍ مجهولة المصدر ترتبط بخوادم خارج المنطقة. وقد لوحظ إعادة تدوير متكررة للمحتوى البصري ذاته ضمن دورات زمنية قصيرة. في المقابل، رُصدت على الجانب الأوروبي رسائل معاكسة تُعزّز تصوّر “خطر التطرف” داخل الجاليات. والنتيجة: غرف صدى متوازية تولّد استقطاباً عابراً للحدود.

وثّقت تقارير صحفية وبحثية أسماءَ شركات متخصصة في تقديم “خدمات نفوذ انتخابي” عبر أنظمة مؤتمتة لإنتاج حسابات مُزيّفة وإدارة محتوى مُنسّق. وعلى الرغم من تعطيل عدد منها وإزالتها من المنصات، ظلّ السوقُ نشطاً من خلال واجهات بديلة وتراخيصٍ تقنية عامة. وتكشف هذه الممارسات استمرار اقتصاد التأثير الخفي في العمل تحت مظلة خدمات تجارية أو تقنية ظاهرها مشروع، وباطنها تأجير النفوذ الرقمي.

الآثار السياسية والاجتماعية

يؤدي إغراقُ الرأي العام بحملات متضاربة إلى تآكل الثقة في المؤسسات الإعلامية والسياسية، إذ يصبح التحقّق من المعلومات عبئاً إضافياً على المواطن. ولا تقتصر هذه الحملات على تغيير القناعات جذرياً، بل تُعيد هندسة الأجندة العامة عبر تحويل الاهتمام من القضايا الاقتصادية والمعيشية إلى قضايا الهوية والخوف.
كما تُسهم هذه الحملات في استيراد وتصدير الاستقطاب؛ حيث يتبادل الأوروبيون والعرب السرديات المشحونة ذاتها، ما يؤدي إلى تدوير الغضب بين الضفتين ضمن قنواتٍ رقميةٍ مغلقة، تُغذّيها الخوارزميات، لتُعمّق الانقسام الاجتماعي والثقافي.

اليوم، في عالمٍ تُصنَّع فيه القناعات عبر البيانات والتزييف العميق، يبقى السؤال المفتوح: هل يمكن بناء سياسة مشتركة أو ثقة متبادلة على أرضية من حقائق مُهندسة رقمياً؟