بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

حرب تجارية عالمية

بعد ضربة المحكمة الأمريكية العليا.. كيف فقدت رسوم ترامب الجمركية هيبتها كسلاح جيوسياسي؟

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

لم يكن تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مطلع العام الجاري، بفرض رسوم جمركية على حلفاء واشنطن في حلف “الناتو” بسبب الخلاف حول غرينلاند، مجرد خطوة اقتصادية تقليدية، بل امتداداً لنهج سياسي اعتمد عليه لسنوات، يقوم على استخدام الرسوم الجمركية كسلاح ضغط جيوسياسي سريع ومباشر. حينها، سادت حالة من الارتباك داخل العواصم الأوروبية، وعقد الاتحاد الأوروبي اجتماعات طارئة، بينما خرجت احتجاجات في الدنمارك رفضاً للضغوط الأمريكية.

لكن المشهد تغيّر بصورة لافتة بعد أشهر قليلة فقط. فتهديد ترامب لاحقاً بفرض رسوم تصل إلى 50% على الدول التي تبيع أسلحة لإيران، لم يُحدث الوقع ذاته في نفوس الدول، بل بدا أن كثيراً من الحكومات باتت أقل اكتراثاً بتهديدات البيت الأبيض التجارية.

هذا التحول يعود إلى ضربة قضائية مؤثرة تلقاها ترامب بعدما قضت المحكمة العليا الأمريكية بأن جزءاً كبيراً من الرسوم التي فرضها، في ما عُرف بـ”يوم التحرير”، تجاوز حدود صلاحياته الدستورية. ولم يقتصر تأثير القرار على إلغاء رسوم بعينها، بل أصاب جوهر استراتيجية ترامب الاقتصادية والسياسية، القائمة على القدرة على فرض عقوبات تجارية سريعة ومفاجئة لإجبار الخصوم والحلفاء على تقديم تنازلات.

القضاء يقيّد أداة الضغط الرئيسية

أحدثت قرارات القضاء الأمريكي الأخيرة تحولاً عميقاً في طريقة تعامل العالم مع السياسة التجارية الأمريكية؛ فترامب الذي اعتاد استخدام الرسوم الجمركية كورقة ضغط فورية، بات الآن يواجه قيوداً قانونية تقلّص قدرته على اتخاذ قرارات سريعة من دون المرور بإجراءات معقدة.

لم تتوقف الانتكاسات عند حكم المحكمة العليا، إذ أصدرت محكمة أمريكية أخرى لاحقاً قراراً ضد رسوم عالمية بنسبة 10% كانت الإدارة قد فرضتها لتعويض التعريفات التي جرى إبطالها سابقاً. أربك هذا التطور القضائي البيت الأبيض، خصوصاً أنه جاء في توقيت حساس، مع استعداد ترامب لعقد قمة مرتقبة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، في وقت كانت الرسوم الجمركية تمثل بالنسبة له أداة تفاوض رئيسية في مواجهة بكين وبقية الشركاء التجاريين.

العالم يعيد حساباته تجاه واشنطن

بدأت دول عديدة، خصوصاً في آسيا وأوروبا، إعادة تقييم طريقة تعاملها مع الضغوط التجارية الأمريكية بعد قرارات القضاء؛ فالدول التي كانت تبادر سابقاً إلى تقديم تنازلات خوفاً من فرض رسوم مفاجئة، باتت ترى أن قدرة ترامب على تنفيذ تهديداته لم تعد مطلقة كما كانت خلال الأشهر الأولى من ولايته الثانية.

تشير تقديرات دبلوماسية وتجارية إلى أن عدداً من الحكومات يعيد النظر في الاتفاقات التي تم التوصل إليها تحت ضغط رسوم “يوم التحرير”، مستفيدة من تراجع قدرة البيت الأبيض على فرض زيادات سريعة وكبيرة في الرسوم. وفي أوروبا، تتزايد القناعة بأن ترامب يواجه قيوداً سياسية واقتصادية تجعل من الصعب عليه العودة إلى مستويات التصعيد السابقة، خاصة مع ارتفاع معدلات التضخم داخل الولايات المتحدة واقتراب انتخابات التجديد النصفي.

رغم الانتكاسات القضائية والسياسية، لا يبدو أن ترامب مستعد للتراجع عن فلسفته الاقتصادية القائمة على الرسوم الجمركية؛ فالرئيس الأمريكي الذي لطالما وصف نفسه بـ “رجل الرسوم الجمركية”، يرى في هذه السياسة وسيلة لإعادة تشكيل النظام التجاري العالمي وتعزيز النفوذ الأمريكي، لا مجرد أداة اقتصادية لزيادة الإيرادات.

لهذا السبب، يعوّل ترامب حالياً على الممثل التجاري الأمريكي جيميسون غرير لإيجاد مسارات قانونية بديلة تسمح بإعادة فرض رسوم “يوم التحرير” خلال الأشهر المقبلة. كما تبدو الإدارة مصممة على مواصلة استخدام الرسوم كورقة ضغط، حتى مع تراجع قدرتها على التحرك السريع والمفاجئ كما كان الحال سابقاً.

من ذروة التصعيد إلى التراجع التدريجي

بلغ مشروع ترامب الجمركي ذروته خلال عام 2025، عندما بدا وكأنه يمتلك صلاحيات شبه مطلقة لفرض رسوم ضخمة على أي دولة تقريباً. فأعلن رسوماً تراوحت بين 49% على كمبوديا و20% على الاتحاد الأوروبي، وصولاً إلى 10% حتى على جزر مارشال ذات النشاط الاقتصادي المحدود للغاية.

بعد ذلك بفترة قصيرة، صعّد المواجهة مع الصين عبر رسوم وصلت إلى 145% نقطة مئوية، في خطوة مثّلت إحدى أعنف جولات الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم.

لكن العام نفسه تحوّل لاحقاً إلى سلسلة من التراجعات وإعادة التفاوض، بعدما أدت الرسوم إلى اضطرابات حادة في الأسواق المالية وهبوط في مؤشرات الأسهم، ما دفع الإدارة إلى تعليق بعض الرسوم أو تعديلها أو منح استثناءات واسعة.

وفي أكتوبر/تشرين الأول، توصّل ترامب والرئيس الصيني إلى هدنة تجارية بعد أشهر من التصعيد المتبادل، فيما جاءت ضربة المحكمة العليا لاحقاً لتُفقد الإدارة جزءاً كبيراً من الأساس القانوني الذي استندت إليه في فرض الرسوم.

رغم أن ترامب نجح بالفعل في تغيير ملامح السياسة التجارية الأمريكية ورفع متوسط الرسوم الجمركية إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود، فإن النتائج الاقتصادية بقيت محل جدل واسع داخل الأوساط الاقتصادية، كما أن جزءاً منها قد يصبح عرضة للاسترداد أو الطعون بعد الأحكام القضائية الأخيرة.

الرسوم وحدها غير قادرة على معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الأمريكي، خصوصاً في ظل استمرار العجز المالي واعتماد الولايات المتحدة على رؤوس الأموال الأجنبية. فقد واصل العجز التجاري الأمريكي في السلع تسجيل مستويات قياسية، في ظل تراجع التعاملات التجارية مع الصين، بينما لم يشهد قطاع التصنيع الأمريكي الانتعاش الكبير الذي وعدت به الإدارة. فضلاً عن انتقال نسبة كبيرة من التكاليف إلى الشركات والمستهلكين الأمريكيين، ما ساهم في زيادة الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة.

الكونغرس يبدأ استعادة صلاحياته

أحد أخطر التحديات التي تواجه ترامب حالياً هو تصاعد الاعتراضات داخل الكونغرس، بما في ذلك من داخل الحزب الجمهوري نفسه؛ فالدستور الأمريكي يمنح الكونغرس سلطة فرض الضرائب والرسوم، لكن التوسع الكبير الذي قام به البيت الأبيض في استخدام الصلاحيات التنفيذية التجارية أثار قلقاً متزايداً لدى عدد من المشرعين الجمهوريين.

وتشير مواقف متزايدة داخل الحزب إلى وجود انزعاج من الإفراط في استخدام الرسوم الجمركية، خاصة مع تزايد الضغوط على القطاعات الصناعية والزراعية في الولايات المختلفة.

كما يخشى كثير من الجمهوريين أن تتحول هذه الرسوم إلى عبء سياسي خلال انتخابات التجديد النصفي المقبلة، في ظل تراجع شعبية الإدارة اقتصادياً وارتفاع معدلات التضخم.

البيروقراطية تُبطئ الحرب التجارية

حتى في المجالات التي لا يزال ترامب يمتلك فيها صلاحيات للتحرك، أصبحت الإجراءات أكثر تعقيداً وبطئاً من السابق. فالإدارة تعتمد حالياً على شبكة من التحقيقات والقوانين والإجراءات البيروقراطية لإعادة فرض الرسوم، بدلاً من القرارات الفورية التي اعتاد الرئيس استخدامها عبر منصاته الإعلامية.

وتواجه الشركات الأمريكية حالة متزايدة من التعقيد، مع توسع أنظمة الاستثناءات وقواعد المنشأ والأكواد الجمركية المطلوبة للامتثال للرسوم الجديدة. ورغم أن ترامب لا يزال يمتلك صلاحيات لفرض رسوم على قطاعات مثل السيارات وأشباه الموصلات لأسباب تتعلق بالأمن القومي، فإن بقية المسارات القانونية باتت تتطلب تحقيقات مطولة واستشارات رسمية وجلسات استماع قد تستغرق أشهراً.

يعني ذلك عملياً، أن البيت الأبيض فقد جزءاً كبيراً من قدرته على استخدام الرسوم كسلاح مفاجئ وفوري. وفي ظل هذه القيود، يبدو أن الحرب التجارية الأمريكية تدخل مرحلة مختلفة، تتراجع فيها القرارات السريعة لصالح معارك قانونية وسياسية أكثر تعقيداً، فيما يحاول ترامب الحفاظ على أحد أبرز أدوات نفوذه الاقتصادي في الداخل والخارج.