أسقطَ مجلس النواب في البحرين عضوية ثلاثة من أعضائه في خطوة تعكس تشدداً سياسياً متزايداً في مقاربة ملف الأمن القومي خلال مرحلة إقليمية حساسة. ويأتي هذا القرار في سياق تصاعد المخاوف الخليجية من تمدد ما تصفه دول المنطقة بـ”الإرهاب الإيراني” القائم على توظيف الخلايا السرية والجماعات المرتبطة بالحرس الثوري لزعزعة الاستقرار الداخلي وإرباك مؤسسات الدولة.
منذ اندلاع المواجهة الإقليمية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، رفعت المنامة مستوى الاستنفار الأمني إلى درجات غير مسبوقة بعد اكتشاف خلايا متهمة بالتخطيط لاستهداف منشآت حيوية ومرافق أمنية داخل المملكة.
تنظر البحرين إلى هذه الخلايا باعتبارها امتداداً لاستراتيجية إيرانية تعتمد على الحروب غير التقليدية، عبر دعم جماعات وشبكات تعمل داخل الدول العربية بهدف خلق بيئات مضطربة تسمح لطهران بتوسيع نفوذها السياسي والأمني من دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة. وباتت دول الخليج ترى أن هذا النموذج يقوم على استثمار الانقسامات الداخلية وتحويلها إلى أدوات ضغط سياسي وأمني طويلة الأمد، بما يهدد مفهوم الدولة الوطنية ويضعف مؤسساتها السيادية.
إسقاط العضوية البرلمانية
في خضم هذا المناخ الأمني المتوتر، جاء قرار مجلس النواب البحريني بإسقاط عضوية ثلاثة من أبرز أعضائه ليعكس تحولاً واضحاً في طريقة تعامل الدولة مع أي خطاب يُنظر إليه باعتباره تقاطعاً مع الرواية الإيرانية أو تشكيكاً في الإجراءات السيادية المتخذة لحماية الأمن الوطني.
فقد صوّت المجلس خلال جلسة استثنائية طارئة على إسقاط عضوية كل من عبدالنبي سلمان، وممدوح الصالح، ومهدي الشويخ، في خطوة اعتبرها مراقبون رسالة سياسية وأمنية شديدة الوضوح. واستند البرلمان في قراره إلى المادة 99 من الدستور البحريني، التي تمنحه صلاحية إسقاط العضوية عند الإخلال بواجبات النائب أو فقدان شروط الثقة والاعتبار.
لم يكن القرار وليد لحظة انفعالية، بل سبقه طلب رسمي وقعه 37 نائباً، إضافة إلى مراجعات قانونية داخل لجنة الشؤون التشريعية والقانونية، التي اعتبرت أن مواقف النواب الثلاثة تجاوزت حدود المعارضة السياسية التقليدية، خصوصاً بعد اعتراضهم على الإجراءات الحكومية بحق متهمين بالتورط أو التعاطف مع هجمات مرتبطة بخلايا مدعومة من الحرس الثوري الإيراني.
وترى المؤسسة الرسمية في البحرين أن توقيت هذه التصريحات ومضمونها شكّلا مساساً بالإجماع الوطني في لحظة أمنية بالغة الحساسية، خصوصاً أن البلاد تواجه تهديدات مباشرة مرتبطة بمحاولات استهداف منشآت أمنية واقتصادية وحيوية.
الخلايا الإرهابية المتربصة
لم تأتِ هذه المخاوف الأمنية من فراغ، إذ أعلنت السلطات البحرينية خلال الأشهر الأخيرة عن تفكيك خلايا مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وضبط أسلحة ومتفجرات ومواد شديدة الخطورة، إضافة إلى توقيف عناصر قالت إنها تلقت تدريبات خارجية على تنفيذ عمليات تخريبية تستهدف البنية التحتية والمرافق الحيوية.
وتتعامل البحرين مع هذه التهديدات باعتبارها جزءاً من حرب غير تقليدية تتجاوز مفهوم المواجهة العسكرية المباشرة. فالتحدي، وفق الرؤية الأمنية الخليجية، لم يعد مرتبطاً فقط بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بل أيضاً بالخلايا السرية، والاختراقات السياسية، والحملات الإعلامية، ومحاولات توظيف الانقسامات الداخلية لخدمة أجندات إقليمية.
منذ اندلاع الحرب الإقليمية الأخيرة، كثّفت الأجهزة الأمنية البحرينية عملياتها الاستباقية، وأعلنت عن نجاحات متتالية في كشف مخططات تستهدف زعزعة الاستقرار الداخلي. وتشير المعطيات الأمنية إلى أن بعض هذه الخلايا كانت تخطط لاستهداف منشآت نفطية ومواقع أمنية ومرافق حيوية بهدف إرباك الدولة وخلق حالة من الفوضى السياسية والأمنية.
كما تخشى دول الخليج من أن تلجأ إيران، تحت ضغط المواجهة الإقليمية المتصاعدة، إلى تنشيط شبكاتها داخل المنطقة واستخدامها كورقة ضغط غير مباشرة ضد خصومها. ولهذا، باتت العواصم الخليجية أكثر حساسية تجاه أي خطاب سياسي أو إعلامي يُنظر إليه باعتباره تبريراً أو تقليلاً من خطورة هذه التهديدات.
رسائل ردع وسيادة
ترى البحرين أن تحصين الجبهة الداخلية لم يعد مهمة أمنية فقط، بل مسؤولية سياسية وتشريعية وإعلامية متكاملة، وهو ما يفسر التشدد الرسمي تجاه أي مواقف تُعتبر مهددة لوحدة الصف الوطني في مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب.
ويحمل القرار البحريني أبعاداً تتجاوز الداخل المحلي، إذ يشكل رسالة واضحة إلى الإقليم بأن المنامة تتجه نحو تشديد معايير التعامل مع أي نشاط أو خطاب تعتبره متقاطعاً مع المشاريع الإيرانية في المنطقة. كما يعكس القرار انسجام البحرين مع التوجه الخليجي العام القائم على حماية الدولة الوطنية ومنع أي اختراق سياسي أو أمني قد تستفيد منه القوى الإقليمية المنافسة.
أما على المستوى الدولي، تسعى البحرين إلى إظهار نفسها كدولة تعتمد الأدوات الدستورية والمؤسساتية في إدارة ملفات الأمن القومي، حيث جرى إسقاط العضوية عبر البرلمان نفسه ومن خلال إجراءات قانونية واضحة، بما يمنح القرار غطاءً تشريعياً يصعب الطعن فيه.
تعكس التطورات الأخيرة في البحرين تحوّلاً أعمق في مفهوم الأمن الخليجي، حيث لم يعد التهديد يُقاس فقط بالقدرات العسكرية، بل أيضاً بقدرة الدولة على حماية مؤسساتها السياسية ومنع استغلال ساحتها الداخلية لخدمة أجندات خارجية. ومن هذا المنطلق، تبدو المنامة اليوم أكثر ميلاً إلى الدمج بين الحزم الأمني والتشدد السياسي في مواجهة ما تعتبره أخطر موجة اختراقات وتهديدات إرهابية تشهدها المنطقة منذ سنوات.















