تونس - نور الدين بالطيب
تونس - نور الدين بالطيب

مقالات مشابهة

جدلية "المثقف والسلطة"

الروائي سعيد خطيبي: الأدب الجزائري “مهجري” بالضرورة والسُّلطة تخشى الفكر النقدي

تونس - نور الدين بالطيب
تونس - نور الدين بالطيب

يأتي تتويج الروائي الجزائري سعيد خطيبي بجائزة “بوكر” العربية لعام 2026 عن روايته “أغالب مجرى النهر”، ليعيد تسليط الضوء ليس فقط على جودة المنتج الإبداعي المغاربي، بل على الفجوة الآخذة في الاتساع بين المثقف النقدي والمؤسسة الرسمية. خطيبي، الذي يجمع بين الدقة الصحفية والعمق الروائي، يمثل جيلاً لم يعد يكتفي بالكتابة عن “الأطلال”، بل يغوص في تفكيك بنى الاستبداد والانهيارات المجتمعية، مما يجعله في مواجهة مباشرة مع سلطة لا تزال تنظر إلى الثقافة بوصفها أداة “فرجة” لا أداة “تغيير”.

لا يمكن قراءة مسيرة الروائي الجزائري سعيد خطيبي بمعزل عن سياق “الانهيارات الكبرى” وتآكل مشاريع التحديث في الفضاء العربي؛ إذ يشكل إنتاجه الأدبي، منذ إرهاصاته الأولى، خيطاً ناظماً لمحاولة فهم “الإنسان المهزوم” في مواجهة التحولات الجيوسياسية والاجتماعية الصعبة.

منذ “بعيداً عن نجمة” (2009) و”أعراس النار” (2010)، وصولاً إلى اشتغاله على الذاكرة الفرانكوفونية في “عَبرت المساء حافياً” (2013)، بدا خطيبي معنياً بتفكيك الهويات القلقة. وقد تكرس هذا المسار بروايته الأولى “كتاب الخطايا” (2015)، ثم برؤيته الأنثروبولوجية في “جنائن الشّرق الملتهبة” (جائزة ابن بطوطة للرحلة)، وصولاً إلى ثلاثيته الروائية التي توجت بـ “أغالب مجرى النهر”؛ العمل الذي لم يقتصر أثره على نيل جائزة “البوكر” العربية 2026 فحسب، بل أحدث اختراقاً في جدار الصمت الثقافي حول قضايا الذاكرة والحكم في المغرب العربي.

على هامش مشاركته في معرض تونس الدولي للكتاب، أجرت “غلوبل ووتش عربية” هذا الحوار الخاص، ليس لاستنطاق كواليس التتويج فحسب، بل لتفكيك رؤيته لجدلية “المثقف والسلطة”، ومفهوم “الأدب المهجري” كخيار اضطراري، ومستقبل الكتابة في زمن “التطرف الرقمي”.

– حصدت “أغالب مجرى النهر” جائزة البوكر العربية في دورة استثنائية اتسمت بتعقيدات جيوسياسية حادة عقب العدوان على دول الخليج؛ كيف تقرأ صمود “المؤسسة الثقافية” أمام تآكل الاستقرار الإقليمي، وما الذي يفرضه هذا التتويج على مشروعك المستقبلي؟

سعيد خطيبي: في الواقع، لا يمكن فصل الأدب عن محيطه المتفجر، لكن فوز الرواية هذا العام يحمل دلالة “المُغالبة” فعلياً. الجائزة أثبتت قدرتها على الحفاظ على استقلاليتها ونسقها رغم الظروف الطارئة التي عصفت بالمنطقة، وهذا بحد ذاته فعل مقاومة للسائد. لم يكن الطموح مُجرد فوز تقني، بل كان تحدياً لتقديم نص يصمد في قائمة قصيرة هي الأقوى تاريخياً من حيث الجودة الفنية.

أما ما بعد التتويج، فالأمر يتجاوز “النشوة” إلى “الاستحقاق”؛ الجائزة تضع الكاتب في مواجهة مباشرة مع قارئ عربي بات أكثر فطنة ويقظة، ولم يعد يقبل بأقل من المعايير التي وضعتها الرواية الفائزة. المسؤولية الآن تكمن في إثبات أن هذا النجاح ليس مصادفة، بل هو جزء من مسار يطمح لتكريس أدب يشبه تعقيدات واقعنا، وهو ما يدفعني لمضاعفة الجهد لضمان أن تظل الأعمال القادمة في مستوى هذا القياس الأخلاقي والجمالي الذي وضعه الجمهور.

– تثير الجوائز الأدبية العربية في كل دورة عاصفة من التشكيك والجدل؛ هل ترى في هذا الصَّخب ارتياباً مشروعاً في آليات المنح، أم أنه انعكاس لصراع “القوى الرجعية” مع أنماط الإبداع الجديدة؟ 

– الجدل في جوهره ظاهرة صحية، لكنه في السياق العربي يكشف عن مفارقة حادة في الوعي الجمالي؛ فالقارئ والمثقف العربي يمنحان “صكوك الغفران” والمصداقية المطلقة للجوائز الغربية كـ “نوبل” أو “غونكور” أو “البوكر” البريطانية، بينما يُقابَل المنتج العربي بنظرة شكّ مسبقة. نحن أمام قوى تقاوم التغيير وتخشى أي ظاهرة تكسر الجمود التاريخي للأدب العربي. ومع ذلك، يظل هذا الجدل محركاً إيجابياً لانتشار الكتاب وتوسيع دائرة القراءة.

في حالتي، كان الرهان مختلفاً؛ إذ تجاوزت الرواية فخ الجدل بفضل “رصيد الثقة” مع الجمهور. أنا كاتب قادم من “الجزائر العميقة”، لست نتاجاً لصالونات النخبة العاصمية أو التنظيمات السياسية المؤدلجة، ولم أكن يوماً جزءاً من الجهاز الرسمي. هذا الاستقلال عن السلطة والارتباط بنبض الشارع هو ما جعل الفوز يبدو مكسباً شعبياً لا مُجرد تتويج لمؤلف، فعندما يثق الجمهور في نزاهة الكاتب، يتحول الجدل من تشكيك في الجائزة إلى احتفاء بالاستحقاق.

– هل تعتقد أن مُعضلة “التوزيع” هي العائق الحقيقي أمام وصول الأدب الجزائري للداخل والخارج، أم أن الأمر يتعلق بـ “بنية طاردة” تجعل من الإبداع الجزائري “مهجرياً” بالضرورة لضمان بقائه؟ 

– الإشكال أعمق بكثير من مُجرد لوجستيات التوزيع؛ فالأدب الجزائري، في تعريفه الأنثروبولوجي، هو “أدب مهجري” بامتياز. من القديس أوغستين في روما، إلى كاتب ياسين في “نجمة”، وصولاً إلى محمد ديب؛ وُلدت النصوص المؤسسة للهوية الجزائرية خلف الحدود. نحن أمام “علاقة ملتبسة” بدأت جذورها منذ عام 1965، حين صنّفت السلطة المثقف كـ “خصم” سياسي عقب الانقلاب على أحمد بن بلّة. منذ تلك اللحظة، تبنت الدولة استراتيجية “تمييع الثقافة” وتحويلها إلى مُجرد “مهرجانات فرجة” لإفراغها من محتواها النقدي، بل واشتغلت الآلة الدعائية على شحن المجتمع ضد المتعلمين عبر أمثلة شعبية تكرس السخرية من المعرفة.

لقد وصلنا إلى مرحلة خطيرة تلاشت فيها المسافة بين الكاتب والسلطة؛ حيث يتوهم البعض أن شرعيته لا تتحقق إلا عبر المؤسسات الرسمية، مما أدى إلى التنازل عن الوظيفة النقدية مقابل القرب من مراكز القوة. هذا الارتهان هو الذي يقتل الإبداع الأصيل، بينما يُستخدم “غياب التوزيع” شماعة للفشل.

– كيف تفسر “الانقسام” الذي أحدثه فوزك بجائزة “البوكر” داخل الجزائر؛ بين احتفاء شعبي عارم وتعتيم رسمي وصل حد تغييب الخبر في التلفزيون العمومي؟ 

– هذا التعتيم هو “اعتراف مضاد” بقوة النص النقدي. أن يكون التلفزيون العمومي الجزائري هو الوحيد عربياً الذي أخفى الخبر، فهذا يعكس حرجاً وجودياً لدى السلطة تجاه كاتب يرفض التدجين. أنا ممنوع من الظهور الرسمي ومن المشاركة في المناسبات التي ترعاها الدولة، لأنهم لم يغفروا لي الدفاع عن حريتي في التفكير.

هذا السلوك لا يسيء لي شخصياً، بل هو إساءة لتاريخ الجزائر كبلاد للحريات. لكنني، في المقابل، أشعر براحة تامة؛ فالتكتم الرسمي حررني من “شبهة” التبعية. أنا الابن الشرعي لمدرسة كاتب ياسين، وأفضل أن أظل منحازاً لـ “الجزائر العميقة” ولأبناء الشعب الذين رأوا في الفوز مكسباً لهم، على أن أكون جزءاً من “بروتوكول” يمنح الشرعية لمن يغتالون الفكر.

– بينما يهرع المثقف العربي تاريخياً نحو الحواضر الإمبراطورية الكبرى (باريس ولندن) لتثبيت مشروعيته، اخترت “سلوفينيا” ملاذاً اختيارياً؛ هل هو هروب من “نظرة الريبة” في العواصم الكلاسيكية، أم بحث عن فضاء سياسي أكثر تصالحاً مع “الآخر”؟ 

– باريس كانت محطة للدراسة والحياة، وأنا مدين لثقافتها ومسارحها، لكنني أرفض أن أكون “متهماً” بانتظار البراءة. هناك انفصام حاد في فرنسا بين عمقها الثقافي وخطابها السياسي الذي يفيض بالريبة تجاه العرب ولغتهم. لا أريد استهلاك طاقتي في تبرير وجودي في بيئة يمارس ساستها “الغثيان” اللفظي ضد هويتي.

في سلوفينيا، وجدت نموذجاً مختلفاً للدولة المتصالحة مع ذاتها وماضيها؛ هنا “الاختلاف” ليس تهمة، والحرية ليست شعاراً بروتوكولياً. أن يزورك مسؤول رفيع دون موعد للحديث في الأدب، أو أن تُناقش أعمالك في الجامعات دون محاكمات تاريخية أو لغوية، فهذا يعني أنك تعيش في “بيئة سليمة” للكتابة. سلوفينيا منحتني المسافة الكافية لأصطاد السمك وأمارس التفكير بحرية، بعيداً عن صراعات المركزية الأوروبية.

– بصفتك صحفياً وروائياً؛ كيف استطاعت “مهنة المتاعب” ترويض لغتك الروائية، وهل ترى في الصحافة مورد للعيش فحسب، أم أنها “المختبر الأول” الذي يقي الأدب من الانزلاق نحو التجريد والحشو؟ 

– الصحافة هي المهنة الأقرب لروح الأدب، وهي المختبر الذي يمنح الكاتب أثمن أدواته: “الاقتصاد في اللغة”. لقد علمتني الصحافة الصبر وفن الإصغاء، والأهم من ذلك، حمتني من “الحشو” الذي يثقل كاهل السرد العربي المعاصر. إن استحضار أسماء مثل ألبير كامو، هيمنغواي، ماركيز، والطيب صالح، ليس من قبيل المصادفة؛ فهؤلاء حولوا الممارسة الصحفية إلى فلسفة للتقشف اللغوي والاشتباك المباشر مع الواقع.

GWA

بالنسبة لي، تمنحني الصحافة توازناً وجودياً؛ فهي تُبقيني في تماس دائم مع نبض الشارع والناس، وتمنع انقطاعي عن العالم، وفي الوقت ذاته، تتيح لي الحفاظ على “عزلتي المنتجة”. الصحافة لم تأخذ مني شيئاً بقدر ما منحتني “بوصلة” تمنع النص الروائي من التيه في الخيال المحض، ليبقى متجذراً في قضايا الإنسان الراهنة.

– تتبنى موقفاً راديكالياً بمغادرتك منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك تحديداً)، رغم كونها “سوقاً عكاظية” حديثة للترويج والانتشار؛ هل هو زهد في الأدوات التقنية، أم رصد لـ “تطرف رقمي” بات يمارس وظيفة الرقيب الأمني والأخلاقي في الفضاء الجزائري؟

– المسألة لا تتعلق بالتقنية، بل بـ “بيئة الاستخدام” التي تحولت في السياق الجزائري إلى آلية للقمع المعنوي. ثمة تحول مخيف في أدوات التصفية؛ فبينما كانت الجماعات المتطرفة في التسعينيات تصدر فتاوى القتل الجسدي للكتّاب، نجد اليوم “فتاوى رقمية” تهدف إلى الاغتيال الرمزي والتخويف بقصد المنع من الكتابة.

لقد استولت “الأقلية الصاخبة” -وهي مجموعات رجعية منظمة- على منصات التواصل الاجتماعي وحولتها إلى حصون لممارسة الوصاية. مغادرتي لهذا الفضاء هي “موقف سياسي”؛ لأن الدخول في اشتباك مع الرداءة يمنحها شرعية ووجوداً لا تستحقه. التجاهل هنا ليس ضعفاً، بل هو استراتيجية دفاعية لحماية استقلال القلم من “إرهاب النقرات” ومنطق القطيع الذي يهدف إلى تدجين الفكر النقدي.

سيرة موجزة

سعيد خطيبي هو روائي، صحفي، وباحث جزائري بارز، ولد في مدينة بوسعادة في 29 ديسمبر 1984. يُعد من أبرز الأصوات الأدبية الشابة في الجزائر والعالم العربي، وقد نال شهرة واسعة بفضل أسلوبه الأدبي المتميز وتناوله لقضايا تاريخية واجتماعية، وتوجت مسيرته بفوزه بـ الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2026 عن روايته “أغالب مجرى النهر”.

خطيبي حاصل على شهادة الليسانس في الأدب الفرنسي من جامعة الجزائر، ثم تابع دراساته العليا ليحصل على ماجستير في الدراسات الثقافية، وأتم دراساته العليا في السوسيولوجيا من جامعة السوربون بفرنسا عام 2011.

من أهم الجوائز والترشيحات:الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر): فاز بها عام 202 6 عن روايته “اغالب مجرى النهر”، جائزة الشيخ زايد للكتاب، جائزة كتارا للرواية العربية، وجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة.

ومن أبرز أعماله الأدبية: اغالب مجرى النهر (2026)، حطب سراييفو (وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2020)، وكتاب “بوسعادة، مدينة الملح”.