بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

قضايا اجتماعية (1-2)

تمكين المرأة بين التقدم الاقتصادي والتحديات البنيوية: مسار مُتباين يعكس فُجوة مستمرة بين التشريعات والتطبيق

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

شهدت عدة دول في الشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة، تطورات ملموسة في السياسات المرتبطة بتمكين المرأة، سواء على مستوى التشريعات أو فرص المشاركة الاقتصادية. وترافق هذا المسار مع توسع تدريجي في حضور النساء داخل قطاعات حيوية، من الإدارة الحكومية إلى التكنولوجيا والخدمات.

تشير متابعات حقوقية إلى تفاوت واضح في عمق هذا التقدم بين الإطار القانوني ومستوى التطبيق. وهنا يبرز السؤال: إلى أي حد تعكس هذه التحولات مساراً متماسكاً في بنية الحقوق، لا في مظاهرها فقط؟

تقدم ملحوظ في دول الخليج

في دول الخليج، بات حضور المرأة في سوق العمل أكثر وضوحاً، مع توسيع فرص التوظيف وارتفاع نسب المشاركة، خصوصاً في القطاعات الخدمية والتقنية. كما برزت نماذج لنساء في مواقع قيادية داخل القطاعين الحكومي والخاص، ما يجعل  تمكين المرأة جزءاً من معادلة الإنتاج، وليس فقط من الإطار الحقوقي.

مع ذلك، لا يعكس هذا الحضور توازناً كاملاً في سوق العمل. وتشير تقديرات إقليمية إلى استمرار فجوة الأجور، وتمركز النساء في المستويات الوظيفية المتوسطة مقارنة بالمناصب التنفيذية العليا.

في دول مثل مصر والأردن، شهدت الأطر القانونية المتعلقة بحماية المرأة من العنف تطوراً نسبياً، مع إنشاء وحدات متخصصة للتعامل مع هذه القضايا. إلا أن التطبيق العملي لا يزال متفاوتاً، ما يحدّ من أثر هذه التشريعات على الواقع اليومي. 

المرأة وأولويات الاستقرار

في دول تواجه ضغوطاً سياسية أو أمنية، يصبح ملف المرأة مرتبطاً بأولويات الاستقرار. إيران، على سبيل المثال، تحولت قضايا مثل الحجاب إلى مساحة تفاعل مستمر بين الدولة والمجتمع، بما يعكس تعقيد العلاقة بين الضبط القانوني والتحولات الاجتماعية. أما في مناطق النزاع مثل سوريا واليمن، فتتأثر حقوق المرأة بشكل مباشر بضعف البنية المؤسسية، مع تراجع قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية. 

المشهد يتجه نحو تباين إقليمي واضح. دول مستقرة نسبياً تدفع نحو تمكين اقتصادي تدريجي، مقابل أخرى تتراجع فيها المؤشرات نتيجة الأزمات.

في الوقت نفسه، يتحول النقاش من “الحقوق الأساسية” إلى “جودة هذه الحقوق”. ولم يعد السؤال يقتصر على المشاركة، بل يمتد إلى طبيعة هذه المشاركة، وشروطها، ومستوى الحماية المرتبط بها. كما بدأت تظهر مسارات جديدة، مثل التمكين الرقمي، خاصة في مجالات التكنولوجيا وريادة الأعمال، ما يفتح فرصاً إضافية، لكنه يطرح تحديات تتعلق بالفجوة الرقمية وعدم تكافؤ الوصول. 

تقدم حذر

السيناريو المرجّح هو استمرار التقدم التدريجي، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالاقتصاد، مع بقاء الحذر في القضايا الاجتماعية والسياسية الأكثر حساسية. في المقابل، يبقى احتمال التراجع قائماً في حال تصاعد التوترات السياسية أو الاقتصادية، ما قد يعيد ترتيب الأولويات ويؤثر على استمرارية هذا المسار. 

وتعكس الحالات الميدانية تبايناً واضحاً في مسار حقوق المرأة عبر المنطقة. ففي إيران، يستمر التفاعل بين القوانين المرتبطة بالحجاب والتحولات المجتمعية ضمن حالة ممتدة من التوازن الحذر. 

في السعودية، يترافق التوسع في فرص العمل مع تفاوت في الاستفادة منها بين المناطق. أما في مصر، فيشهد الإطار القانوني لمكافحة العنف تطوراً، لكن تطبيقه لا يزال غير متسق. وفي سوريا واليمن، ترتبط التحديات أساساً بضعف البنية المؤسسية، ما يحدّ من تحويل القوانين إلى حماية فعلية.

ووفق ما أظهرته تقارير منظمات حقوقية وإنسانية دولية، مثل “هيومن رايتس ووتش” وغيرها، خلال عامي 2025 و2026، لا يعكس المشهد تراجعاً مطلقاً ولا تقدماً مستقراً، بل مساراً متبايناً يتأثر بعوامل سياسية وأمنية واقتصادية.

السؤال الأكثر دقة اليوم: هل تُمهد هذه التحولات الطريق تدريجياً نحو تمكين أوسع للمرأة، أم تعيد ضبط موقعها ضمن أولويات كل دولة؟