بدأت ملامح التحول الاستراتيجي الأعمق في مشهد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تتكشف مع انكفاء الحلفاء، لا مع دويّ الصواريخ وحده. بعيداً عن حسابات الميدان، برز تطور سياسي لافت يعكس تحولات أوسع في بنية النظام الدولي، وهو تراجع الدعم التقليدي لواشنطن.
للمرة الأولى منذ عقود، تخوض الولايات المتحدة مواجهة كبرى في الشرق الأوسط من دون غطاء تحالفي صلب، ودون حشد دولي يوازي ما شهدته في حربي الخليج أو غزو العراق.
هذا التحول لا يمكن فهمه بوصفه موقفاً ظرفياً، بل هو نتيجة تراكمات استراتيجية عميقة أعادت تعريف العلاقة بين الولايات المتحدة وشركائها، ودفعت هؤلاء إلى إعادة تموضع حذر، بل وبارد، تجاه مغامرة عسكرية محفوفة بالمخاطر.
فتيل الحرب.. قرار بلا تشاور
تعود جذور الأزمة إلى ما هو أبعد من لحظة الانفجار العسكري. فمنذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي العام 2018، دخلت العلاقة مع طهران مسار التصعيد المفتوح. سياسة “الضغط الأقصى” لم تنتج تسوية، بل راكمت أسباب الانفجار. ومع تدهور الاقتصاد الإيراني في أواخر 2025 وتصاعد الاحتجاجات الداخلية، بدا أن لحظة الحسم تقترب.
لكن ما فجّر المشهد فعلياً كان القرار الأمريكي–الإسرائيلي بشن ضربة مباغتة في 28 فبراير/شباط الماضي، استهدفت رأس النظام الإيراني ومفاصل قوته العسكرية، من دون أي تشاور جدي مع الحلفاء، ولا سردية قانونية أو سياسية مقنعة دولياً. هنا تحديداً بدأ التصدع.
لم يُفاجأ الحلفاء بالحرب بقدر ما صُدموا بطريقة اتخاذ القرار. واشنطن لم تطلب دعماً مسبقاً، لكنها طالبت به لاحقاً. هذا التناقض كان كفيلاً بإثارة شكوك عميقة حول طبيعة القيادة الأمريكية نفسها.
لماذا تخلّى الحلفاء؟
التحفظ الجماعي لا يمكن اختزاله في سبب واحد، بل هو نتيجة تفاعل عدة عوامل عميقة:
أولاً، غياب الهدف النهائي. الحلفاء لا يعرفون ما الذي تريده واشنطن تحديداً، هل هدفها إسقاط النظام الإيراني أم تعديل سلوكه؟ هذا الغموض يجعل أي مشاركة مخاطرة مفتوحة.
ثانياً، أزمة الثقة. الانسحابات الأمريكية السابقة، خصوصاً من أفغانستان، خلقت انطباعاً بأن واشنطن قد تغيّر استراتيجيتها فجأة، تاركة حلفاءها في مواجهة التداعيات.
ثالثاً، صعود التعددية القطبية. لم تعد الولايات المتحدة القوة الوحيدة القادرة على فرض خياراتها. وجود بدائل مثل الصين وروسيا، وتنامي تكتلات دولية، يمنح الحلفاء هامش مناورة أوسع.
رابعاً، سلاح الطاقة. إيران لا تحتاج إلى تحقيق نصر عسكري تقليدي؛ يكفيها تهديد الملاحة في مضيق هُرمز لإحداث صدمة اقتصادية عالمية. هذا العامل وحده كفيل بردع كثير من الدول عن الانخراط في الحرب.
أوروبا.. من التبعية إلى التمرد الصامت
في القارة الأوروبية، ظهر التحول الأكثر وضوحاً. دول مثل فرنسا وألمانيا لم تكتفِ بالتحفظ، بل قادت موقفاً رافضاً للانخراط في الحرب، انطلاقاً من حسابات دقيقة تتعلق بالأمن الاقتصادي قبل أي اعتبار آخر.
أوروبا التي لم تتعافَ بالكامل من تداعيات الحرب الأوكرانية، تدرك أن أي اضطراب في مضيق “هُرمز” يعني صدمة طاقة مباشرة. ومع اعتمادها الكبير على واردات الطاقة، فإن الانخراط في حرب قد تغلق هذا الشريان يُعد، من منظورها، مقامرة غير محسوبة.
أما المملكة المتحدة، الحليف الأقرب تقليدياً، فقد اختارت موقعاً وسطاً: دعم استخباراتي ولوجستي محدود، من دون الانخراط في عمليات قتالية واسعة. هذا “التقاعس المحسوب” يعكس إدراكاً متزايداً في لندن بأن كلفة الانخراط باتت تفوق مكاسبه، خصوصاً في ظل هشاشة الداخل السياسي والاقتصادي.
وفي جنوب أوروبا، ذهبت دول مثل إيطاليا وإسبانيا أبعد من ذلك، عبر رفض تسهيلات عسكرية مباشرة، في مؤشر على أن الاعتراض لم يعد هامشياً بل أصبح توجهاً عاماً داخل الاتحاد الأوروبي.
تركيا.. براغماتية “الحياد النشط”
في موقع أكثر تعقيداً، اختارت تركيا نهج “الحياد النشط”. فأنقرة، العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، رفضت استخدام أراضيها أو مجالها الجوي لأي عمل هجومي ضد إيران، مفضلة لعب دور الوسيط بدلاً من الشريك العسكري.
هذا الموقف لا يعكس تباعداً سياسياً فقط، بل حسابات أمن قومي دقيقة. استقرار إيران بالنسبة إلى تركيا ليس ترفاً، بل ضرورة لمنع تشكل فراغ أمني قد تستفيد منه الجماعات الكردية المسلحة. كما أن العلاقات الاقتصادية، خصوصاً في مجال الطاقة، تجعل من الصعب على أنقرة الانخراط في مواجهة مباشرة مع طهران.
آسيا.. برود استراتيجي
في شرق آسيا، لم تكن المواقف أقل براغماتية. كلٌّ من اليابان وكوريا الجنوبية، الحليفين التقليديين لواشنطن، فضّلا النأي بالنفس عن أي دور هجومي.
وتعتمد هاتان الدولتان بشكل كبير على نفط الخليج، وأي اضطراب في الإمدادات يشكل تهديداً مباشراً لاقتصادهما. لذلك اقتصر دورهما على حماية مصالحهما البحرية، من دون الانخراط في العمليات العسكرية.
كما أن الحسابات الجيوسياسية تلعب دوراً إضافياً، خصوصاً بالنسبة لكوريا الجنوبية التي تخشى من تعقيدات إضافية في علاقتها مع الجارة الشمالية، في حال توسعت دائرة الصراع.
دول الخليج.. الحذر بدل الاصطفاف
في قلب الجغرافيا الأكثر عرضة لتداعيات التصعيد، اختارت دول مجلس التعاون الخليجي مقاربة حذرة تتجنب الانخراط المباشر في المواجهة بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى. فعلى الرغم من الشراكات الأمنية العميقة مع الولايات المتحدة، تدرك هذه الدول أن الحرب المفتوحة وضعتها في مرمى الرد الإيراني، سواء عبر استهداف القواعد أو تهديد البنية التحتية للطاقة. لذلك، مالت إلى خطاب يدعو للتهدئة، مع إبقاء قنوات اتصال مفتوحة لتفادي الانزلاق نحو تصعيد شامل.
كما فرضت اعتبارات الاستقرار النفطي والاقتصادي نفسها بقوة، حيث يشكل تدفق الطاقة المنتظم أولوية استراتيجية لا تحتمل المغامرة. هذا السلوك يعكس تحولاً لافتاً من الاصطفاف التقليدي إلى براغماتية حذرة تضع المصالح الوطنية فوق منطق التحالفات.
“الناتو”.. أزمة هوية غير مسبوقة
تضع هذه الحرب حلف شمال الأطلسي أمام اختبار وجودي. فالحلف الذي بُني على مبدأ الدفاع الجماعي، يجد نفسه اليوم عاجزاً عن التوافق حتى على توصيف الأزمة.
التوتر بين واشنطن والعواصم الأوروبية لم يعد خفياً، كما أن التهديدات الأمريكية بإعادة النظر في العلاقة مع الناتو تقابلها في أوروبا دعوات متزايدة لبناء منظومة دفاعية مستقلة. هذه ليست مجرّد ردود فعل آنية، بل مؤشرات على تحول بنيوي في بنية الأمن الغربي.
أدى إغلاق “هُرمز”، أو حتى التهديد بإغلاقه، إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، وأعاد شبح الركود العالمي. الاقتصادات الآسيوية كانت الأكثر تأثراً، لكن التداعيات امتدت إلى أوروبا والولايات المتحدة نفسها.
محاولات احتواء الأزمة عبر السحب من الاحتياطات الاستراتيجية أو تخفيف بعض القيود على الإمدادات لم تكن كافية لطمأنة الأسواق، ما يعكس هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام صدمات جيوسياسية من هذا النوع.
عسكرياً، قد تبدو الكفة راجحة لصالح واشنطن. لكن الصورة أكثر تعقيداً استراتيجياً. فإيران، وعلى الرغم من الضربات، تعمل على تحقيق هدف أساسي، يتمثل برفع كلفة الحرب إلى مستوى يجعل استمرارها عبئاً على خصومها.
في المقابل، تخسر الولايات المتحدة ثقة الحلفاء شيئاً فشيئاً. وهذه الخسارة لا تقل خطورة عن أي هزيمة ميدانية، لأنها تمس جوهر النفوذ الأمريكي في العالم.
نحو عالم “بلا تحالفات ثابتة”
ما تكشفه هذه الحرب يتجاوز حدودها الجغرافية. نحن أمام انتقال تدريجي من نظام تحالفات ثابتة إلى نظام سيولة استراتيجية، تحكمه المصالح الآنية لا الالتزامات التاريخية.
الحلفاء لم يعودوا مستعدين للانخراط في حروب لا يرون فيها مصلحة مباشرة، ولا يثقون في مآلاتها، إذ إن الولايات المتحدة، على الرغم من قوتها، لم تعد قادرة على فرض تحالفات كما في السابق.
قد تنجح واشنطن في تحقيق أهداف عسكرية مرحلية في مواجهتها مع إيران، لكن الثمن الاستراتيجي يبدو مرتفعاً. العالم الذي كان يصطف خلفها في الأزمات الكبرى، بات اليوم يراقب من بعيد، ويحسب كلفة كل خطوة.
إنه زمن “الحروب المنفردة”؛ حيث تقاتل القوى الكبرى بقدراتها، لا بتحالفاتها. وفي هذا الزمن، لا يُقاس النصر بعدد الصواريخ، بل بقدرة الدولة على الحفاظ على شبكة علاقاتها الدولية. وفي هذا الاختبار تحديداً، تبدو واشنطن أمام تحدٍ لم تعهده منذ عقود.















