لا يمثل تأسيس “الفرقة 84 – قوات خاصة” في الجيش السوري مُجرد إجراء تنظيمي لاستيعاب الفصائل المسلحة، بل يعكس تحولاً بنيوياً في عقيدة الدولة السورية الجديدة لدمج العناصر الأجنبية ضمن مؤسساتها الرسمية. إن دمج “الجهاديين الأجانب” في صفوف جنود نظاميين برتب مُعترف بها هو محاولة لشرعنة وجود قوى كانت مصنفة دولياً ككيانات “إرهابية”، وجعلها أداة لضبط التوازنات الداخلية وردع التهديدات الإقليمية.
في مطلع يونيو/حزيران 2025، شهدت العاصمة دمشق تطوراً عسكرياً وأمنياً تمثل في الإعلان شبه الرسمي عن تشكيل “الفرقة 84 – قوات خاصة”، خلال اجتماع برئاسة اللواء نور الدين نعسان، رئيس هيئة الأركان، بحضور قادة فصائل أجنبية متعددة الجنسيات (الإيغور، الأتراك، الألبان، الطاجيك، الأوزبك، والقوقازيون).
تفاهمات واشنطن ودمشق
تشير العديد من المؤشرات إلى أنه تم تشكيل هذه الفرقة عقب تفاهمات بين واشنطن ودمشق، بشأن إعادة النظر في وضع المقاتلين الأجانب في سوريا واحتوائهم ضمن المكونات العسكرية والأمنية، على ألا يشكّلوا تهديداً داخلياً أو خارجياً، مع التأكيد على التزامهم بالأنظمة والقوانين السورية وفق شروط، من بينها أن يكون العنصر المقاتل متزوجاً من مواطنة سورية، وأن يكون مقيماً في البلاد لمدة تتراوح بين 5 و7 أعوام، على أن تتولى الرئاسة السورية الإشراف المباشر على إدارة شؤون هذه الفرقة العسكرية.
يصل تعداد “الفرقة 84 قوات خاصة” إلى نحو 30 ألف مقاتل، ويقع مقرها الرئيس في الكلية البحرية في محافظة اللاذقية، وتنتشر في شمال غربي سوريا وعدد من المناطق الحدودية في ريف حمص الغربي وجنوب طرطوس، ويتكوّن قوامها الأساسي من قيادات وأفراد من الأردن والضفة الغربية وقطاع غزة وقيرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان وتركيا وألبانيا والشيشان وداغستان ومناطق أخرى.
وينتمي جزء كبير من أفرادها إلى حركة تركستان الإسلامية ولواء المهاجرين والأنصار وكتائب التوحيد والجهاد وأجناد القوقاز والعصائب الحمراء، بالإضافة إلى عناصر سورية، كان معظمهم ينتمي سابقاً إلى القوة الضاربة لـ”هيئة تحرير الشام”.
أبو محمد تركستان والمقاتلون الإيغور
تم تشكيل “الفرقة 84 قوات خاصة” بقيادة كل من عبد العزيز داوود خدابردي، الملقب بـ”أبو محمد تركستان”، ويُعرف أيضاً بـ”أبو محمد زاهد”، وعمر محمد جفتشي المعروف باسم “مختار التركي”، وذو القرنين زنور البصر عبد الحميد الملقب بـ”عبدالله الداغستاني”، القائد السابق لجيش “المهاجرين والأنصار”. وتتألف من ستة ألوية عسكرية متخصصة: “لواء مدرعات”، ولواءي “قتال جبال”، و”لواء مداهمة”، و”لواء مدفعية”، إضافة إلى “لواء حرب شوارع”.
كما يُمثّل “المقاتلون الإيغور” أكبر مكوّن أجنبي، إذ تم دمج نحو 3500 مقاتل ضمن وحدات “الفرقة 84″. وتُعدّ هذه العملية نقلة نوعية في خارطة القوة داخل سوريا، حيث تُعتبر الفرقة بديلاً ميدانياً لـ”الفرقة الرابعة” التي تولّت تأمين العاصمة دمشق، وكان يقودها ماهر الأسد، وأُطلق عليها “الجيش الموازي” في ظل الدعم الإيراني اللامحدود والصلاحيات المفتوحة التي مُنحت لها على امتداد الأراضي السورية، قبل تفكيكها.
يُصاحب تأسيس هذه الفرقة مجموعة من الشبهات القانونية والأمنية والانعكاسات الدولية، خصوصاً أن قرار دمج “المقاتلين الأجانب” يُعد خرقاً مباشراً للقانون الدولي، بما في ذلك اتفاقيات “جنيف” و”اتفاقية لاهاي 1907″، نظراً لغياب أي تحقيقات قضائية مسبقة للتأكد من عدم تورط هذه العناصر في جرائم حرب أو تطهير عرقي.
تجنيد القاصرين: انتهاك واضح للنظام الدولي
يضاف إلى ذلك تجنيد القاصرين، إذ تم رصد ضمّ أطفال ومراهقين تتراوح أعمارهم بين 14 و17 عاماً، يشاركون في التدريبات الميدانية والقتالية ضمن “اللواء الثاني للجبال”، ما يشكل انتهاكاً واضحاً لنظام “روما الأساسي” للمحكمة الجنائية الدولية (المادة 8، الفقرة 2/ب/26)، وكذلك للبروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل (2000)، ما يُبرز أن الانتماء إلى هذه الفرقة قائم على الإطار الأيديولوجي والفكري المرتبط بمفاهيم التأسيس للجهاد العابر للحدود.
يمكن قراءة عملية دمج المقاتلين الأجانب ضمن مكونات الجيش السوري في إطار سياقات متعددة على المستويين الإقليمي والدولي. فعلى المستوى الإقليمي، تبرز تركيا كشريك متحكم في المشهد الداخلي، في ظل كونها تمثل الداعم الرئيسي لوزارة الدفاع في حكومة أحمد الشرع، وتُعد الأكثر تأثيراً في هندسة القوة الأمنية والعسكرية، ولا ترى في وجود مقاتلين أجانب ضمن صفوف القوات العسكرية السورية ما يشكل تهديداً لأمنها، خصوصاً أن “الفرقة 84” لعبت دوراً في مواجهة “قوات قسد” الممثل الكردي في شمال شرق سوريا، والتي تُعد العدو الأبرز للحكومة التركية بقيادة الرئيس أردوغان.
إسرائيل: تهديد مُحتمل طويل الأمد
على الجانب الآخر، تنظر دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى البنية العسكرية السورية الجديدة بوصفها تهديداً محتملاً طويل الأمد، بسبب الخلفية الفكرية والعقائدية لوحدات “الفرقة 84″، وتستخدم هذا التوصيف لتبرير سياسة “الضربات الاستباقية” على أطراف دمشق والجولان، كما حدث في بيت جن، حين قدّمت عملياتها هناك باعتبارها استهدافاً لـ”بنية إرهابية واسعة” لا يمكن السماح لها بالتمدد نحو الحدود.
أما في الولايات المتحدة، فقد أظهر إقرار “قانون تقييم التهديد الإرهابي من سوريا” (H.R.1327) أن ملف المقاتلين الأجانب ليس محل إجماع في واشنطن، فبينما تتبنى الإدارة نهج الاحتواء وإعادة الهيكلة، يدفع تيار آخر نحو رقابة صارمة، شبيهة بما حدث في ملف “إلغاء قانون قيصر”، الذي واجه تردداً مشابهاً داخل المؤسسات الأمريكية.
توازنات داخلية لإعادة التَّشكُّل
على المستوى الداخلي لا يقتصر دور المقاتلين الأجانب على ضبط المناطق الهشة أو محاربة فلول النظام أو توطيد الحكم الجديد، فالقوة الآتية من بنية “الفرقة 84” تؤدي دوراً مركزياً في تشكيل الحلقة الصلبة المحيطة بالرئيس الشرع، وفي فرض توازنات داخلية تمنع الفصائل المسلحة من إعادة التَّشكُّل خارج سيطرة الدولة.
على المستوى الداخلي، لا يقتصر دور المقاتلين الأجانب على ضبط المناطق الهشة أو محاربة فلول النظام أو توطيد الحكم الجديد، فالقوة الآتية من بنية “الفرقة 84” تؤدي دوراً مركزياً في تشكيل الحلقة الصلبة المحيطة بالرئيس أحمد الشرع، وفي فرض توازنات داخلية تمنع الفصائل المسلحة من إعادة التشكّل خارج سيطرة الدولة.
إن تموضعها في مناطق تماس حساسة، ولا سيما على الحدود مع لبنان، يضعها في قلب التفاعلات الإقليمية ويجعلها عاملاً مؤثراً في معادلات التصعيد والردع، سواء في ما يتعلق بدور “حزب الله” أو الحسابات الإسرائيلية واستمرار توظيفها كـ”مبرر دائم” للضربات الاستباقية. وبذلك يبقى مستقبلها مرهوناً بقدرة الدولة السورية على تحقيق توازن بين استخدامها كأداة للضبط الداخلي، وعدم تحوّلها إلى عبء ينعكس سلباً على علاقاتها الخارجية.















