لا يمثل صدور كتاب “في رهانات التحديث” عن المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون (بيت الحكمة) مجرد احتفاء برمز أكاديمي بلغ الثمانين، بل هو بيان سياسي وفكري يوثق صعود واستمرارية “المدرسة التونسية” في دراسات الحضارة. عبد المجيد الشرفي، الذي ارتبط اسمه بتحويل الجامعة التونسية إلى معقل للنقد التاريخي للنصوص الدينية، لم يعد مجرد أستاذ، بل بات يمثل “مؤسسة فكرية” عابرة للأجيال.
يأتي هذا العمل الضخم، الذي يناهز الألف صفحة، في توقيت تعيش فيه المنطقة العربية، وتونس تحديداً، إعادة صياغة للعقد الاجتماعي، حيث يبرز التوتر بين نزعات المحافظة الدينية ومقتضيات الدولة المدنية الحديثة. إن هذا التجميع الفكري يسعى للإجابة عن سؤال بنيوي: كيف يمكن للعقل النقدي أن يواجه موجات التكفير عبر “المأسسة” لا عبر المواجهة الخطابية المباشرة فقط؟
إعادة التموضع في زمن القلق
يأتي تكريم الشرفي في لحظة تشهد فيها تونس تحولات سياسية عميقة أدت إلى تراجع صخب “الإسلام السياسي” التنظيمي، لكنها لم تنهِ التحديات الثقافية المرتبطة بـ”أسلمة الفضاء العام”. يدرك المجمع التونسي و”رابطة العقلانيين العرب” أن الفراغ الذي تركه تراجع الحركات الحزبية قد يمتلئ بنزعات شعبوية دينية أكثر انغلاقاً إذا لم يتم تعزيز البديل الفكري.
إن صدور الكتاب الآن هو محاولة لاستعادة “المبادرة الفكرية”. فالمساهمون، وهم في أغلبهم من طلبة الشرفي الذين يقودون اليوم أقسام الحضارة في الجامعات التونسية، يقدمون دليلاً على أن مشروع التحديث لم يكن “نزوة نخبورية” مرتبطة بشخص واحد، بل هو مسار مؤسساتي تمكن من التغلغل في بنية التعليم العالي. هذا الاستعراض للقوة الأكاديمية يهدف إلى طمأنة التيار العقلاني بأن أدوات التفكير النقدي ما زالت فعالة، وقادرة على إنتاج معرفة بديلة في مواجهة خطاب المؤسسات الدينية التقليدية التي تحاول استعادة نفوذها التاريخي.
بين صرامة المنهج وضغط الواقع
يكشف الكتاب عن تناقض جوهري يعيشه الفكر التحديثي العربي؛ فبينما ينجح الشرفي وتلاميذه في تفكيك “الحدود الشرعية” و”تاريخية القرآن” داخل الغرف الجامعية المغلقة، تظل الفجوة واسعة بين هذا النتاج وبين الوعي الجمعي السائد. يظهر التناقض في محاولات “نحت كيان المسلم الجديد” كما وصفتها رجاء بن سلامة؛ وهي عملية تتصادم مع واقع تعليمي واجتماعي ما زال ينتج نمطاً تقليدياً من التدين.
يبرز التناقض في علاقة “التحديث” بالسلطة. فالمدرسة التي أسسها الشرفي استفادت تاريخياً من هامش الاستقلالية الجامعية في تونس، لكنها اليوم تجد نفسها أمام معضلة: هل يمكن للتحديث الفكري أن ينجح دون بيئة سياسية ديمقراطية مستقرة تتبنى “المواطنة” كمعيار وحيد؟ المساهمات التي ناقشت “أسلمة المواطنة” و”الحريات الفردية” تشير بوضوح إلى أن الأزمة ليست في النص الديني قدر ما هي في “العقلية التبريرية” التي تستخدمها المؤسسات لإعاقة المسار الحقوقي، مما يضع الأكاديميا في مواجهة مباشرة مع القوى الاجتماعية المحافظة.
صيانة “الاستثناء التونسي”
إن المستفيد الأول من هذا الزخم الفكري هو الدولة الوطنية التونسية في صيغتها المدنية. إن مدرسة الشرفي تزود النخبة السياسية والحقوقية بالذخيرة المعرفية اللازمة للدفاع عن قوانين تقدمية، مثل “مجلة الأحوال الشخصية” أو مقترحات “المساواة في الميراث”. ومن خلال تفكيك “يقينيات النص الإسلامي” وتقديم قراءات بديلة مثل “التفسير والتأويل” لمحمد أبو هاشم محجوب، يتم سحب بساط “الاحتكار الحصري للحقيقة” من يد التيارات الراديكالية.
كذلك، تستفيد “رابطة العقلانيين العرب” من هذا الإصدار لتعزيز شبكتها الإقليمية. فربط اسم الشرفي بأسماء مثل أركون وأبو زيد والطرابيشي يضع التجربة التونسية ضمن سياق “جبهة عقلانية عربية” موحدة. هذا الترابط يمنح المثقف التونسي عمقاً عربياً، ويحول التجربة المحلية من حالة معزولة إلى نموذج قابل للتصدير، خاصة في ظل سعي دول عربية أخرى لاقتفاء أثر التحديث الاجتماعي مع الحفاظ على الاستقرار السياسي.
رهان الاستمرارية لا الرمزية
إن التحدي القادم لمدرسة الشرفي لا يكمن في إنتاج مزيد من الكتب، بل في قدرة هذه المادة العلمية (1000 صفحة) على التحول إلى سياسات عامة أو برامج تعليمية تخاطب الأجيال الجديدة. الكتاب يشير إلى مسارات بحثية جريئة، مثل “تاريخ القرآن” لبسام الجمل و”منطق المخاتلة” لهالة الورتاني، وهي موضوعات تمثل “مناطق محرمة” في أغلب الجامعات العربية.
المسار القادم سيحدد ما إذا كانت “العقلانية التونسية” ستظل حبيسة المجمعات العلمية مثل “بيت الحكمة”، أم أنها ستنجح في اختراق الحواجز الاجتماعية لتشكيل وعي “المسلم الجديد” الذي بشر به الشرفي. إن الانتقال من “نقد الدين” إلى “تحديث المجتمع” يتطلب تحويل الاستنتاجات الأكاديمية إلى لغة حقوقية وسياسية يومية. وبدون هذا الانتقال، سيظل إرث الشرفي، رغم ضخامته، مجرد “أرشيف ذهبي” لجيل ذهبي، في وقت يحتاج فيه الواقع إلى أدوات اشتباك أكثر فاعلية مع قضايا الهوية المتفجرة.
يظل الدكتور عبد المجيد الشرفي حالة استثنائية في الأكاديميا العربية، ليس لجرأة أطروحاته فحسب، بل لنجاحه في تحويل “المنهج” إلى “جيل”. كتاب “في رهانات التحديث” هو الوثيقة الرسمية لختام مرحلة التأسيس وبداية مرحلة الاختبار الحقيقي: هل يصمد “العقل” أمام “العاطفة الهوياتية” في تونس ما بعد الانتقال؟ الإجابة تكمن في مدى قدرة تلاميذه على تحويل هذه “الرهانات” إلى واقع ملموس في التشريع والتعليم والثقافة العامة.
الكتاب: في رهانات التحديث
أعمال مهداة الى الاستاذ عبد المجيد الشرفي بمناسبة عيد ميلاده الثمانين
المؤلف: مجموعة من المؤلفين (28 جامعي تونسي)
الناشر: المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون (بيت الحكمة)
عدد الصفحات:870 (قسم عربي وقسم فرنسي)
السعر: 50 دينار تونسي / 50 دولار















