لم يعد سباق التسلح العالمي مُجرد انعكاس لهيمنة القوى العظمى التقليدية، بل تحول إلى استجابة بنيوية لغياب اليقين الأمني وتصدع التحالفات التاريخية. ومع اقتراب الإنفاق العسكري العالمي من حاجز 2.9 تريليون دولار، تتكشف ديناميكية جديدة؛ يتراجع خلالها الإنفاق الأمريكي “المُحقق” مؤقتاً نتيجة تجاذبات الموازنة، لتتولى أوروبا وآسيا قيادة دفّة العسكرة.
هذا التحول لا يعكس استجابة لتهديدات جيوسياسية مباشرة فحسب، بل يُترجِم أزمة ثقة عميقة في المظلة الأمنية للولايات المتحدة، ما يدفع القوى الإقليمية إلى بناء قدرات ردع ذاتية، ويؤسس لاقتصاد حرب عالمي يتغذى على التوترات المستدامة، ويعيد صياغة مفاهيم السيادة عبر فوهات المدافع بدلاً من قاعات الدبلوماسية.
سجلت التقارير التحليلية المعتمدة على بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري) زيادة قياسية مستمرة لأرقام الإنفاق العسكري العالمي للعام الحادي عشر توالياً، مع تركز نصف الإنفاق تقريباً بين الولايات المتحدة، والصين، وروسيا.
اللافت في الحسابات الختامية هو تذبذب الإنفاق الأمريكي المُعلن، في مقابل تسجيل أوروبا قفزة بنسبة 14% لتصل إلى 864 مليار دولار، مدفوعة بزيادات حادة في ألمانيا وإسبانيا. كما شهدت آسيا زيادة بنسبة 8.5% مسجلة 681 مليار دولار، في حين استقر الشرق الأوسط بزيادة هامشية مع تراجع الإنفاق الفعلي لكل من إسرائيل وإيران نتيجة الضغوط الاقتصادية.
الانكفاء وتآكل المظلة الأمنية
يأتي هذا التصعيد التسليحي في لحظة مفصلية تتسم بتآكل الثقة في الضمانات الأمنية التقليدية. في حين أن التراجع المُسجل في بعض بنود الإنفاق العسكري للولايات المتحدة نتيجةً لتعليق بعض حزم المساعدات أو التأخر في إقرار الموازنات، لا يُشير إلى نهاية حقبة الهيمنة، بل يبعث برسالة مُقلقة للحلفاء مفادها أن الاعتماد المُفرط على واشنطن بات استراتيجية محفوفة بالمخاطر.
دفع هذا الانكفاء التكتيكي، المقترن باستنزاف الموارد في أوكرانيا التي أنفقت نحو 40% من ناتجها المحلي الإجمالي (84.1 مليار دولار)، الدول الأوروبية إلى استيعاب الصدمة عبر تبنّي سياسات دفاعية استقلالية. ولم يعد الإنفاق الأوروبي مُجرد التزام بمتطلبات حلف شمال الأطلسي، بل مُحاولة عاجلة لبناء جدار ردع ذاتي. وفي الوقت ذاته، تعكس الطفرة الآسيوية، حيث رفعت دول المنطقة ميزانياتها استجابة للإنفاق الصيني التصاعدي، إدراكاً إقليمياً بأن الاعتماد على التدخل الأمريكي المباشر في أي صراع مستقبلي قد لا يكون مضموناً.
تضخم النفقات وهشاشة الردع
تبرز في بنية الإنفاق العسكري تناقضات جوهرية تُفكك السَّردية القائلة بأن زيادة التسلُّح تعني حتماً تعزيزاً للأمن. المفارقة الأولى تتجلى في منطقة الشرق الأوسط، التي سجلت شبه ركود في نمو الإنفاق رغم كونها بؤرة التوتر الأكثر سخونة. هذا التناقض يفسر بأن تراجع الأرقام الإسرائيلية والإيرانية لا يعكس استقراراً استراتيجياً، بل يكشف عن دورات استنزاف اقتصادي؛ حيث أكل التضخم القيمة الحقيقية للنفقات.
المفارقة الثانية تكمن في أوروبا، حيث لم تُترجم الزيادات الضخمة في ميزانيات ألمانيا (114 مليار دولار) وإسبانيا، بعد إلى قدرات تشغيلية جاهزة، بل تبدو كاستجابات سياسية مذعورة لسد فجوات عقود من الإهمال. هذه التناقضات تؤكد أن تصاعد الأرقام يُعبر عن “تضخم في التهديد” أكثر من كونه تراكماً في القوة؛ فالعالم يشتري وهماً أمنياً مكلفاً لا يعالج المخاطر البنيوية والجيوسياسية العميقة.
الرابحون في اقتصاد الحرب
لا يعمل الاقتصاد العسكري في فراغ؛ فخلف هذا التدفق الهائل للأموال تبرز شبكة من المستفيدين الاستراتيجيين. أولاً، يشكل هذا التوجه عصراً ذهبياً للمجمعات الصناعية العسكرية، سواء في الولايات المتحدة أو في أوروبا التي تبحث عن توطين صناعاتها الدفاعية. ثانياً، تستفيد القوى الإقليمية الصاعدة من هذا المناخ لفرض أمر واقع جديد؛ فالصين ترسخ موقعها كقوة نديَّة عبر نمو مدروس، مستغلةً الانشغال الغربي في الجبهة الشرقية لأوروبا.
على صعيد السياسة الداخلية، توفر عسكرة الميزانيات للحكومات مبرراً لفرض سياسات تقشفية في القطاعات المدنية ومخصصات الحقوق الاجتماعية تحت ذريعة “أولوية الأمن القومي”، ما يمس بجوهر الحكم الرشيد.
المستفيد الأكبر في نهاية المطاف هو المنطق العسكري ذاته، الذي نجح في تهميش مؤسسات الدبلوماسية الدولية، جاعلاً من سباق التسلح الآلية الوحيدة لضمان البقاء في نظام دولي يتجه نحو تعددية قطبية فوضوية.
هندسة الانفجار وتسليح المستقبل
يشير مسار الأرقام إلى أن النظام العالمي قطع نقطة اللاعودة في دورة العسكرة الحالية. ومع خطط الكونغرس الأمريكي لاستعادة المبادرة عبر ميزانيات تاريخية، فإن التراجع الطفيف المسجل في بعض الفترات ليس سوى التقاط أنفاس قبل موجة تسلح أشد كثافة. المرحلة المقبلة لن تقتصر على الأسلحة التقليدية، بل ستشهد توجيه كتل نقدية هائلة نحو الأسلحة الذاتية التشغيل والذكاء الاصطناعي.
إن تجاوز عتبة 2.9 تريليون دولار يكرس حقيقة قاسية: العالم لم يعد يستعد لاحتمالية الحرب، بل يمول بنية تحتية مستدامة لصراعات متزامنة. لم يعد الإنفاق العسكري مجرد بند مالي دوري، بل بات المؤشر الأدق على تفكك النظام الدولي وهندسة التحالفات القائمة؛ حيث تُستبدل استراتيجيات التنمية المستدامة بهندسة مالية متأنية لتمويل الانفجار القادم.















