لندن - مصطفى سري
لندن - مصطفى سري

مقالات مشابهة

تقرير ميداني

“شقق للإيجار: للمسلمين فقط”.. إعلانات محدودة تتحول إلى قضية انتخابية وتُفجر جدل التمييز في بريطانيا

لندن - مصطفى سري
لندن - مصطفى سري

في أحد أحياء لندن الهادئة، لم يكن إعلان بسيط على “إنستغرام” سوى شرارة أشعلت نقاشًا أوسع بكثير من حدود غرفة للإيجار. عبارة “مسلمة فقط” التي كُتبت على عجل، سرعان ما تحولت إلى قضية عامة، أعادت إلى الواجهة ملف التمييز في السكن، ودفعت به مباشرة إلى قلب الحملات الانتخابية قبل استحقاق مايو 2026.

لم تعد إعلانات السكن التي تحمل وسم “للمسلمين فقط” في بريطانيا مُجرد مخالفات إجرائية لقانون المساواة لعام 2010، بل تحولت إلى “أعراض جانبيّة” لأزمة بنيوية أعمق تضرب المجتمع البريطاني. في ظل ضغوط تضخمية حادة وندرة في الوحدات السكنية المتاحة، برزت “اقتصاديات الهوية” كآلية دفاعية للمجتمعات المحلية، لكنها في المقابل منحت اليمين المتطرف ذخيرة سياسية غير مسبوقة قبل انتخابات مايو 2026. 

هذه الظاهرة لا تكشف فقط عن جهل قانوني، بل عن اتساع الفجوة بين التشريعات الليبرالية الصارمة والواقع السوسيولوجي في المدن الكبرى مثل لندن ومانشستر، حيث يُعاد رسم الحدود الاجتماعية داخل الجدران المغلقة للمنازل المشتركة.

المسلمون: وزن انتخابي مُتزايد

رغم سحب الإعلان، فإن صداه لم يخفت. فقد تصدرت القضية نقاشات الأحزاب، في بلد يبلغ عدد سكانه نحو 70 مليون نسمة، ينحدرون من خلفيات آسيوية وأفريقية وشرق أوسطية، فيما يشكل المسلمون نحو 17% من السكان، ما يمنحهم وزنًا انتخابيًا متزايدًا.

هذا الثقل الديموغرافي يُفسر، إلى حد كبير، الحملة الحادة التي شنها حزبا العمال والمحافظين على حزب الإصلاح اليميني، بعد تصريحات مرشحته كيت ميكايلا التي دعت إلى ترحيل جماعي للمسلمين من بريطانيا، في موقف فجّر بدوره موجة غضب سياسي وإعلامي.

جهل بالقوانين.. أم واقع مفروض؟

في جولات ميدانية بين مكاتب العقارات وحديث مع السكان، يتكرر مشهد واحد: ارتفاع الإيجارات يدفع كثيرين إلى مشاركة السكن لتخفيف الأعباء، لكن هذا الحل العملي يتحول أحيانًا إلى فخ قانوني.

يقول يوسف جمال، صاحب وكالة عقارات، إن القوانين البريطانية “واضحة وصارمة”، فهي تمنع بشكل قاطع تحديد هوية المستأجرين على أساس الدين أو العرق، سواء في البيع أو الإيجار. ويضيف: “لا يجوز تخصيص السكن لفئة دينية أو عرقية، وأي إعلان من هذا النوع يضع صاحبه تحت طائلة قوانين مكافحة التمييز”.

رغم ذلك، تظهر هذه الإعلانات بشكل مُتكرر، ما يراه جمال انعكاسًا لـ”جهل بالقوانين أكثر منه نية متعمدة”، خاصة أن العاملين في القطاع يخضعون منذ البداية لتدريب قانوني يمنعهم من الوقوع في مثل هذه المخالفات. ويؤكد أن الوكالات العقارية تلتزم بتقديم خدماتها دون تمييز، مشيرًا إلى أن “أي إعلان يتضمن طلبًا تمييزيًا يُقابل برفض واسع في السوق”. يوشير أحد وكلاء العقارات، مفضلًا عدم الكشف عن اسمه، إلى أن بعض هذه الترتيبات تتم داخل شبكات اجتماعية مغلقة، حيث تساعد الجاليات أفرادها في إيجاد سكن، لكن دون إعلان صريح، تفاديًا للمساءلة القانونية.

من جهته، يوضح سيف لطفي، رئيس الجالية السودانية في مانشستر، أن المشكلة تتكرر بين القادمين الجدد، الذين لا يمتلكون وعيًا كافيًا بالقوانين، فيلجؤون إلى نشر إعلانات عبر وسائل التواصل دون إدراك تبعاتها القانونية، في حين ترفض الشركات العقارية هذه الصياغات بشكل قاطع.

في أحياء متعددة من لندن ومانشستر وبرمنغهام، تعكس الإعلانات غير الرسمية واقعًا اجتماعيًا واقتصاديًا متشابكًا. الجاليات العربية والمسلمة، كغيرها، ليست كتلة واحدة؛ إذ يتمتع بعض أفرادها بدخل مرتفع واستقرار وظيفي، بينما يواجه آخرون ضغوطًا معيشية تدفعهم إلى تقاسم المسكن.

ليس المسلمين فقط

التحقيقات الصحفية، ومنها ما نشرته “التلغراف”، تكشف أن الظاهرة لا تقتصر على المسلمين. فصور شاشة من تطبيق “تيليغرام” أظهرت عشرات الإعلانات التي تطلب مستأجرين من جنسيات أو ديانات محددة، في نمط يتجاوز إطار حالة فردية إلى سلوك متكرر. وفي بعض الحالات، تتخذ الشروط طابعًا مختلفًا، كطلب مستأجرين نباتيين لتجنب إدخال اللحوم إلى المنزل. ورغم أن هذا الشرط يبدو سلوكيًا، إلا أنه قد يدخل في نطاق التمييز إذا ارتبط بخلفية دينية أو عرقية.

وعند اختبار هذه الإعلانات، تواصلت الصحيفة مع معلنين في مناطق مثل والتامستو وتشادويل هيث، فجاءت الإجابات حاسمة: رفض تأجير الغرف لغير المسلمين، وإغلاق النقاش فور طرح السؤال.

في المقابل، يؤكد خبراء في منصات الإعلانات العقارية أن هذه المواقع تعتمد سياسات صارمة تحظر التمييز، لكنهم لا يستبعدون تسلل بعض الإعلانات، خاصة تلك المتعلقة بغرف داخل منازل مشتركة، حيث يميل المقيمون إلى اختيار من يشاركونهم نمط حياتهم.

من الشارع إلى صناديق الاقتراع

لم يبق الجدل في حدود السوق العقارية، بل انتقل سريعًا إلى الساحة السياسية. تصريحات كيت ميكايلا، مرشحة حزب الإصلاح اليميني، حول ترحيل المسلمين، فجّرت موجة انتقادات عابرة للأحزاب.

آنا تورلي، القيادية في حزب العمال، وصفت تلك التصريحات بأنها “بغيضة”، بينما اعتبرها كيفن هولينريك من حزب المحافظين “مُشينة وتحمل كراهية للإسلام”.

كما أعادت ميكايلا نشر محتوى للناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون، يتهم فيه وزيرة الداخلية إيفيت كوبر بالسماح للإسلام بـ”السيطرة على بريطانيا”، إلى جانب منشورات تدعو إلى مغادرة المسلمين البلاد بحلول عام 2030.

تشديد الرقابة الرقمية

من المرجح أن تشهد المرحلة القادمة تشديداً في الرقابة الرقمية على المنصات العقارية غير الرسمية، مع احتمالية فرض غرامات رادعة على الأفراد وليس فقط الشركات. سياسياً، ستظل قضية “المجتمعات الموازية” ورقة رابحة في الحملات الانتخابية، مما قد يدفع الحكومة القادمة لتبني سياسات اندماج أكثر قسوة في قطاع الإسكان.

الخطر الحقيقي يكمن في تحول السكن إلى “خنادق هوية”؛ فإذا استمر عجز الدولة عن توفير سكن ميسر للجميع، ستزدهر “الأسواق السوداء للهوية”، حيث لا يُستأجر العقار بالمال وحده، بل بالانتماء الديني أو العرقي، مما يهدد بتآكل المبدأ البريطاني التاريخي حول “العيش المشترك” وتحويل المدن إلى جزر معزولة قانونياً واجتماعياً.