بقلم: عزيز عزيز
بقلم: عزيز عزيز

مقالات مشابهة

تقرير دولي

“العفو الدولية 2026”: النظام العالمي يُواجه “قوى مُتوحشة” ويَتفكك تحت وطأة الحروب والاستبداد وازدواجية المعايير

بقلم: عزيز عزيز
بقلم: عزيز عزيز

في وثيقة رسمية وُصفت بأنها الأكثر تحذيراً في العقد الأخير، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرها السنوي “حالة حقوق الإنسان في العالم 2026″، الذي لم يكتف برصد الانتهاكات، بل قدم تشريحاً سياسياً وأخلاقياً عميقاً لمشهد عالمي ينهار فيه النظام الدولي القائم على القواعد، وتتصدره قوى مُتوحشة نهمة للموارد، تقودها حكومات تتبنّى لغة التدمير والقمع.

تفتتح أنياس كالامار، الأمينة العامة للمنظمة، التقرير بتوصيف عام 2025 بالفترة التي “شهدت إشعال نيران هوجاء” هددت بحرق المستقبل وأسس العدالة التي بُنيت ببطء ومعاناة على مدار 80 عاماً. مشيرة إلى أن المشهد لم يكن مُجرد فترة عصيبة، بل تحول بنيوي، بعيداً عن المبادئ التي ارتقى بها العالم من رماد الهولوكوست والدمار الشامل اﻟﻨﺎﺟﻢ ﻋﻦ اﻟﺤرﺑﻴﻦ اﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺘﻴﻦ.

شهد عام 2025 بروز زعماء مثل ترامب وبوتين ونتنياهو، الذين نفذوا “غزوات” بهدف الهيمنة السياسية والاقتصادية عبر القمع والعنف واسع النطاق. وفي مواجهة هذه القوى، اختارت معظم الحكومات، وخاصة الأوروبية منها، سياسة “الاسترضاء” أو الصمت، واحتمت حكومات أخرى في ظلِّها، فيما اختارت قلة قليلة فقط التصدي لها. هكذا بدأ اختراق الحواجز الدولية واحداً تلو الآخر، من خلال التواطؤ وارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، أو التزام الصمت حيالها.

انهيار النظام الدولي وازدواجية المعايير

يرفض التقرير السردية القائلة بأن النظام الدولي القائم منذ عام 1948 كان مُجرد “وهم”، بل يُؤكد أنه كان تجلياً ملموساً لالتزام عالمي بعدم تكرار الفظائع، وهو نظام شاركت في صياغته الدول الصغيرة قبل الكبيرة. إلا أن هذا النظام يتعرض اليوم للتقويض المُمنهج من قبل الدول القوية التي لم يعد يخدم مصالحها.

وتنتقد المنظمة “ازدواجية المعايير” الصارخة التي أدت إلى شلل مجلس الأمن عبر إساءة استخدام حق النقض (الفيتو)، ما سمح بوقوع مآسٍ مُروعة بلا رادع، وتؤكد أن “النظام البديل” الذي تحاول هذه القوى فرضه يقوم على التفوق التجاري والهيمنة التكنولوجية بدلاً من احترام الإنسانية المشتركة.

حروب الإبادة والنزاعات المسلحة.. نزيف لا يتوقف

احتل ملف الإبادة الجماعية والنزاعات المسلحة الحيز الأكبر من الرصد والتحليل في تقرير “منظمة العفو الدولية”:

أولاً) فلسطين وقطاع غزة: وثّق التقرير استمرار جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل ضد الفلسطينيين في غزة، حتى بعد اتفاقات وقف إطلاق النار، وقتلها 26,791 فلسطينياً خلال عام 2025 وحده، 60% منهم من الأطفال والنساء وكبار السن. كما رصد سياسة “التجويع المُتعمد” وتدمير البنية التحتية التعليمية والطبية بالكامل. وفي الضفة الغربية، تصاعد نظام “الأبارتهايد” عبر عمليات الفصل العنصري والهدم وتشريد الفلسطينيين وعنف المستوطنين المدعوم من الدولة.

ثانياً) حرب روسيا في أوكرانيا: دخل الغزو الروسي على أوكرانيا عامه الرابع، حيث واصلت موسكو ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، بما في ذلك تماديها في انتهاج أسلوب واسع النطاق من الاخفاء القسري، والتعذيب، واستهداف المدنيين، مع تصعيد الهجمات على البنية التحتية للطاقة، وترك الملايين بلا تدفئة في شتاء قارس، فضلاً عن توثيق عمليات إعدام خارج نطاق القضاء لأسرى الحرب الأوكرانيين. في المقابل، ﺷﻨﺖ أوﻛﺮاﻧﻴﺎ ﻋﺪداً ﻣﻦ اﻟﻬﺠﻤﺎت ﻋﻠﻰ أﻫﺪاف داﺧﻞ روﺳﻴﺎ، أوقعت خسائر في اﻷرواح، وأﻟﺤقت أﺿﺮاراً ﺑﻤﺮاﻓﻖ الطاقة واﻟﺒﻨﻴﺔ اﻟﺘﺤﺘﻴﺔ اﻟﻤﺪﻧﻴﺔ.

ثالثاً) حرب السودان: بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تسببت حرب السودان بأزمة نزوح هي الأسرع تنامياً في العالم، إذ ارتكبت القوات المسلحة وقوات الدعم السريع انتهاكات جسيمة شملت القتل على أساس العرق، والعنف الجنسي الممنهج، مع استخدام التجويع كسلاح إخضاع.

رابعاً) صراعات أخرى: لم تُغفل “العفو الدولية” الجرائم المستمرة في ميانمار، وسوريا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وغيرها، حيث ظل الإفلات من العقاب هو السِّمة السَّائدة.

صعود الاستبداد وقمع المجتمع المدني

رصد التقرير كثافة الممارسات الاستبدادية في عام 2025، حيث لجأت بعض الحكومات إلى قوانين مكافحة الإرهاب لتجريم المعارضة السِّلمية التي احتجت على المظالم السياسية والاجتماعية الاقتصادية. واستمر شيوع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، بما في ذلك استخدام أسلحة الصعق الكهربائي.

في إيران، نُفذ أعلى عدد من الإعدامات منذ عقود كأداة للقمع السياسي، مع استمرار فرض الحجاب الإلزامي بالقوة واستهداف المحتجين بالعنف القاتل. أما في الولايات المتحدة، فقد شهد مطلع عام 2026 إجراءات غير مسبوقة من إدارة ترامب لتقويض سيادة القانون، واستهداف المتظاهرين، وتوسيع نظام احتجاز المهاجرين في منشآت غير إنسانية.

وفي تنزانيا، أسفرت حملة قمع ضد المتظاهرين في أعقاب الانتخابات عن مئات الوفيات. في نيبال، أسفر قمع المظاهرات التي قادها الشباب احتجاجاً على الفساد وحظر وسائل التواصل الاجتماعي، عن مصرع 76 شخصاً، بينهم متظاهرون وأفراد من الشرطة. ووُثق أيضاً سقوط وفيات في صفوف المتظاهرين من جراء الاستخدام غير المشروع للقوة في بلدان مثل الإكوادور، وإندونيسيا، وأنغولا، وباكستان، وبيرو، وتركيا، والكاميرون، وكينيا، ومدغشقر.

في عدد من البلدان، بينها أفغانستان وأوغندا وباكستان وبوركينا فاسو وبيلاروس وروسيا والصين وفنزويلا وكوبا وكوريا الشمالية وميانمار ونيكاراغوا، تحوّل الاختفاء القسري إلى أداة ممنهجة تستخدمها السلطات لبث الذعر واستهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء والصحفيين.

التكنولوجيا في خدمة القمع

حذّر التقرير من تسخير الحكومات للتكنولوجيا لتعزيز استبدادها. وكشفت المنظمة عن بيع نسخ تجارية من “جدار الحماية العظيم” (Firewall Great) الصيني لدول مثل باكستان للتحكم في المعلومات. كما استمر انتشار برمجيات التجسس غير المنظمة، مثل برامج “إنتلكسا” و”إن إس أو”، التي تستهدف المدافعين عن حقوق الإنسان.

ووظفت الحكومة الأمريكية أدوات المراقبة ضد المتظاهرين من الطلاب والمهاجرين. وعمدت السلطات في بعض البلدان، من بينها أفغانستان، وباكستان، وتنزانيا، وجنوب السودان، إلى فرض قيود على إمكانية الوصول إلى الإنترنت لكبت حرية التعبير أثناء المظاهرات.

وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، أشار التقرير إلى أن “التنظيم الرقابي ظل متخلفاً عن الركب”، ما أدى إلى تفاقم انعدام المساواة باستخدام الخوارزميات التمييزية في أنظمة الضمان الاجتماعي والهجرة. كما سلط الضوء على دور منصات التواصل الاجتماعي مثل “إكس” و”تيك توك” في نشر خطاب الكراهية والعنصرية وتسهيل أعمال الشغب.

الفشل المناخي والعدالة الاقتصادية

انتقدت المنظمة بشدة نتائج مؤتمر المناخ (كوب 30) في البرازيل، مع عدم التزام القادة بالتخلص من الوقود الأحفوري. فواصلت دول مثل البرازيل وكندا والولايات المتحدة تعزيز إنتاجها وصادراتها من الوقود الأحفوري، متجاهلة الالتزامات الدولية. وأدى تغير المناخ إلى كوارث أثرت بشكل غير متناسب على الفئات الضعيفة في بلدان مثل بنغلاديش والصومال.

اقتصادياً، أسفرت الديون وتقليص المساعدات الدولية، وخاصة القرار المفاجئ من الولايات المتحدة بوقف المساعدات الخارجية، عن تقويض الحقوق الصحية والتعليمية لملايين الأشخاص في البلدان منخفضة الدخل. ﺑﻤﺎ في ذﻟﻚ ﻋﻼج ﺳﻮء اﻟﺘﻐﺬﻳﺔ ﻟﻸﻃﻔﺎل، واﻷﻣﻬﺎت اﻟﺤﻮاﻣﻞ واﻟﻤُﺮﺿﻌﺎت، ودور اﻹﻳﻮاء اﻵﻣﻨﺔ ﻟﻠﻨﺎﺟﻴﺎت ﻣﻦ اﻟﻌُﻨﻒ اﻟﻘﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﻮع اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ، واﻟﺮﻋﺎﻳﺔ اﻟﺼﺤﻴﺔ للذين ﻳﻌﺎﻧﻮن ﻣﻦ اﻟﻜﻮﻟﻴﺮا وأﻣﺮاض أﺧﺮى.

الهجرة والتمييز: العنصرية الهيكلية

انتهجت بعض الحكومات ممارسات استبدادية في سياق اللجوء والهجرة؛ وأجازَت تدابير غير مشروعة أو تحايلت على الإجراءات التشريعية من أجل فرض سياسات ضارة فيما يتعلق بالهجرة. وأبرز التقرير تعرض اللاجئين والمهاجرين لسياسات تنطوي على “عنصرية هيكلية” صارخة. ففي عام 2025، اعتمدت الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبية، من بينها إيطاليا، وبولندا، وفنلندا، وقبرص، والمجر، واليونان، إلى جانب بلدان أخرى، أو نفذت، تدابير متشددة لتنفيذ عمليات الترحيل وغيرها من أشكال الإعادة القسرية.

في الشق ذاته، وثّقت منظمة العفو الدولية استخدام التكنولوجيا الرقمية لتعزيز النظم الحدودية التي تمارس التمييز على أساس العرق، أو الإثنية، أو الأصل القومي، في دول مثل كندا وجمهورية الدومينيكان وليبيا وأمريكا.

المحاسبة وبوارق الأمل

رغم القتامة، سجل التقرير دلائل على صمود المجتمع المدني وإصراره على المحاسبة، فعلى سبيل المثال أحرزت المحكمة الجنائية الدولية تقدماً واضحاً بصدور أوامر اعتقال بحق قادة من طالبان، وتسليم رئيس الفلبين السابق رودريغو دوتيرتي.

وشهدت التحركات الشعبية في دول مثل إسبانيا وإيطاليا وفرنسا واليونان إضرابات لعمال الموانئ لعرقلة شحن الأسلحة إلى إسرائيل، كما أدت انتفاضة شبابية في نيبال إلى الإطاحة بالحكومة احتجاجاً على الفساد. ووسّعت دول مثل الدنمارك ولوكسمبورغ الأطر القانونية فيما يتعلق بحقوق الإجهاض، وحظرت بوركينا فاسو وبوليفيا زواج الأطفال.

مسؤولية عُموم الناس

ختمت كالامار رسالتها بالدعوة إلى العمل بدلاً من اليأس، مؤكدة أن “التاريخ ليس مُجرد أحداث تُفرض علينا، بل هو ملك لنا لنصنعه”. داعية الجميع، من سياسيين ودبلوماسيين ونشطاء وعمال ومنتجين وناخبين ومستثمرين، إلى بناء تحالفات قوية للدفاع عن حقوق الإنسان، وحقوق الأجيال القادمة، مهما كان الثمن.

إن تقرير عام 2026 هو صرخة في وجه عالم يوشك أن يفقد بوصلته الأخلاقية، ووثيقة تؤسس لمرحلة جديدة من المقاومة المدنية العالمية تحت شعار “سننهض”. الحفاظ على حقوق الإنسان يتطلب اليوم شجاعة في الخيال وإبداعاً في المواجهة قبل أن تحترق أسس العدالة الدولية بالكامل.